المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الداعية لهذا الأسبوع <<< فكرة راقت لي كثيرا


الصفحات : 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 [13] 14 15 16 17 18 19

!
10-02-20, 02:21 PM
الزبرجدة الرابعة : الامتياز في الإنجاز

إذا لم يكن عون من الله للفتى فأول ما يجني عليه اجتهاده

يقول أحد الأثرياء :
لا يتملكني أي شعور خاص لأنني أغنى رجل في العالم ، و أعيش حياة عادية في شقة متواضعة مع زوجتي ، ولا أشرب ولا أدخن ولا أعشق حياة المليارديرات الذين تملأ صورهم الصحف ، بيخوتهم الفاخرة ، وقصورهم في الأرياف ، وحياتهم الصاخبة ، وزيجاتهم من فتيات جميلات ، وهي الزيجات التي تنتهي عادة بطلاق يدفعون مقابله ملايين الدولارات .
أعشق العمل وأسعد به وغالبا ما آخذ غدائي معي لأتناوله في مقر عملي ولا تملأ ذاكرتي الغبطة والسعادة إذا تصورت ما املكه من مليارات ، ولكن تملؤها السعادة حين أتذكر أنني قد ساعدت في تحويل مدينتي الأم ( طوكيو ) بشوارعها المتواضعة إلى عاصمة هي محط أنظار العالم بالمجمعات العقارية الحديثة التي أنجزتها ..باختصار سعادتي في الإنجاز .

إشراقة : التحسر لا ينتشل سفينة من أعماق البحار !

ومضة : أليس الله بكاف عبده

!
10-02-20, 02:22 PM
الزبرجدة الخامة : عالم الكفر يعاني الشقاء

ولو جاز الخلود خلدت فردا ولكن ليس للدنيا خلود

ألقى الدكتور (( هارولدسين هابين)) الطبيب بمستشفى ( مايو ) رسالة في الجمعية الأمريكية للأطباء والجراحين العالمين في المؤسسات الصناعية قال فيها : إنه درس حالات 176 رجلا من رجال الأعمال ، أعمارهم متجانسة في نحو الرابعة والأربعين ، فاتضح له أن أكثر من ثلث هؤلاء يعانون واحدا من ثلاثة أمراض تنشأ كلها عن توتر الأعصاب وهي : اضطراب القلب ، وقرحة المعدة ، وضغط الدم ، ذلك ولما يبلغ أحدهم الخامة والأربعين بعد ! ، هل يعد ناجحا ذاك الذي يشتري نجاحه بقرحة في معدته ، واضطراب في قلبه ؟ وماذا يفيده المرض إذا كسب العالم أجمع وخسر صحته ؟ !، لو أن أحداً ملك الدنيا كلها ما استطاع أن ينام الأعلى سرير واحد ، وما وسعه أن يأكل أكثر من ثلاث وجبات في اليوم ، فما الفرق بينه وبين العامل الذي يحفر الأرض ؟ ‍ لعل العامل اشد استغراقا في النوم ، وأوسع استمتاعا بطعامه من رجل الأعمال ذي الجاه والسطوة .
ويقول الدكتور (( و س . الفاريز )) : اتضح أن أربعة من كل خمسة مرضى ليس لعلتهم أساس عضوي البتة ، بل مرضهم ناشئ عن الخوف ، والقلق ، والبغضاء ، والأثرة المستحكمة ، وعجز الشخص عن الملاءمة بين نفسه والحياة .

إشراقة : نحن لا نملك تغيير الماضي ولا رسم المستقبل بالصورة التي نشاء ، فلماذا نقتل أنفسنا حسرة على شيء لا نستطيع تغييره ؟!

ومضة : لا تغضب ، لا تغضب ، لا تغضب

!
10-02-20, 02:22 PM
الزبرجدة السادسة : من أخلاق شريكة الحياة

ورب عسر أتى بيسر فصار معسوره يسيرا

المرأة المؤمنة الصالحة لا ترهق زوجا بكثرة طلباتها ، فهي تقنع بما قسمه الله لها ، وقدوتها في ذلك آل بيت رسول الله r ، يروي عروة عن خالته عائشة رضي الله عنها أنها كانت تقول : ( والله يا ابن أختي إن كنا لننظر إلى الهلال ، ثم الهلال ، ثلاثة أهله في شهرين ، وما أوقد في أبيات رسول الله صلى الله عليه وسلم نار ، قلت : يا خالة ، فما كان يعيشكم ؟ قالت : الأسودان : التمر والماء ، إلا انه قد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم جيران من الأنصار ، وكانت لهم منايح ، فكانوا يرسلون إلى رسول الله r ، من ألبانها فسقيناه ).
إشراقة : قيمة الحياة هي أن يحيا الإنسان كل ساعة منها

ومضة : العمل وقود الأمل وعدو الفشل

!
10-02-20, 02:22 PM
الزبرجدة السابعة : أرضى باختيار الله لك

ولا تظنن بربك ظن سوء فإن الله أول بالجميل

ما أروع ما قالته السيدة هاجر رضي الله عنها زوج إبراهيم وأم إسماعيل عليهما السلام حين تبعت زوجها – بعد أن وضعها وابنها في واد غير ذي زرع ومضى -، تكرر على مسامعه : يا إبراهيم ، أين تذهب وتتركنا في هذا الوادي الذي ليس فيه أنيس ولا شيء ؟، وجعل لا يلتفت إليها ، فقالت له آلله أمرك بهذا ؟ قال : نعم ، قالت : ( إذا لا يضيعنا ) ‍ نعم ، إن الله لا يضيع عباده الصالحين ، ألم يعوض الله سبحانه وتعالى الرجل وزوجته في سورة الكهف ؟: )وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً) )فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً) (الكهف:81) .
ألم يحفظ الله تعالى صاحب الكنز – الرجل الصالح – في ولديه حين أمر صاحب موس أن يبني الجدار من جديد ، فيثبته حتى يكبر ولداه فيأخذا كنز والدهما ؟: )وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّك)(الكهف: من الآية82)
إشراقة : لن أستطيع تغيير الماضي ، ولست الآن قادرة على أن اعلم ما سيجيء فلماذا اندم أو اقلق؟!

ومضة : النصر مع الصبر

!
10-02-20, 02:23 PM
الزبرجدة الثامنة : لا تأسفي على الدنيا

فيا عجبا كيف يعصى الإله أم كيف يجحده الجاحد ؟!

إن من يعلم بقصر عمر الدنيا ، وقلة بضاعتها ، ورداءة أخلاقها ، وسرعة تقلبها بأهلها ، لا يأسف على شي منها ، ولا ييأس على ما ذهب منها ، فلا تحزني على ما فات ولا تياسي ، فإن لنا دارا أخرى اعظم وابقى واكبر واحسن من هذه الدار ، وهي الدار الآخرة ، فاحمدي الله انك تؤمنين بلقاء الواحد الأحد وغيرك – من غير المسلمات – يكفرن بهذا اليوم الموعود ، فهنيئا لمن آمن بذاك اليوم واستعد له ، وتعسا لمن ضعف إيمانه في ذل اليوم ، وشغله عنه قصره ، وداره ، وكنوزه ، ومتاعه الرخيص ! ، وما قيمة قصر أو دار أو مجوهرات بلا إيمان ؟ وما قيمة منصب ومكانة بلا تقوى ؟ ولو أن الملوك والأمراء والتجار يعيشون الشقاء ، ويتجرعون غصص المرارة ، ويشتكون من مصائبهم وأحزانهم .
إشراقة : إن الأمس حلم ولى وانقضى ، والغد أمل جميل ، أما اليوم فهو حقيقة واقعة .

ومضة : المرأة أهدت العظماء للعالم

!
10-02-20, 02:23 PM
الزبرجدة التاسعة : متعة الجمال في خلق ذي الجلال

دع الأيام تفعل ما تشاء وطب نفسا إذا حكم القضاء

انظري إلى الإنسان وروعة خلقه ، وتباين أجناسه ، وتعدد واختلاف نغماته ، أحسن الله خلقه ، وركبه في اجمل صورة : ) وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ )(غافر: من الآية64) )يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ) (الانفطار:6) (الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ) (الانفطار:7)
)فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ) (الانفطار:8) ، )لَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) (التين:4)
انظري إلى السماء وهيبتها ، والنجوم وفتنتها ، والشمس وحسنها ، والكواكب وروعتها ، والقمر وإشراقه ، والفضاء ورحابته ، وانظري إلى الأرض كيف دحاها ، وأخرج منها ماءها ومرعاها ،والجبال أرساها ، تأملي هذه البحار والأنهار ، هذا الليل ، هذا الصبح ، هذا الضياء ،هذه الظلال ، هذه السحب ، هذا التناغم الساري في الوجود كله ، هذا التناسق ، هذه الزهرة ، هذه الوردة ، هذه الثمرة اليانعة ، هذا اللبن السائغ ، هذا الشهد المذاب ، هذه النخلة ، هذه النحلة ، هذه النملة، هذه الدويبة الصغيرة ، هذه السمكة ، هذا الطائر المغرد ، والبلبل الشادي ، هذه الزاحفة ، هذا الحيوان ، جمال لا ينفد ، وحسن لا ينتهي ، وقرة عين لا تنقطع : )فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ) (الروم:17) )وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيّاً وَحِينَ تُظْهِرُونَ) (الروم:18) )يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ) (الروم:19)

إشراقة : لا تتطلعي إلى الجوانب التعيسة من الحياة ، بل استغني مباهجها .


ومضة : وقرن في بيوتكن

!
10-02-20, 02:23 PM
الزبرجدة العاشرة : غاية الكرم ونهاية الجود

كم فرج بعد إياس قد أتى وكم سرور قد أتى بعد الأسى

سبى الروم بعض النساء المسلمات ، فعلم بالخبر ( المنصور بن عمار ) فقالوا له : ( لو اتخذت مجلسا بالقرب من أمير المؤمنين ، فحرضت الناس على الغزو ؟ وفعلا جعل له مجلسا بقرب أمير المؤمنين هارون الرشيد وذلك في ( الرقة ) في الشام .
وبينما كان الشيخ ( منصور ) يحث الناس على الجهاد في سبيل الله ، إذ طرحت خرقة بها صرة مختومة ومضموم بها كتاب ، فك ( المنصور ) الكتاب وإذ فيه : إني امرأة من أهل البيوتات من العرب ، بلغني ما فعل الروم بالمسلمات ، وسمعت تحريضك الناس على الغزو في ذلك ، فعمدت إلى اكرم شيء من بدني وهما ذؤابتناي ( أي : ضفيرتاها ) فقطعتهما وصررتهما في هذه الخرقة المختومة ، وأناشدك بالله العظيم لما جعلتهما قيد ( لجام ) فرس غاز في سبيل الله ، فلعل الله العظيم أن ينظر إلى على تلك الحال فيرحمني بهما ) .
فلم يتمالك ( المنصور ) نفسه تجاه تلك العبارات البليغة ، فبكى وأبكى الناس ، فقام هارون الرشيد وأمر بالنفير العام ، فغزا بنفسه مع المجاهدين في سبيل الله ، ففتح الله عليهم .
إشراقة : لا تبكي على ما فات ، ولا تضيعي الدموع هباء ، فليس في استطاعتك أن تعيدي ما مضى وولى .

ومضة : ألا بذكر الله تطمئن القلوب

!
10-02-20, 02:23 PM
الياقوتة الأولى : ليس لك من الله عوض

عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى وصوت إنسان فكدت أطير

دخل رجل في غير وقت الصلاة فوجد غلاما يبلغ العاشرة من عمره قائما يصلي بخشوع ، فانتظر حتى انتهى الغلام من صلاته فجاء إليه وسلم عليه وقال : يا بني ابن من أنت ؟ فطأطأ برأسه وانحدرت دمعة عل خده ثم رفع رأسه وقال : يا عم إني يتيم الأب والأم ، فرق له الرجل ، وقال له : أترضى أن تكون ابنا لي ؟ فقال الغلام : هل إذا جعت تطعمني ؟ قال : نعم ، فقال الغلام : هل إذا عريت تكسوني ؟ قال نعم ، قال الغلام : هل إذا مت تحييني ؟ قال الرجل : ليس إلى ذلك سبيل .
قال الغلام فدعني يا عم للي خلقني فهو يهدين ، والي يطعمني ويسقين ، وإذا مرضت فهو يشفين ، والذي اطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين.
فسكت الرجل ومضى لحاله وهو يقول : آمنت بالله ، من توكل عل الله كفاه .
إشراقة : مهما شددت شعرك ،وسمحت للهم والكدر أن يمسكا بخناقك ، فلن تستطيعي أن تعيدي قطرة واحدة من أحداث الماضي.

ومضة : ورحمتي وسعت كل شيء

!
10-02-20, 02:24 PM
الياقوتة الثانية : السعادة موجودة .. لكن من يعثر عليها ؟!

وقلت لقلبي إن نزا بك نزوة من الهم افرح ، أكثر الروع باطله

لا يمكن لإنسان أن يستمد السعادة إلا من نفسه ، ولكن عليه أن يهتدي إلى الطريقة الفضلى لبلوغها ، وهي تتلخص بان يكون صادقا شجاعا محبا للعمل والناس ، وأن يتحلى بالتعاون والبعد عن الأنانية السوداء ، وأن يكون له ضمير حي قبل كل شيء ، فالسعادة ليست خرافة ، إنها حقيقة ظاهرة ، ويستمتع بها كثيرون ، وبإمكاننا أن نستمتع بها إذا استفدنا من تجاربنا وإذا ما استعنا بالخبرة التي كسبناها في الحياة ، فإذا تبصرنا بالحياة نستطيع أن نستخرج من ذواتنا أشياء كثيرة وأن نبرأ من كثير من الأمراض الصحية والنفسية من المعرفة والإرادة والصبر ، ونعيش حياتنا التي وهبها الله لنا بلا جحود ولا عقوق ولا شقاء .
إشراقة : ما من عدو لدود لجمال المرأة أكثر من القلق الذي يقربها من الشيخوخة


ومضة : ولسوف يعطيك ربك فترضى

!
10-02-20, 02:24 PM
الياقوتة الثالثة : حسن الخلق جنة في القلب

أعلل النفس بالآمال أرقبها ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل

الناس مرايا للإنسان فإذا كان حسن الأخلاق معهم كانوا حسني الأخلاق معه ، فتهدأ أعصابه ويرتاح باله ، ويحس انه يعيش في مجتمع صديق.
وإذا كان الإنسان سيئ الأخلاق غليظا وجد من الناس سوء الأخلاق والفظاظة والغلظة ،فمن لا يحترم الناس لا يحترمونه .
وصاحب الخلق الحسن أقرب إلى الطمأنينة وأبعد عن القلق والتوتر والمواقف المؤلمة ، إضافة إلى أن حسن الأخلاق عباد لله u ومما حض عليه الإسلام كثيرا ، قال الله u : )خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) (لأعراف:199) وقال u يصف رسوله صلى الله عليه وسلم : (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) (آل عمران:159) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( إن احبكم إلي أحاسنكم أخلاقا ، الموطئون أكنافا ، الذين يألفون ويؤلفون ، وإن أبغضكم الي المشاؤون بالنميمة ، المفرقون بين الأحبة ، الملتمسون للبرآء العيب )).

إشراقة : إن التردد والتخاذل والسير حول المشكلة بلا آمال . ل هذا يدفع البشر إلى الانهيار العصبي .

ومضة : كل يوم هو في شأن

!
10-02-20, 02:25 PM
الياقوتة الخامسة : استعيذي بالله من الهم والحزن

ولو أن النساء كمن عرفنا لفضلت النساء على الرجال

ما أظن عاقلا يزهد في البشاشة أو مؤمنا يجنح إلى التشاؤم واليأس ، وربما غلبت المرء أعراض قاهرة فسلبته طمأنينته ورضاه ، وهنا يجب عليه أن يعتصم بالله كي ينقذه مما حل به ، فإن الاستسلام لتيار الكآبة بداية انهيار شامل في الإرادة يطبع الأعمال كلها بالعجز والشلل.
ولذلك كان رسول الله r يعلم أصحابه أن يستعينوا بالله في النجاة من هذه الآفات ، قال أبو سعيد الخدري : دخل رسول الله r المجد ذات يوم ، فإذا هو برجل من الأنصار يقال له أبو أمامة ، فقال : (( يا أبا أمامة .. ما لي أراك جالسا في المسجد في غير وقت صلاة ؟، قال : هموم لزمتني وديون يا رسول الله ، قال : أفلا أعلمك كلاما إذا قلته أذهب الله همك ، وقضى عنك دينك ؟ قلت : بلى يا رسول الله ، ، قال : قل إذا أصبحت وإذا أمسيت : (( اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن ، وأعوذ بك من العجز والكسل ، وأعوذ بك من الجبن والبخل ، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال )) . رواه أبو داود . قال : ففعلت ذلك ، فأذهب الله همي وقضى عني ديني.
إشراقة : إن قرحة المعدة لا تأتي مما تأكلين ، ولكنها تأتي مما يأكلك !

ومضة : وما بك من نعمة فمن الله

!
10-02-20, 02:25 PM
الياقوتة السادسة : المرأة التي تعين على نوائب الدهر

هي حالان شدة وبلاء وسجالان نعمة ورخاء

تروي كتب الطبقات عن فاطمة الزهراء بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها كانت تطوي الأيام جوعا ، وقد رآها زوجها الإمام علي رضي الله عنه يوما ، وقد اصفر لونها ، فقال لها : ما بك يا فاطمة ؟
قالت : منذ ثلاثة لا نجد شيئا في البيت ‍‍‍‍‍‍‍‍‍ ، قال : ولماذا لم تخبريني ؟ قالت : إن أبي رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لي ليلة الزفاف : (( يا فاطمة ، إذا جاءك علي بشيء فكليه ، وإلا فلا تسأليه ‍)).
لكن كثيرا من النساء قد تخصصن في تفريغ جيوب أزواجهن ، فالواحدة منهن لا تطيق أن ترى فيجيب زوجها مالا ، فتلعن حالة الطوارئ في المنزل ، ولا تهدأ حتى تسلبه ما معه من مال .
ولا شك أن الرجل إن استسلم مرة ، فلن يرفع الراية البيضاء دائما ، وإنما سيبدأ الشقاق ولو بعد حين ، وقد يتطور هذا الشقاق إلى الطلاق ويومها سيترنم الزوج بأبيات هذا الأعرابي الذي تخلص من زوجته ( أمامة ) بطلاقها بعد طول عناء وشقاء معها:
طعنت أمامة بالطلاق ونجوت من غل الوثاق
بانت فلم يألم لها قلبي ولم تدمع مآقي
ودواء مالا تشتهيه النفس تعجيل الفراق
والعيش ليس يطيب بين اثنين في غير اتفاق

إشراقة : إن الحياة اقصر من أن نقصرها ، فلا تحاولي أن تقصريها أكثر

ومضة : النجاح أن تكوني على كل لسان

!
10-02-20, 02:25 PM
الياقوتة السابعة : امرأة من أهل الجنة

إن ربا كان يكفيك الذي كان منك الأمس يكفيك غدك

رو عطاء بن أبي رباح قال : قال لي ابن عباس رضي الله عنهما : ألا أريك امرأة من أهل الجنة ؟ فقلت : بلى ، قال : هذه المرأة السوداء أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : إني اصرع ، وإني أتكشف ، فادع الله تعالى لي ، قال :( إن شئت صبرت ولك الجنة ، وإن شئت دعوت الله تعالى أن يعافيك ) فقالت : أصبر ، وقالت : إني أتكشف ، فادع الله أن لا أتكشف ، فدعا لها .
فهذه المرأة المؤمنة التقية رضيت ببلاء يصاحبها في حياتها الفانية على أن لها الجنة ، وقد ربح البيع ، فكانت من أهل الجنة ، ولكنها أنفت أن تتكشف فيرى الناس من عورتها ما لا يليق بالمرأة المسلمة المحتشمة التقية ، فماذا نقول لهؤلاء الكاسيات العاريات اللواتي يتفنن في إبداء محاسنهن ، ويجتهدن في خلع برقع الحياء ، وفي التعري ؟!
إشراقة : كفي عن القلق ، تحلي ، واجهي الحقيقة بثبات ، وافعلي شيئا لتعيشي.

!
10-02-20, 02:25 PM
الياقوتة الثامنة : الصدقة تدفع البلاء

وفي كل شيء له آية تدل على انه الواحد

الصدقة باب عظيم من أبواب سعة الصدر وانشراح الخاطر ؛ فإن بذل المعروف يكافئ الله صاحبه في الدنيا بانشراح صدره ،وسروره وحبوره ، ونوره وسعة خاطره ،ورخاء حاله ، فتصدقي ولو بالقليل ، ولا تحتقري شيئا تتصدقين به ، تمرة أو لقمة أو جرعة ماء أو مذقة لبن ، أهدي للمسكين ، و أعطي البائس ، أطعمي الجائع ، وزوري المريض ، وحينها تجدين أن الله – سبحانه وتعالى – خفف عنك من الهموم والغموم ، ومن الأحزان ، فالصدقة دواء لا يوجد إلا في " صيدلية " الإسلام.
وسال رجل الإمام عبد الله بن المبارك فقال له : يا أبا عبد الرحمن قرحة خرجت في ركبتي منذ سبع سنين ،وسألت الأطباء ، وقد عالجت بأنواع العلاج ، فلم أنتفع به ؟ !
فقال له ابن المبارك : اذهب فانظر موضعا يحتاج الناس فيه إلى الماء، فاحفر هناك بئرا فإني أرجز أن تتبع هناك عين ويمسك عنك الدم ، ففعل الرجل فبرأ .
ولا عجب أيتها الأخت الكريمة : فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( داووا مرضاكم بالصدقة ) ، وقال r : ( إن الصدقة تطفئ غضب الرب وتدفع ميتة السوء ) .
إشراقة : القلق حبيب الفراغ

ومضة : حور مقصورات في الخيام

!
10-02-20, 02:26 PM
الياقوتة التاسعة : كوني جميلة الروح لأن الكون جميل

ولا تجزع لحادثة الليالي فما لحوادث الدنيا بقاء

مشهد النجوم في السماء جميل ،ما في هذا شك ، جميل جمالا يأخذ بالقلوب ، وهو جمال متجدد تتعدد ألوانه وأوقاته ؛ ويختلف من صباح إلى مساء ، ومن شروق إلى غروب ، ومن الليلة القمراء إلى الليلة الظلماء ، ومن مشهد الصفاء إلى مشهد الضباب والسحاب ، بل إنه ليختلف من ساعة لساعة ، ومن مرصد لمرصد ، ومن زاوية لزاوية ، وكله جمال ، وكله يأخذ بالألباب .
هذه النجمة الفريدة التي توصوص عناك ، وكأنها عين جميلة ، تلتمع بالمحبة والنداء ‍، وهاتان النجمتان المفردتان هناك وقد خلصتا من الزحام تتناجيان !..
وهذه المجموعات المتضامة المتناثرة هنا وهناك ، وكأنها في حلقة سمر في مهرجان السماء ، وهذا القمر الحالم الساهي ليلة ، والزاهي المزهو ليلة ، والمنكسر الخفيض ليلة ، والوليد المتفتح للحياة ليلة ، والفاني الذي يدلف للفناء ليلة ..!
وهذا الفضاء الوسيع الذي لا يمل البصر امتداده ، ولا يبلغ البصر آماده .
إنه الجمال ، الجمال الذي يملك الإنسان أن يعيشه ويتملاه ، ولكن لا يجد له وصفا فيما يملك من الألفاظ والعبارات!‍‍‍‍‍.
إشراقة : لابد من تقبل الأمر الواقع الذي لابد منه ، وإذا قلقت فماذا ينفعك القلق؟



ومضة : ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى

!
10-02-20, 02:26 PM
الياقوتة العاشرة : امرأة تصنع بطولة

أترى الشوك في الورود وتعمى أن ترى فوقه الندى إكليلا؟

ولى أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه حبيب بن مسلمة الفهري قيادة جيش من المسلمين لتأديب الروم ، وكانوا قد تحرشوا بالمسلمين ، وكانت زوجة حبيب جندية ضمن هذا الجيش ، وقبل أن تبدأ المعركة أخذ حبيب يتفقد جيشه ،وإذا بزوجته تسأله هذا السؤال :أين ألقاك إذا حمي الوطيس وماجت الصفوف ؟
فأجابها قائلا : تجديني في خيمة قائد الروم أو في الجنة ! ، وحمي وطيس المعركة وقاتل حبيب ومن معه ببسالة منقطعة النظير ، ونصرهم الله على الروم وأسرع حبيب إلى خيمة قائد الروم ينتظر زوجته ،وعندما وصل إلى باب الخيمة وجد عجبا ، لقد وجد زوجته قد سبقته ودخلت خيمة قائد الروم قبله !
ولو كان النساء كمثل هذي لفضلت النساء على الرجال !
إشراقة : الحياة ليس فيها صعب أو مستحيل طالما أن هناك القدرة على العمل والحركة !

ومضة : فاذكروني أذكركم

!
10-02-20, 02:27 PM
الجوهرة الأولى : لا تنفقي ساعاتك في الهواء

نزداد هما كلما ازددنا عن والحزن كل الحزن في الإكثار

يقول نبيك r لعائشة رضي الله عنها : (وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه ، فإن العبد إذا اعترف بذنبه وتاب تاب الله عليه ..).
تخيلي أنك قد ملكت كل ما تريدين من آمال وأحلام ، ووصلت إلى كل ما تريدين من أمنيات، ثم فجأة ضاع منك كل شيء بغير فائدة ، حينها ستبكين ، وتتوجعين ،وتتحسرين ، وتعضين على أصابعك ،ندامة وحسرة على ما ضاع منك فما بالك بعمرك الذي يضيع منك وأنت لا تشعرين ؟
إن عمرك جوهرة نفيسة لا تقدر بأي شيء مادي ، وهذا العمر في حقيقته عبارة عن أنفاس، كل نفس يخرج ولا يعود إليك أبدا ، وهذه الأنفاس هي رأس مالك في الدنيا ، تستطيعين أن تشتري بهما ما تشائين من نعيم الجنة ، فكيف تضيعين ذلك العمر بلا توبة نصوح؟!.
إشراقة : هناك طريق واحد يؤدي إلى السعادة ، ذلك هو التوقف عن التوجس من أشياء لا قدرة لنا عل السيطرة عليها.

ومضة : فسيكفيكهم الله

!
10-02-20, 02:27 PM
الجوهرة الثانية : السعادة لا تشترى بالمال

والنفس راغبة إذا رغبتها وإذا ترد إلى قليل تقنع

كثيرون بذلوا شبابهم وصحتهم ليجمعوا المال ، ثم عاشوا طول عمرهم ينفقون كل ما كسبوه ليحصلوا عل السعادة ، فحصلوا على الشقاء ، أو ليستردوا الشباب فدهمتهم الشيخوخة ، أو ليحصلوا عل الصحة فهزمهم المرض العضال!
وهذا ممثل مشهور يقول إن أمنية حياته كانت هي المال .
أن يتوهم أنه بالمال يستطيع أن يكون اسعد رجل في العالم لمدة مائة سنة !، كان واثقا انه قادر بالمال أن يحقق كل ما يتمناه، أن يجعل الأماني والأحلام والدنيا تسجد صاغرة بين يديه ، وبعد عشرين سنة أعطاه الله المال أضعاف ما تمنى ، ولكنه أخذ منه الصحة والشباب والأحلام !، ونقل عنه انه كان يبكي ويقول : ليتني ما طلبت من الله المال ، ليتني طلبت أن أعيش مائة سنة فقيرا آكل الفول المدمس ، واتشعبط على سلم الترام حتى لا ادفع ثمن التذكرة !، ولم يعرف هذا الممثل قيمة الصحة إلا عندما فقدها ، ولم يكتشف أن المال عاجز عن أن يشتري له أي شي إلا عندما اصبح أغنى فنان في مصر ، وعرف انه لا يستطيع أن يضيف بكل أمواله يوما واحدا إلى عمره المخطوف !.
إشراقة : إن المرء لا ينبغي أن يضيع نصف حياته في المشاحنات

ومضة : واستعينوا بالصبر والصلاة

!
10-02-20, 02:27 PM
الجوهرة الثانية : السعادة لا تشترى بالمال

والنفس راغبة إذا رغبتها وإذا ترد إلى قليل تقنع

كثيرون بذلوا شبابهم وصحتهم ليجمعوا المال ، ثم عاشوا طول عمرهم ينفقون كل ما كسبوه ليحصلوا عل السعادة ، فحصلوا على الشقاء ، أو ليستردوا الشباب فدهمتهم الشيخوخة ، أو ليحصلوا عل الصحة فهزمهم المرض العضال!
وهذا ممثل مشهور يقول إن أمنية حياته كانت هي المال .
أن يتوهم أنه بالمال يستطيع أن يكون اسعد رجل في العالم لمدة مائة سنة !، كان واثقا انه قادر بالمال أن يحقق كل ما يتمناه، أن يجعل الأماني والأحلام والدنيا تسجد صاغرة بين يديه ، وبعد عشرين سنة أعطاه الله المال أضعاف ما تمنى ، ولكنه أخذ منه الصحة والشباب والأحلام !، ونقل عنه انه كان يبكي ويقول : ليتني ما طلبت من الله المال ، ليتني طلبت أن أعيش مائة سنة فقيرا آكل الفول المدمس ، واتشعبط على سلم الترام حتى لا ادفع ثمن التذكرة !، ولم يعرف هذا الممثل قيمة الصحة إلا عندما فقدها ، ولم يكتشف أن المال عاجز عن أن يشتري له أي شي إلا عندما اصبح أغنى فنان في مصر ، وعرف انه لا يستطيع أن يضيف بكل أمواله يوما واحدا إلى عمره المخطوف !.
إشراقة : إن المرء لا ينبغي أن يضيع نصف حياته في المشاحنات

ومضة : واستعينوا بالصبر والصلاة

!
10-02-20, 02:28 PM
الجوهرة الثالثة : العجلة والطيش وقود الشقاء

من إن تكن حقا تكن أحسن المنى وإلا فقد عشنا بها زمنا رغدا

الحلم فروسية من النوع الراقي يتغلب بها الإنسان عل غضبه وحماقته وهواه ، والأناة هي التثبت وعدم الاستعجال والتصرف بعقل وحكمة ، وهاتان الخصلتان حرب على القلق ، ومن عدمهما عدم الكثير من الخير ، وكان مع القلق على ميعاد ، فإن الحليم يرد بحلمه الكثير من الشرور ، أما الأحمق الغضوب فإنه يجعل الشر يكبر ودواعي القلق تزداد وتتأصل ، والإنسان المتأني قلما يندم أو يقدم على أمر مجهول العاقبة ، أما الأحمق العجول فإنه حليف للندم والقلق وسوء العاقبة . وكذلك فإن الإنسان الذي يرفق بنفسه وبالآخرين يكون موفقا يعتاد هدوء الأعصاب ويكسب راحة البال .
وديننا الإسلامي الحنيف يحض على الرفق والحلم والأناة ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه )).
إشراقة : إننا نضيع أوقات سعادتنا في الحياة من أجل أشياء لا قيمة لها .


ومضة : وما جعل عليكم في الدين من حرج

!
10-02-20, 02:28 PM
الجوهرة الرابعة: لعبة جمع المال لا نهاية لها

خذوا كل دنياكم واتركوا فؤادي حرا طليقا غريبا

يقول بيفربرو : لقد جمعت من المال الكثير ولكنني رأيت من واقع التجربة أن الاستمرار في هذه اللعبة ، لعبة جمع المال ،خطيرة وليس لها نهاية وتبلع العمر والسعادة ، لذلك غيرت عملي واتجاهي إلى عمل آخر أهواه في مجال النشر لا يدر مالا كثيرا ، ولكنه يحقق لي السعادة وخدمة المجتمع ، وإنني انصح كل رجل أعمال جمع من المال ما يكفيه جدا أن يكف عن لعبة المال ، ويتقاعد مبكرا ليتمتع بما حقق ، ويشرع في عمل محبوب ، فيه خدمة للمجتمع وإمتاع للوقت.
إن صاحب المال الذي جربه وامتلك الكثير منه لا يعن إلا قليلا بأن يخلف لورثته ثروة كبيرة ، لأنه يعلم انهم يكونون رجالا افضل إذا نزلوا إلى الميدان مجردين من الثروة ولا يملكون إلا العقل والأخلاق ، إن الثروة بلا مجهود كثيرا ما تصبح لعنة لا نعمة ، وشقاء لا سعادة ، حيث يشبع بها الرجال أجسادهم برفاهية وخمول ،وعقولهم بتفاهة وفراغ ، ويبتسرون الشباب الوضيء حتى الممات .
إشراقة : رسخي إيمانك بعدم وجود المستحيل في الحياة

ومضة : يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم

!
10-02-20, 02:28 PM
الجوهرة الخامسة: في الفراغ تولد الرذيلة

ما كل ما يتمنى المرء يدركه تجري الرياح بما لا تشتهي السفن

في أحضان البطالة تولد آلاف الرذائل ، وتختمر جراثيم التلاشي والفناء ، إذا كان العمل رسالة الإحياء فإن العاطلين موتى.
وإذا أنت دنيانا هذه غراسا لحياة اكبر تعقبها ، فإن الفارغين أحرى الناس أن يحشروا مفلسين لا حصاد لهم إلا البوار والخسران .
وقد نبه النبي r إلى غفلة الألوف عما وهبوا من نعمة العافية والوقت فقال : نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس : الصحة ،والفراغ)).
ألهذا خلق الناس ؟ . كلا ، فالله عز وجل يقول )أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ) (المؤمنون:115)
)فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ)(المؤمنون: من الآية116).
إن الحياة خلقت بالحق ، الأرض والسماء وما بينهما ، والإنسان في هذا العالم يجب أن يتعرف إلى هذا الحق وان يعيش به .
أما أن يدخل في قوقعة من شهواته الضيقة ، ويحتجب في حدودها مذهولا عن كل شي فبئس المهاد ما اختار لحاضره ومستقبله !!.
إشراقة : ضعي في خيالك دائما صورة النجاح ودعيها مرسومة في ذهنك .

ومضة : ويرزقه من حيث لا يحتسب

!
10-02-20, 02:29 PM
الجوهرة السادسة : بيت بلا غضب ولا صخب ولا تعب

والفتى الحازم اللبيب إذا ما خانه الصبر لم يخنه العزاء

قالت لأبيها وهي تبكي :يا أبت ،كان بيني وبين زوجي البارحة شيء ، فغضب لكلمة بدرت مني، فلما رأيت غضبه ندمت على ما فعلت ، واعتذرت له ، فأبى أن يكلمني وحول وجهه عني ، فطفت حوله حتى ضح ورضي عني ، وأنا خائفة من ربي أن يؤاخذني على اللحظات التي أحرقت فيها من دمه- ساعة غضبه – بعض قطرات ! ، فقال لها والدها : يا بنية ، والذي نفسي بيده لو انك مت قبل أن يرضى عنك زوجك لما كنت راضيا عنك ، أما علمت أن أيما امرأة غضب عليها زوجها فهي ملعونة في التوراة والإنجيل والزبور والقران ، وتشدد عليها سكرات الموت ، ويضيق عليها قبرها ،فطوب لامرأة رضي عنها زوجها .
فالمرأة الصالحة تحرص على أن تكون محبوبة إلى زوجها ، فلا يبدو منها ما يعكر صفو حياتهما .. وقد نصح أحد الرجال زوجته فقال :
خذي العفو مني تستديمي مودتي ولا تنطقي في سورتي حين اغضب
ولا تنقريني نقرك الدف مــرة فإنك لا تدرين كيف المغيب
ولا تكثري الشكوى فتذهب بالهوى ويأباك قلبي والقلوب تقلب
فإني رأيت الحب في القلب والأذى إذا اجتمعا لم يلبث الحب يذهب!
إشراقة: اطردي صورة الفشل ودعيها خارج ذهنك

ومضة : لا أمان لمن لا إيمان لها

!
10-02-20, 02:29 PM
الجوهرة السابعة : العفة والحياء تزيد جمال الحسناء

ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي جعلت الرجا مني لعفوك سلما

وهل أتاك نبأ أم سلمة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم عندما سمعته يقول : ( من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة ، فقالت : فكيف تصنع النساء بذيولهن ؟ قال : ( يرخين شبرا ) ، قالت: إذا تنكشف أقدامهن ، قال : ( فيرخينه ذراعا ولا يزدن ) .
لله درك يا أم المؤمنين !! ، لله درك يا أم سلمة ، ليست من أهل الخيلاء ولا التكبر ، ولكن نساء المسلمين حييات عفيفات ، طاهرات شريفات ، لا ينبغي أن ترى أقدامهن ، وثيابهن لها ذيول يجررنها عل الأرض وراءهن ، فلا يرى الرجال منهن شيئا ، أما النساء في عصرنا ، - إلا من رحم ربك – فإنهن يرخين الذيل إلى ( أعلى ) أقصى ما يستطعن ، خوفا عليه من البلل ، أو الغبار ، ولو استطعن لخلعنه ، أسوة بالكوافر العواهر ، ويجدن ألف مبرر للتعري والتسفخ ولا حول ولا قوة إلا بالله ، ورجالهن ليس فيهم من الرجولة إلا الاسم ، يمشون إلى جانبهن ، ولا يبالون ، فقد ذهب الحياء :
يعيش المرء ما استحيا بخير ويبقى العود ما بقي اللحاء
فلا والله ما في العيش خير ولا الدنيا إذا ذهب الحياء

إشراقة : راحة الجسم في قلة الطعام .. وراحة النف في قلة الآثام ..
وراحة القلب في قلة الاهتمام .. وراحة اللسان في قلة الكلام

ومضة : يدرك الصبور أحسن الأمور

!
10-02-20, 02:29 PM
الجوهرة الثامنة : قد يرد الله الغائب

يا رب أول شيء قاله خلدي أني ذكرتك في سري وإعلاني

بعد فراق دام أكثر من عشرين عاما ، كتب الله أن يجمع – في قصة غريبة من نوعها – بين أم وابنتها البالغة من العمر 25 عاما ، بعد أن باعدت بينهما ظروف الحياة ، وذلك أثناء قضاء الابنة لشهر العسل في متنزهات جبال السودة بأبها.
وكانت الأم قد تزوجت بعد أن انفصل عنها زوجها الأول وعمر ابنتها ثلاث سنوات وحالت ظروف زوجها وتنقله المستمر من بلد إلى آخر من رؤية ابنتها التي تركتها في رعاية والدها .
وفي يوم من أيام الصيف الجميلة في جبال السودة بأبها ، التقت الابنة بإحدى السيدات في المتنزه ، وأخذتا تتجاذبان أطراف الحديث ، وكلتاهما لا تعرف الأخرى ، فقد تركت الأم ابنتها وهي في الثالثة من عمرها . وبينما هما يتجاذبان أطراف الحديث ، رأت الأم إحدى أصابع ابنتها مبتورة ، وسألتها عن أمها ، فحكت لها قصتها ، وإذا بالأم تجد نفسها وجها لوجه لجانب ابنتها التي افتقدتها منذ عشرين عاما ، فأخذتها في أحضانها ، وأخذت تلثم وجهها وتضمها بكل حنان وحب ، وتبث إليها شوقها وحرمانها منها طوال الأعوام الطويلة .
إشراقة : إن التفكير في السعادة يؤدي بالضرورة إلى التفكير فيما كان من قبل . وفيما سيكون من بعد .. وهذا في حد ذاته يفسد الشهور بالسعادة ‍

ومضة : كأنهن الياقوت والمرجان

!
10-02-20, 02:29 PM
الجوهرة التاسعة : كلمة تملأ الزمان والمكان

يا من إليه المشتكى والمفزع أنت المعد لكل ما يتوقع

قال موسى – عليه السلام - : ((يا رب علمني دعاء أدعوك به وأناجيك )) ، قال ( يا موسى قل : لا إله إلا الله ، قال موسى : كل الناس يقولون لا إله إلا الله ، قال : يا موسى لو أن السماوات السبع والارضين في كفة ، ولا إله إلا الله في كفة لمالت بهن لا إله إلا الله ).
لا إله إلا الله .. لها انوار ساطعة ، وأشعة كاشفة ، وهي تبدد من ضباب الذنوب وغيومها بقدر قوة ذلك الشعاع وضعفه ، فلها نور ، وتفاوت أهلها في ذلك النور – قوة وضعفا – لا يحصيه إلا الله تعالى .
فمن الناس من نور هذه الكلمة في قلبه كالشمس ، ومنهم من نورها في قلبه كالكوكب الدري ، ومنهم من نورها في قلبه كالمشعل العظيم ، وخر كالسراج المضيء ، وآخر كالسراج الضعيف.
وكلما عظم نور هذه الكلمة واشتد ، احرق من الشبهات والشهوات بحسب قوته وشدته
إشراقة : سعادة المؤمن بحب الله ، والحب في الله سعادة أعماقها أبعد من كل عمق ، يعرف مذاقها المؤمنون الصادقون ، ولا يقبلون لها بديلا .

ومضة : المرأة أغلى من الكنوز واثمن من الثروة

!
10-02-20, 02:30 PM
الجوهرة العاشرة : قلوب اشتاقت إلى الجنة

اسعدي بالحياة قبل الممات واقطفي الزهر قبل ريح الشتات

هل سمعت بقصة امرأة صالح بن حيي ، أنها امرأة مات عنها زوجها وترك لها ولدين ، فلما شبا إذا بها تعلمهم أول ما تعلمهم العبادة والطاعة وقيام الليل .
لقد قالت لولديها : ينبغي إلا تمر لحظة واحدة من الليل في بيتنا إلا وفيه قائم ذاكر لله u ، فقالا : وماذا تريدين يا أماه ؟ قالت : نقسم الليل بيننا ثلاثة أجزاء ، يقوم أحدكما الثلث الأول ، ثم يقوم الآخر الثلث الثاني ، و أقوم أنا الثلث الأخير ، ثم أوقظكما لصلاة الفجر .
فقالا : سمعا وطاعة يا أماه ، فلما ماتت الأم لم يترك الولدان قيام الليل ، لأن حب الطاعة والعبادة قد ملأ قلبيهما ، وصارت أحلى لحظات حياتهما هي اللحظات التي يقومان فيها من الليل ، فقسما الليل بينهما نصفين ، ولما مرض أحدهما مرضا شديدا ، قام الآخر الليل كله وحده .
إشراقة : الحياة من حولنا بوجهها الجميل النبيل هي دعوة حقيقية للسعادة .

ومضة : وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها

!
10-02-20, 02:30 PM
الخاتم الأول : الإيمان بالقدر خيره وشره

كنز القناعة لا يخشى عليه ولا يحتاج فيه إلى الحراس والدول
قال تعالى : )مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) (الحديد:22)
)لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) (الحديد:23)
وقال تعالى : ) وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ)(البقرة: من الآية216).
الإيمان بالقضاء والقدر له دور كبير في طمأنينة القلب عند المصائب ، خاصة إذا أدرك العبد تماما أن الله تعالى لطيف بعباده يريد بهم اليسر ، وأنه حكيم خبير يدخر لهم في الآخرة فيعطي الصابرين أجرهم وافيا بغير حساب ، فهذا عند التأمل والعمل به قد يقلب حزن المصيبة وكمدها إلى سرور وسعادة ، ولكن ليس كل أحد يقوى على ذلك.
فما الخطوات التي تتبعينها لتخفيف لانكبات والمصائب وهوينها على النفس ؟
تصوري كون المصيبة اكبر مما كانت عليه وأسوأ عاقبة .
تأملي حال من مصيبته اعظم وأشد .
انظري إلى ما أنت فيه من نعم وخير حرم منه كثيرون.
لا تستسلمي للإحباط الذي قد يصحب المصيبة :
)فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً) (الشرح:5) (إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً) (الشرح:6)

إشراقة : من أسرع رسل السعادة إلى نفوس الآخرين : الابتسامة الصادقة النابعة من القلب



ومضة : ليس لها من دون الله كاشفة

!
10-02-20, 02:30 PM
الخاتم الثاني : خير الأمور أوسطها

ولكل حال معقب ولربما أجلى لك المكروه عما يحمد

قال مصطف محمود : أنا اشعر بالسعادة لأني رجل متوسط .. إيرادي متوسط ، وصحتي متوسطة .. وعيشتي متوسطة .. وعندي القليل من كل شيء .. وهذا معناه أن عندي الكثير من الدوافع .. والدوافع هي الحياة .. الدوافع في قلوبنا هي حرارة حياتنا الحقيقية ،وهي الرصيد الذي يكون به تقييم سعادتنا ..
إني أدعو الله لقارئ هذه السطور أن يمنحه الله حياة متوسطة .. ويعطيه القليل من كل شيء .. وهي دعوة طيبة والله العظيم !.
وامي لم تكن تفهم الفلسفة ، ولكنها كانت تملك فطرة نقية تفهم معها كل هذا الكلام دون أن تقرأه ، وكانت تطلق عليه اسما بسيطا معبرا هو : الستر . والستر : القليل من كل شيء والكثير من الروح .
إشراقة : البسمة الكاذبة صورة سافرة من صور النفاق

ومضة : وجعلت قرة عيني في الصلاة

!
10-02-20, 02:31 PM
الخاتم الثالث المشؤوم يجلب الهموم

رب أمر سر آخره بعدما ساءت أوائله

الصاحب يؤثر على مزاج صاحبه وعلى أخلاقه ، فإذا كان الصاحب – من صديق أو شريك حياة أو جليس أو ميل- هادئ الأعصاب ، طليق الوجه ،مرح النفس ، متفائلا بالحياة ، فإنه ينقل هذه الصفات الطيبة إلى صاحبه .
وإن كان مقطب الوجه ، مكفهر القسمات ، برما بالحياة ،دائم القلق ، دائب التشاؤم ، فإنه ينشر جرائم القلق الأسود حول صاحبه ويعديه بها .
ولا تقتصر الصحبة على البشر ، هناك الكتب والبرامج التلفزيونية والإذاعية ، فإن فيها متفائلا ومتشائما ، وفيها ما هو قلق وما هو مطمئن ،والكتب بالذات كالفصول فيها ربيع وخريف ، فإذا وفق الإنسان لاختيار الكتب المتفائلة المبتهجة بالحياة الحاضة على الكفاح والنجاح والثقة ، فإنه يكون أسدى لنفسه معروفا وفتح على حياته نوافذ مشرقة تهب منها نسائم النعيم والبهجة ، وإن اختار تلك الكتب القلقة ، المشككة في القيم والبشر ، المتشائمة من الحياة والناس ، فإنها قد تعديه كما يعدي الأجرب السليم ، وقد تنغص عليه حياته .
إشراقة : إن طريق السعادة أمامك .. فاطلبيها في العلم .. والعمل الصالح. والأخلاق الفاضلة .. وكوني في كل أمرك وسطا تكوني سعيدة.


ومضة : فانزل السكينة عليهم

!
10-02-20, 02:31 PM
الخاتم الرابع : إياك والضجر والسخط

ومن يتهيب صعود الجبال يعش ابد الدهر بين الحفر ‌

يقول أحدهم :
حين كنت في العشرين والثلاثين كنت أعدو واسخط وأتذمر رغم إنني استمتع ؛ لأنني كنت اجهل سعادتي ، اجهل إنني أعيش السعادة فعلا .. والآن وأنا اجتاز التين اعلم علم اليقين كم كنت سعيدا جدا وأنا في العشرين أو الثلاثين ، ولكنه علم جاء بعد فوات الأوان ،مجرد ذكريات ،وذكريات حسرى ، لو أدركت ذلك وقتها لعشت غبطة كبرى ، لما وجدت للتذمر والسخط مكانا في ربيع شبابي الزاهر ، ولما حجب وردة سعادتي المتفتحة فلا أراها إلا الآن وأنا ذابل وهي ذابلة ،ولك يا قارئي العزيز أقول : إما أن تعيش سعادتك بغبطة وإحساس ، وتمتع ناظريك وشمك وجميع حواسك بورودها المتفتحة أمامك ، أو تتناساها وتنظر ناحية أخرى نحو ما ينقصك ، وتصبح فريسة للضجر والسخط ، وعندها انتظر حتى يصبح هذا الحاضر ماضيا وسوف تبكيه بدمع العين ، وسوف ترى م كنت سعيدا فيه ، ولكنك وقتها لم تكن تعرف ولم تكن تر ولم يبق بين يديك إلا فجيعة بقاياها ذابلة !.

إشراقة : المرأة يمكن أن تحول البيت إلى جنة، كما يمكن أن تحوله إلى جحيم لا يطاق !

ومضة : رضي الله عنهم ورضوا عنه

!
10-02-20, 02:31 PM
الخاتم الخامس : أكثر المشكلات سببها توافه!

ألم تر أني كلما زرت دارها وجدت بها طيبا وإن لم تطيب

إنه من المؤسف أن كثيرا من التوافه تعصف برشد الألوف المؤلفة من الناس ، وتقوض بيوتهم ،وتهدم صداقاتهم ، وتذرهم في هذه الدنيا حيارى محسورين . ويشرح ( ديل ارنيجي ) عواق الاندفاع مع وحي هذه التوافه ، فيقول : _ إن الصغائر في الحياة الزوجية يسعها أن تسب عقول الأزواج والزوجات ، وتسبب نصف أوجاع القلب التي يعانيها العالم ).
أو ذاك على الأقل ما يؤكده الخبراء ، فقد صرح القاضي ( جوزيف ساباث ) من قضاة شيكاغو بعد أن فصل في أكثر من أربعين ألف حالة طلاق بقوله : إنك لتجدن التوافه دائما وراء كل شقاء يصيب الزواج.
وقال ( فرانك هوجان ) الناب العام في نيويورك : إن نصف القضايا التي تعرض على محاكم الجنايات تقوم على أسباب تافهة ، كجدال ينشأ بين أفراد أسرة ، أو من إهانة عابرة ، أو كلمة جارحة ، أو إشارة نابية .
هذه الصغائر اليسيرة هي التي تؤدي إلى القتل والجريمة .
إن الاقلين منا قساة بطبائعهم ، بيد أن توالي الضربات الموجهة إلى ذواتنا وكبريائنا وكرامتنا هو الذي يسبب نصف ما يعانيه العالم من مشكلات.
إشراقة : إن اكبر نعمة تجب رعايتها هي الخير عندما تمتلئ به النفس وتسعد به الحال


ومضة : إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم

!
10-02-20, 02:31 PM
الخاتم السادس : فن حفظ اللسان

إن ألمت ملمة بي فإني في الملمات صخرة صماء

يروي المؤرخون أن خالد بن يزيد بن معاوية وقع يوما في عبد لله ابن الزبير عدو بني أمية اللدود ، وأقبل يصفه بالبخل ، وكانت زوجته رملة بنت الزبير أخت عبد الله جالسة ، فأطرقت ولم تتكلم بكلمة ، فقال لها خالد : مالك لا تتكلمين ؟ ! ، أرضى بما قلته ، أم تنزها عن جوابي ؟! فقالت : لا هذا ولا ذاك ! ، ولكن المرأة لم تخلق للدخول بين الرجال ، إنما نحن رياحين للشم والضم ، فما لنا وللدخول بينكم ؟‍ فأعجبه قولها وقبلها بين عينيها .
وقد نه الرسول r نهيا جازما عن نشر أسرار العلاقة ما بين الزوجين روى احمد بن حنبل عن أسماء بنت يزيد: : أنها كانت عند الرسول صلى الله عليه وسلم والرجال والنساء قعود ، فقال : ( لعل رجلا يقول ما يفعل بأهله ‍، ولعل امرأة تخبر بما فعلت مع زوجها، فأرم القوم – صمتوا ولم يجيبوا - ، فقلت : إي والله يا رسول الله ، إنهن ليفعلن أو انهم ليفعلون ‍، فقال :(( لا تفعلوا : إنما ذلك الشيطان لقي شيطانة في طريق فغشيها والناس ينظرون ‍).
وقد فسر بعض المفسرين قوله تعال : ) فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ )(النساء: من الآية34) عل أن المقصود بالحافظات : هن اللاتي يحفظن ما يجري بينهن وبين ازواجهن مما يجب كتمه ويتحتم ستره من أسرار اللقاء الجنسي.
إشراقة : أحصى نعم الله عليك بدلا من أن تحصي متاعبك

ومضة : الحياة قصيرة فلا تقصريها بالهم

!
10-02-20, 02:32 PM
الخاتم السابع : حاربي القلق بالصلاة

تعاظمني ذنبي فلما قرنته بعفوك ربي أن عفوك اعظما

عرفت المسلمات الأوائل أن الصلاة صلة بين العبد وربه ، وانه افلح فيها الخاشعون : )قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) (المؤمنون:1) )الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ) (المؤمنون:2) ؛ فكن يقمن الليالي متبتلات خاشعات ،وعرفن أن من افضل الزاد إلى الآخرة ، وما يعين على إيصال الدعوة إلى الناس هو الصلاة ، التي تهب صاحبها قوة وعزيمة على مقابلة الصعاب وتخطي الشدائد ، وان قيام الليل من افضل القربات إلى الله سبحانه وتعالى ؛ حيث يقول – جل وعلا – مخاطبا الداعية الأول صلى الله عليه وسلم )وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً) (الاسراء:79) ، ويمدح من قام الليل )كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ) (الذريات:17) .
وقد روى انس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل المسجد ، فإذا حبل مشدود بين سارتين من سواري المسجد فقال : (ما هذا الحبل ) قالوا : هذا حبل لزينب إذا فترت تعلقت به ، قال النبي r : (( حلوه ، ليصل أحدكم نشاطه ، فإذا فتر فليقعد ) ، إذا فلقد كانت النساء المؤمنات يشددن على أنفسهن ابتغاء مرضاة الله تعالى ، وقد أمرهن النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يكلفن أنفسهن طاقتهن ، فخير العبادة ما دام وإن قل ، ونحن نعلم أن نساء العصر ملأن أوقاتهن ليلا ونهارا بأمور الدنيا ، فلا أقل أن يركعن ركعتين في جوف الليل يغالبن فيها الشيطان ، فخير الأمور أوسطها ، و (( هلك المتنطعون)) ؛ قالها الرسول عليه الصلاة والسلام ثلاثا .

إشراقة : ثقي بالله إذا كنت صادقة ، وافرحي بالغد إذا كنت تائبة

ومضة : الصبر مفتاح الفرج

!
10-02-20, 02:32 PM
الخاتم الثامن : نصائح امرأة ناجحة

يا رب حمد ليس غيرك يحمد يا من له كل الخلائق تصمد

نصحت أم معاصرة ابنتها بالنصيحة التالية وقد مزجتها بابتسامتها ودموعها فقالت : يا بنيتي .. أنت مقبلة على حياة جديدة .. حياة لا مكان فيها لأمك وأبيك ،أو لأحد من اخوتك .. فيها ستصبحين صاحبة لزوجك لا يريد أن يشاركه فيك أحد حتى لو كان من لحمك ودمك .
كوني له زوجة وكوني له أما ، اجعليه يشعر انك كل شيء في حياته وكل شيء في دنياه ، اذكري دائما أن الرجل – أي رجل – طفل كبير اقل كلمة حلوة تسعده ، لا تجليه يشعر انه بزواجه منك قد حرمك من أهل وأسرتك ، إن هذا الشعور نفسه قد شابه هو ، فهو أيضاً قد ترك بيت والديه وترك أسرته من أجلك ، ولكن الفرق بينه وبينك هو الفرق بين الرجل والمرأة ، المرأة تحن دائما إلى أسرتها والى بيتها الذي ولدت فيه ونشأت وكبرت وتعلمت ،ولكن لابد لها أن تعود نفسها على هذه الحياة الجديدة ، لابد لها أن تكيف حياتها مع الرجل الذي اصبح لها زوجا وراعيا وأبا لأطفالها .. هذه دنياك الجديدة.
يا ابنتي ،هذا هو حاضرك ومستقبلك !، هذه هي أسرتك إلى شاركتما أنت وزوجك في صنعها ، إنني لا اطلب منك أن تنسي أباك وأمك واخوتك ، لأنهم لن ينسوك أبدا يا حبيبتي ،وكيف تنسى الأم فلذة كبدها؟! ولكنني اطلب منك أن تحبي زوجك وتعيشي له وتسعدي بحياتك معه .
إشراقة : خذي من آسية الصبر ، ومن خديجة الوفاء ، ومن عائشة الصدق ، ومن فاطمة الثبات

ومضة : لم يطمثهن انس قبلهم ولا جان

!
10-02-20, 02:32 PM
الخاتم التاسع : من لم يأنس بالله فلن يأنس بشيء آخر

هي الأيام والغير و أمر الله ينتظر
الله u انس المؤمن ، وسلوة الطائع ، وحبيب العاد ، من انس به انس بالحياة ، وسعد بالوجود ، وتلذذ بالأيام، فقلبه مطمئن ، وفؤاده مستنير ، وصدره منشرح ، نقشت محبة الله في قلبه ، وسكنت صفات الله في ضميره ،ومثلت أسماء الله أمام عينيه ، فهو يحفظ أسماءه ، ويتأمل صفاته ، ويستحضر في قلبه الرحمن ، الرحيم ، الحميد ، الحليم ، البر ، اللطيف ، المحسن ، الودود ، الكريم ، العظيم ... ، فتثير أنسا بالباري ، وحبا للعظيم ، وقربا من العليم .
إن الشعور بقرب الله من عبده يوجب الأنس به ، والسرور بعنايته ، والفرح برعايته : )وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَان)(البقرة: من الآية186) .
إن الأنس بالله لا يأتي بلا سبب ، ولا يحصل بلا تعب ، بل هو ثمرة للطاعة ، ونتيجة للمحبة ، فمن أطاع الله وامتثل أمره واجتنب نهيه وصدق في محبته ، وجد للأنس طعما ، وللقرب لذة ، وللمناجاة سعادة .
إشراقة : الجمال جمال الأخلاق ، والحسن حسن الأدب ، والبهاء بهاء العقل.

ومضة : استوصوا بالنساء خيرا

!
10-02-20, 02:33 PM
الخاتم العاشر : ذات النطاقين تعيش حياتين

والذي نفسه بغير جمال لا يرى في الوجود شيئا جميلا

ضربت أسماء بنت أبي بكر ذات النطاقين مثلا حيا ونموذجا طيبا في الصبر على شظف العيش والحرمان الشديد ، والحرص على طاعة الزوج ، والتحري في مرضاته؛ فقد جاء في الحديث الصحيح قولها : ( تزوجني الزبير وما له شيء غير فرسه فكنت أسوسه واعلفه ، وأدق لناضحه النوى ، واستقي ، واعجن ، وكنت انقل النوى من ارض الزبير التي اقطعه رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه نفر ، فدعاني الرسول صلى الله عليه وسلم ، فقال : ( أخ . أخ ، ليحملني خلفه ، فاستحيت وذكرت الزبير وغيرته ، قالت : فمضى ، فلما أتيت ، اخبرت الزبير فقال : والله لحملك النوى كان اشد على من ركوبك معه!‍ ، قالت : حتى أرسل إلى أبو بكر بعد بخادم ، فكفتني سياسة الفرس ، فكأنما اعتقني)).
وبعد هذا الصبر كله ، كانت العاقبة أن انصبت عليها وعلى زوجها النعم ولكنها لم تبطر بالغنى ، بل كانت سخية كريمة لا تدخر شيئا لغد ، وكانت إذا مرضت تنتظر حتى تنشط فتعتق كل مملوك لها ، وتقول لبناتها ولأهلها : أنفقوا وتصدقوا ولا تنتظروا الفضل .
إشراقة : الحياة جميلة عند المؤمنين ، والآخرة محبوبة عند المتقين ، فهم السعداء فحسب .

ومضة :لاتك في ضيق مما يمكرون

!
10-02-20, 02:33 PM
الفريدة الأول :من احب من حبيب؟

وما النفس إلا حيث يجعلها الفتى فإن أطعمت تاقت وإلا تسلت

أحبيه أكثر من كل الناس ..!

هل راجعت نفسك وسألتها كم تحبين رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ وهل تعلمين أن مصداق هذا الحب هو فعل كل ما يأمر به النبي الذي تحبينه وهجر كل ما ينهاك عنه ؟، أعيدي النظر في عواطفك ووجهي عواطف الحب – أولا – إلى الله سبحانه ، ثم إلى من أنقذنا الله به من الضلال ، وتذكري إذا أردت أن تكون مكانتك في الجنة عالية حديث الرسول صلى الله عليه وسلم ( المرء مع من احب ) ، ولكن من أولى دلائل الحب ومظاهره فعل ما أمر به صلى الله عليه وسلم ، فكيف لأحد أن يزعم انه يحبه وهو يعمل بغير ما أمر ولا يتبع سنته ولا يقتدي بهديه ؟ !تناولي سيرته و أقرئي فيها ، وانظري كيف كانت أخلاقه العظيمة وحديثه الطيب وسماحته الندية وخشيته لله وزهده في الدنيا ، وغيري من أخلاقك لتكون مشابهة لأخلاقه r .
إشراقة : امرأتا نوح ولوط خانتا فهانتا ، وآسية ومريم آمنتا فأكرمتا


ومضة : فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان

!
10-02-20, 02:33 PM
الفريدة الثانية : السعادة لا تتعلق بالغنى والفقر

تخوفني ظروف الدهر سلمى وكم من خائف ما لا يكون

قال برناردشو : (( لا أستطيع القول بأنني ذقت الفقر حقا ، فقبل أن أستطيع كسب شيء بقلمي كنت املك مكتبة عظيمة هي المكتبة العامة في المتحف البريطاني ، وكان لدي اكمل معرض للوحات الفنية قرب ميدان ترافالجار ، وماذا كنت أستطيع أن اعمل بالمال؟.. أدخن السيجارة ؟ إنني لا أدخن ، اشرب الشمبانيا ؟ إنني لا اشرب ، اشتري ثلاثين بذلة من آخر طراز إذن لأسرع بدعوتي للعشاء في قصورهم ، أولئك الذين اتحاشى رؤيتهم قدر ما أستطيع ، اشتري خيلا ؟ .. أنها خطرة .. سيارات ؟ أنها تضايقني ..، والآن ولدي من المال ما أستطيع أن اشتري به هذه الأشياء كلها فإنني لا اشتري إلا ما كنت اشتريه أيام كنت فقيرا ، وإن سعادتي هي في الأشياء التي كانت تسعدني وأنا فقير ، وإن سعادتي هي في الأشياء التي كانت تسعدني وأنا فقير : كتاب اقرأه ، ولوحة أتمعن فيها ، ، وفكرة اكتبها ، من ناحية أخرى فإن لدي خيالا خصبها ، لا اذكر إنني احتجت شيئا أكثر من أن استلقي واغلق عيني لا تصور نفسي كما احب ، وافعل في الخيال ما أريد ، وإذن ففيم كان ينفعني الترف التعيس الذي يزخر به شارع بوند؟

إشراقة : اعجلي من بيتك جنة من السكينة ما ملعبا من الضجيج ، فإن الهدوء نعمة

ومضة : رب ابن لي عندك بيتا في الجنة

!
10-02-20, 02:33 PM
الفريدة الثالثة : أليس الله أولى بالشكر من غيره ؟

ولا هم إلا سوف يفتح قفله ولا حال إلا للفتى بعدها حال

شكر الله u هو اجمل واسهل وصفة للسعادة ولراحة الأعصاب ، لأنك حين تشكرين ربك سبحانه وتعالى تستحضرين أنعمه عليك فتحين بمقدار النعم التي ترفلين فيها ، وقد كان أحد السلف الصالح يقول :
(( إذا أردت أن تعرف نعمة الله عليك فاغمض عينيك )) ، فانظري إلى نعم الله عليك من سمع وبصر وعقل ودين وذرية ورزق ومتاع حسن ، فإن بعض النساء تحتقر ما عندها من النعم ، لكنها لو نظرت إلى ما سواها من الفقيرات والمسكينات والبائسات والمريضات والمشردات والمنكوبات ، لحمدت الله u على ما عندها من النعم ، ولو كانت في بيت شعر ، أو في كوخ من طين ، أو تحت شجرة في الصحراء ، فاحمدي الله على هذه النعم ، وقارني بينك وبين اللواتي أصبن في أجسامهن ، أو عقولهن ، أو أسماعهن ، أو أبنائهن ، وهن كثيرات في العالم .
إشراقة : أبردي أكباد الثكالى بكلمة طيبة ، وامسحي دموع البائسين بصدقة متقبلة

ومضة : من المحال دوام الحال

!
10-02-20, 02:34 PM
الفريدة الرابعة : السعيدة تسعد من حولها

علو في الحياة وفي الممات لحق أنت إحدى المعجزات !

يقول اوريزون سويت :
قد كان من حسن حظ نابليون انه تزوج الإمبراطورة ( جوزفين ) قبل أن يتولى القيادة العليل ويواجه تحديات الفتوح ، فإن أساليبها اللطيفة وشخصيتها الحلوة ، كانت أقوى من إخلاص عشرات الرجال في إكسابه ولاء أشياعه ، كانت تشيع السعادة من حولها ، وكانت لا تستعمل الأوامر بشكل مباشر أبدا حتى مع الخدم ، وقد أوضحت هي بنفها ذلك إيضاحا جميلا في قولها لإحدى صديقاتها : لي إلا موضع واحد استعمل فيه كلمة ( أريد ) وهو حين أقول : 0 أريد أن يكون كل من حولي سعيدا ) ، فكأن الشاعر الإنجليزي قد عناها حين قال : ( إنها مرت على الطريق في صباح سعيد بهيج فانتشر مجد الصباح على ذلك النهار بطوله ) ، والواقع يا صديقي أن اللطف ينشر السعادة فينا وفيمن حولنا حتى الجماد ، فاللطف جمال معنوي لي له حدود ، وهو للرجل بمثابة الجمال للمرأة ، أما المرأة نفسها فإنه يجعل جمالها أضعافا مضاعفة .
إشراقة : هل هي سعيدة من عرضت جمالها على كلاب البشر ونثرت حسنها لذئاب الناس ؟‍

ومضة : تعرفي على الله في الرخاء يعرفك في الشدة

!
10-02-20, 02:34 PM
الفريدة الخامسة : اطمئني فكل شيء بقضاء وقدر

فلا يديم سرورا ما سررت به ولا يرد عليك الغائب الحزن

مما يذكره ( ديل كارنيجي ) عوضا عن الإيمان بالقضاء والقدر ، أن الرجل يطلب من المصاب أن يتبلد أمام الأنواء ، كما تتبلد قطعان الجاموس وجوع الأشجار ! ، وهو معذور فيما يصف لأنه لم يقع على الدواء الذي بين أيدينا ، ولنسمع له يقول : رفضت ذات مرة أن اقبل أمراً محتما واجهني ، وكنت أحمق ، فاعترضت وثرت وغضبت وحولت ليالي إلى جحيم من الأرق ، وبعد عام من التعذيب النفساني امتثلت لهذا الأمر الحتم الذي كنت اعلم من البداية انه لا سبيل إلى تغييره ، وما كان اخلقني أن اردد مع الشاعر ( والت هويتمان ) قوله :
(( ما أجمل أن أواجه الظلام والأنواء والجوع )).
(( والمصائب والمآسي واللوم والتقريع )).
(( كما يواجهها الحيوان ، وتواجهها من الأشجار الجذوع ‍)).
ولقد أمضيت اثني عشر عاما من حياتي مع الماشية ، فلم أر بقرة تبتئس لأن المرعى يحترق ، أو لأنه جف لقلة الأمطار ، أو لأن صديقها الثور راح يغازل بقرة أخرى ، إن الحيوان يواجه الظلام والعواصف والمجاعات هادئا ساكنا ، ولهذا قل ما يصاب بانهيار عصبي أو قرحة في المعدة ‍‍.
إشراقة : تذكري النجاحات والمفرحات ، واني المزعجات والمصيبات

ومضة : وكفى بالله وكيلا

!
10-02-20, 02:34 PM
الفريدة السادسة : أم عمارة تتكلم !

عالم أن كل خير وشر لهما حد مدة وانقضاء

تروي نسيبة بنت كعب ( أم عمارة ) عن يوم أحد ، فتقول : خرجت أول النهار انظر ما يصنع الناس ومعي سقاء فيه ماء ، فانتهيت إلى رسول الله r ، وهو في أصحابه والدولة والريح للمسلمين ، فلما انهزم المسلمون انحزت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقمت أباشر القتال ، وأذب بالسيف ، وارمي عن القوس ، حتى خلصت الجراح إلى ، ولما ولى الناس عن رسول الله r أقبل ابن قميئة يقول : دلوني على محمد لا نجوت إن نجا ، فاعترضت له أنا ومصعب بن عمير فضربني هذه الضربة على عاتقي ، وقد ضربته على ذلك ضربات ، ولكن عدو الله كانت عليه درعان .
هذه أم عمارة التي قول عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما التفت يمينا ولا شمالا يوم أحد إلا وأراها تقاتل دوني .
إشراقة : احذري الصخب فإنه تعب ونصب ، وابتعدي عن السباب فإنه عذاب

ومضة : تسعة أعشار حسن الخلق في التغافل عن الأخطاء

!
10-02-20, 02:35 PM
الفريدة السابعة : الإحسان للإنسان يذهب الأحزان

فهبك ملكت أهل الأرض وطرا ودان لك العباد فكان ماذا ؟‍

أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في كرم المرأة وفيرة ؛ إن بالحض على الجود والإنفاق ، وإن بالمدح والثناء ، وإن بالإيثار على النفس وسعادتها بضيافتها الأصدقاء والأحباب ، فقد روت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنهم ذبحوا شاة فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( ما بقي منها ؟ ) قالت : ما بقي منها إلا كتفها ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : (( بقي كلها غير كتفها )).
فهو عليه الصلاة والسلام يوضح لآل بيته أن ما تصدقوا به بقي اجره إلى يوم القيامة ، وان ما بقي في الدنيا فأكلوه لم يستفيدوا من اجره في الآخرة ، وهذه لفتة كريمة إلى الحض على الصدقة ابتغاء رضوان الله سبحانه وتعالى .
وهذه السيدة أسماء أخت عائشة رضي الله عنهما ينصحها النبي صلى الله عليه وسلم بالتصدق كي يزيدها الله من فضله فتقول : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( لا توكي فيوكى عليك )) ، وفي رواية :(( انفقي أو انفحي ، أو انضحي ولا تحصي فيحصي الله عليك ، ولا توعي فيوعي الله عليك )).
إشراقة : ما دام الليل ينجلي فإن الألم يزول ، والأزمة سوف تمر ، والشدة تذهب

ومضة : النعمة عروس مهرها الشكر

!
10-02-20, 02:35 PM
الفريدة الثامنة : حولي خسائرك إلى أرباح

أرواحنا يا رب فوق اكفنا نرجو ثوابك مغنما وجوارا

نصح فقال :
لا تيأسي إذا تعثرت اقدامك وسقطت في حفرة واسعة ، فسوف تخرجين منها وأنت أكثر تماسكا وقوة ؛ والله مع الصابرين .
لا تحزني إذا جاءك سهم قاتل من اقرب الناس إلى قلبك ، فسوف تجدين من ينع السهم ويداوي الجرح ويعيد لك الحياة والبسمة .
لا تقفي كثيرا على الأطلال ، خاصة إذا كانت الخفافيش قد سكنتها ، والأشباح عرفت طريقها ، وابحثي عن صوت عصفور يتسلل وراء الأفق مع ضوء صباح جديد .
لا تنظري إلى الأوراق التي تغير لونها ، وبهتت حروفها ، وتاهت سطورها بين الألم والوحشة ، سوف تكتشفين أن هذه السطور ليست اجمل ما كتبت وان هذه الأوراق ليست آخر ما سطرت ، ويجب أن تفرقي بين من وضع سطورك في عينيه ومن ألقى بها للرياح ، لم تكن هذه السطور مجرد كلام جميل عابر ، ولأنها مشاعر قلب عاشها حرفا حرفاً ، ونبض إنسان حملها حلما ، واكتوى بنارها ألما ، لا تكوني مثل مالك الحزين ، هذا الطائر العجيب الذي يغني اجمل ألحانه وهو ينزف ، فلا شيء في الدنيا يستحق من دمك نقطة واحدة .

إشراقة : من يزرع الريح يحصد العاصفة ،

ومضة : كأنهن بيض مكنون

!
10-02-20, 02:35 PM
الفريدة التاسعة : الوفاء غال فأين الأوفياء ؟

وإنما المرء حديث بعده فكن حديث حسنا لمن وعى

من اعظم العارفين بالله ، والمستسلمين لقضائه ، والراضين بحكمه ، نبي الله أيوب – عليه السلام - فقد ابتلي بضر في جسده وماله وولده ، حتى لم يبق من جسده مغرز إبرة سليما سوى قلبه ، ولم يبق له من حال الدنيا شي يستعين به على مرضه وما هو فيه ، غير أن زوجته حفظت وده لإيمانها بالله ورسوله ، فكانت تخدم الناس بالأجرة وتطعمه وتخدمه نحوا من ثماني عشرة سنة ، لا تفارقه صباحا ولا مساء إلا بسبب خدمة الناس ، ثم تعود إليه ، فلما طال المطال واشتد الحال ، وتم الأجل المقدر ، تضرع إلى رب العالمين ، وإله المرسلين ، وأرحم الراحمين ، وناداه : ) أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ)(الانبياء: من الآية83) ، فعند ذلك استجاب له ، وقبل دعوته ، ولبى نداءه ، فأمره أن يقوم من مقامه ، وأن يضرب الأرض برجله ، ففعل ذل ، فأنبع الله عينا ، وأمره أ، يغتسل منها ، فأذهب جميع ما كان في بدنه من الأذى ، ثم أمره فضرب الأرض في مكان آخر فأنبع له عينا أخرى وأمره أن يشرب منها ، فأذهبت ما كان في باطنه من السوء ، وتكاملت العافية ظاهرا وباطنا ، وذلك كله ثمرة الصبر ، ونتيجة الاحتساب ، وفائدة الرضى .
إشراقة : قد يندم الإنسان على الكلام ، ولكنه لا يندم أبدا على السكوت!


ومضة : المرأة مصدر السرور ومنبع البهجة

!
10-02-20, 02:36 PM
الفريدة العاشرة : الجدية .. الجدية

اغنمي بسمة الصباح وقولي مرحبا إننا لرؤياك عطشى

عليك بالجدية في أمورك ، من تربية أبناء ، ومتابعة عمل نافع مفيد ، وقراءة راشدة ،وتلاوة خاشعة ، وصلاة مخبتة ، ، وذكر حاضر ، وصدقة ، وترتيب بيت ، وتنظيم مكتبة ، لتكوني – بذلك – في جد ينهي عليك أوقات الهموم والغموم.
وانظري إلى بعض الكافرات فضلا عن المؤمنات ، كيف تميزن بالجدية في حياتهن مع كفرهن وانحرافهن ، فهذه رئيسة وزراء إسرائيل السباقة الهالكة ( غولدا مائير ) ، لها مذكرات وصفت فيها جديتها وتنظيمها للجيش وموقفها في الحروب مع العرب ، حتى إنه لم يفعل فعلها أحد من الرجال من بني جنسها إلا القليل ، وهي كافرة عدوة لله .
إشراقة : السعادة ليست ضربا من السحر ، ولو كانت كذلك لما كانت ذات قيمة .


ومضة : إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون

!
10-02-20, 02:36 PM
المرجانة الأولى : قفي وقفة شجاعة مع النفس

الجوع يدفع بالرغيف اليابس فعلام أكثر حسرتي ووساوسي

سلي نفسك هذه الأسئلة وأجيبي جواب العاقلة المتزنة :
هل تعلمين انك ستسافرين سفرا بلا رجعة ؟ .. فهل أعددت العدة لهذا السف ؟
هل تزودت من هذه الدنيا الفاتنة بالأعمال الصالحة لتؤنس وحشتك في القبر ؟
كم عمرك ؟ وكم ستعيشين ؟ ألا تعلمين أن لك بداية نهاية وأن النهاية جنة أو نار؟
هل تخيلت عندما تنزل الملائكة من السماء لقبض روحك وأنت غافلة لاهية ؟
هل تخيلت ذلك اليوم والساعة الأخيرة في حياتك ، ساعة فراق الأهل والأولاد ، فراق الأحباب والأصحاب ؟ إنه الموت بسكراته وشدة نزعه وكرباته ، إنه الموت .. إنه الموت ..!!
وبعد فراق روح من جسدك يذهب بك إلى مغسلة الأموات فتغسلين وتكفنين ، ويذهب بك إلى المسجد ليصلى عليك ، وبعد ذلك تحملين على أكتاف الرجال .. إلى أين ؟
إلى القبر ، إلى أول منازل الآخرة ، إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار ؟
إشراقة : اعتبري إخفاقك درساً.


ومضة : وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا

!
10-02-20, 02:36 PM
المرجانة الثانية : احذري!

لا يملأ الأمر صدري قبل موقعه ولا أضيق به ذرعا إذا وقعا

احذري التشبه بالكافرات والفاجرات ، أو الرجال ، ففي الحديث : (( لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء ، والمتشبهات من النساء بالرجال )).
واحذري كل ما يغضب الرب سبحانه وتعالى ، مما رد النهي عنه في الأحاديث الشريف : مثل الترجل ، أو الخلو بالرجل الأجنبي ، أو السفر مع غير ذي محرم ، أو أن تسقط المرأة حياءها ، وتخلع جلبابها ، وتنسى ربها ، فهذه كلها من الأفعال المشينة التي تورث القلب انعقادا ، والصدر ضيقا وظلمة في الدنيا والآخرة ، وهذا مما اشتهر واصبح شائعا بين المسلمات ، إلا من رحم الله عز وجل .
إشراقة : لكي تكوني جميلة يجب أن تفري تفكيرا جميلا

ومضة : ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في امرنا

!
10-02-20, 02:37 PM
المرجانة الثالثة : شكر المحسن واجب

اكذب النفس إذا حدثتها إن صدق النفس يزري بالأمل

كانت ( الخيزرانن )) جارية اشتراها الخليفة المهدي من النخاس ، واعتقها وتزوجها وأنفذ أمرها وعقد لوالديها بولاية العهد ، فكانت إذا غضبت تقول له في وجهه : (( ما رأيت منك خيرا قط ))!
وكانت (( البرمكية )) جارية مثلها ، تباع وتشترى ، فاشتراها المعتمد ابن عباد ملك المغرب فاعتقها وجعلها ملكة ،وحين رأت الجواري يلعبن في الطين حنت لماضيها ، فاشتهت أن تلعب في الطين مثلهن فأمرر أن يوضع لها طيب لا يحص على شكل طين ، فخاضت فيه ولعبت فكانت إذا غضبت منه قالت له : (( إني لم أر منك خيرا قط )) ، فيبتسم ويقول لها : ولا يوم الطين ؟! فتخجل !..
فطبيعة النساء – إلا ما قل – هي نسيان ما عملت لهن عند أي سهو أو تقصير ، وقد ورد في الحديث الشريف : (( يا معشر النساء تصدقن فإني رأيتكن أكثر أهل النار ، فلن : وبم يا رسول الله ؟ قال : تسرعن اللعن وتكثرن الطعن ، وتكفرن العشير )).
وقال صلى الله عليه وسلم : (( أريت النار فإذا أكثر أهلها من النساء ، لأنهن يكفرن العشير ويكفرن الإحسان ، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم رأت منك شيئا قال : ما رأيت منك خيرا قط )) ، فإذا عرف الإنسان طبيعة المرأة فإنه لا يغضب ولا يقلق ولا تتوتر أعصابه إذا تنكرت له أحيانا وزعمت أنها لم تر منه أي خير مع انه قد فعل لها الكثير .
إشراقة : المرأة الناجحة يدعى لها ، ويثني عليها زوجها ، وتحبها جاراتها ، وتحترمها صديقاتها.

ومضة : إن رحمتي وسعت غضبي

!
10-02-20, 02:37 PM
المرجانة الرابعة : الروح أولى بالعناية من الجسد

أتاك الربيع الطلق يختال ضاحكا من الحسن حتى كاد أن يتبسما

أمر عمر بن عبد العزيز وهو في خلافته رجلا أن يشتري له كساء بثمانية دراهم ، فاشتراه له واتاه به ، فوضع عمر يده عليه وقال : ما ألينه وأحسنه ‍، فتبسم الرجل الذي أحضره ، فسأله عمر ؟ فقال : لأنك يا أمير المؤمنين أمرتني قبل أن تصل إليك الخلافة أن اشتري لك مطرف خز فشريته لك بألف درهم ، فوضعت يدك عليه فقلت : ما أخشنه !، وأنت اليوم تستلين كساء بثمانية دراهم؟
فقال عمر : ما احسب رجلا يبتاع كساء بألف درهم يخاف الله ، ثم قال : يا هذا ، إن لي نفسا تواقة للمعالي ، فكلما حصلت على مكانة طلبت أعلى منها ، حصلت على الأمارة فتقت إلى الخلافة ، وحصلت على الخلافة فتاقت نفسي إلى ما هو اكبر من ذلك ، وهي الجنة .
إشراقة : إن مقاضاة الناس لا تقع على عاتقنا ، من واجبنا ألا تفكر بعقاب الآخرين .

ومضة : احفظي الله يحفظك

!
10-02-20, 02:37 PM
المرجانة الخامسة : اشتغلي بالحاضر من الماضي والمستقبل

سينقشع الظلام فلا تخافي ويأتي الفجر في حلل بهية

ما قيمة لطم الخدود ، وشق الجيوب على حظ فات أو غرم ناب ؟ ما قيمة أن ينجذب المرء بأفكاره ومشاعره إلى حدث طواه الزمن ليزيد ألمه حرقة وقلبه لذعا ؟ !
لو أن أيدينا يمكنها أن تمتد الى الماضي لتمسك حوادثه المدبرة ، فتغير منها ما تكره ، وتحورها عل ما تحب ؛ لكانت العودة إلى الماضي واجبة ، ولهرعنا جميعا إليه ، نمحو ما ندمنا على فعله ، ونضاعف ما قلت أنصبتنا منه ، إما وذلك مستحيل ، فخير لنا أن نرس الجهود لما نستأنف من أيام وليال ، ففيها وحدها العوض .
وهذا ما نبه إليه القران الكريم بعد ( أحد ) ؛ قال للباكين على القتلى ، النادمين على الخروج للميدان : ) قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ)(آل عمران: من الآية154).
إشراقة : كوني واثقة أن السعادة تشبه الوردة المغروسة التي لم تظهر بعد ، ولكن ظهرها أكيد.

ومضة : ومن اعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا

!
10-02-20, 02:37 PM
المرجانة السادسة المصائب كنوز الرغائب

انظري للروض بساما غدا ينشد الطير به ما يطرب

عن أم العلاء رضي الله عنها قال : (( عادني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا مريضة فقال : ابشري يا أم العلاء ، فإن مرض المسلم يذهب الله به خطاياه كما تذهب النار خبث الفضة )).
ولي معن ذلك أن نربي جراثيم الأمراض في أجسامنا ونترك التداوي بحجة أن المرض يحط الخطايا والذنوب ، وإنما على العبد أن يطلب الشفاء ويتلمس الدواء ، مع الصبر على الأمراض واحتساب الآلام عند الله u ، والنظر إليها على أنها رصيد من الحسنات تدخر في صحيفته ، وهو ما تعلمه لنا تلك المرأة الصالحة .
وعلى المرأة أن تصبر على فقدان الأحبة من زوج وولد ،وفي الحديث (( إن الله لا يرضى لعبده المؤمن ، إذا ذهب بصفيه من أهل الأرض فصبر واحتسب ، بثواب دون الجنة )).
وإذا كانت المرأة قد فقدت زوجها، فإن الله عز وجل قد استرد عبده ، وهو أول به ، فإذا قالت المرأة : زوجي أو ولدي ! ، قال الخالق الموجد : عبدي ، وأنا أول به و أحق قبل غيري ، فالزوج عارية ،والولد عارية ، والأخ عارية ، والأب عارية ، والزوجة عارية .
وما المال والأهلون إلا ودائع ولابد يوما أن ترد الودائع

إشراقة : اهربي من اشتم كما تهربين من الطاعون !

ومضة : الراحمون يرحمهم الرحمن

!
10-02-20, 02:38 PM
المرجانة السابعة : ارحمي من في الأرض يرحمك من في السماء

أما علمت بان العسر يتبعه يسر كما الصبر مقرون به الفرج ؟

تظهر رحمة الأم في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم واضحة جلية ،فهي مثال العطف والحنان ، ونبع الشفقة والرأفة ، خلقها الله سبحانه وتعالى ينبوعا يفيض على أبنائها بالحب ، ويؤثرهم بالرفد والعطاء ، فقد جعلها النبي صلى الله عليه وسلم صورة حية ، ينفذ منها إلى توضيح رحمة الله سبحانه وتعالى بعباده ، فقد روى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم : بسبي ، فإذا امرأة من السبي تسعى ، إذ وجدت صبيا في السبي ، فألزقته ببطنها ، فأرضعته ، فقال رسول الله صك (( أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار ؟ )) ، قلنا : لا والله ن فقال : (( الله ارحم بعباده من هذه بولدها )).
فهذه امرأة وقعت في ذلك الأسر ، حزينة كاسفة البال ، كانت سيدة في أهلها وعشريتها ، حرة في كنف رجال قبيلتها ، مطاعة في بيت زوجها ، فجعلها الأسر أمة مملوكة وجارية مأمورة ، حالة نفسية صعبة يذهل الإنسان بها عما حوله ، ويعتصر الألم قلبه ، ولكن هذا كله لم يلهها عن ابنها وفلذة كبدها ، فقد بحثت عنه جاهدة حتى رأته ، فاحتضنته راغبة ، وألقمته ثديها حانية، وضمته إلى صدرها بين ذراعيها مشفقة ، امرأة كهذه لا تسلم ابنها إلى مكروه مهما صغر ، وتدفع عنه الأذى مهما حقر ، وتفديه بنفسها من كل ضر .
إشراقة : الألسنة الرديئة تجني على أصحابها أكثر مما تجني على الآخرين من ضحاياها .

ومضة : الشكر عصمة من النقمة

!
10-02-20, 02:38 PM
المرجانة الثامنة : الدنيا الجميلة لا يراها إلا المتفائلون

صلي عليك الله يا علم الهدى واستبشرت بقدومك الأيام

إذا اغلق الشتاء أبواب بيتك ، وحاصرتك تلال الجليد من كل مكان ، فانتظري قدوم الربيع وافتحي نوافذك لنسمات الهواء النقي ، وانظري بعيدا فسوف ترين أسراب الطيور وقد عادت تغني ، وسوف ترين الشمس وهي تلقي خيوطها الذهبية فوق أغصان الشجر لتصنع لك عمرا جديدا ، وحلما جديدا ، وقلبا جديدا .
لا تسافري إلى الصحراء بحثا عن الأشجار الجميلة فلن تجدي في الصحراء غير الوحشة ، وانظري إلى مئات الأشجار التي تحتويك بظلها ، وتسعدك بثمارها ، وتشجيك بأغانيها
لا تحاولي أن تعيدي حساب الأمس ، وما خسرت فيه ، فالعمر حينما تسقط أوراقه لن تعود مرة أخرى ، ولكن مع كل ربيع جديد سوف تنبت أوراق أخرى ، فانظري إلى الأوراق التي تغطي وجه السماء ودعيك مما سقط على الأرض ، فقد صار جزءا منها .
إذا كان الأمس ضاع ، فبين يديك اليوم ، إذا كان اليوم سوف يجمع أوراقه ويرحل فلديك الغد ، لا تحزني على الأمس فهو لن يعود ، ولا تأسفي على اليوم ، فهو راحل ، واحلمي بشمس مضيئة في غد جميل .
إشراقة : لا يمكن تخيل مد الأمراض التي يحدثها تبادل الكلمات الجارحة !

ومضة : النساء شقائق الرجال

!
10-02-20, 02:38 PM
المرجانة التاسعة : تعرفي على الله في الرخاء يعرفك في الشدة

أيها اليائس مت قبل الممات أو إذا شئت حياة فالجرا

عندما أحس يونس بالضيق في بطن الحوت ، في تل الظلمات الهائلة ، ظلمة البحر ، وظلمة بطن الحوت ، وظلمة الليل ، وضاق صدره ، واعتلج همه ، وعظم كربه ، فزع إلى الله تعالى ، إلى غياث الملهوف ، وملجأ المكروب ، وواسع الرحمة ، وقابل التوبة ،وانطلق لسانه بكلمات كأنهن الياقوت والمرجان ) فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ)(الانبياء: من الآية87) ، وتأتي الاستجابة السريعة ، حيث قال تعالى : )فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ) (الانبياء:88) .
فأوحى الله إلى الحوت ، أن يلقي يونس بالعراء ، فخرج على الشاطئ سقيما هزيلا مدنفا عليلا ، فتلقته عناية الله ، وحفت به رحمته ، فأنبت الله عليه شجرة من يقطين – وهو نبات لا ساق له وله ورق عريض – ودبت إليه العافية ، وظهرت فيه تباشير الحياة، وكذا من تعرف على الله في الرخاء يعرفه في الشدة .
إشراقة : لا يمكن أن تصبحي جديرة بقيادة نفسك إلا إذا أصبحت جديرة بقيادة حياتك .


ومضة : مسكين رجل بلا امرأة

!
10-02-20, 02:39 PM
المرجانة العاشرة : صاحبة أغلى مهر في العالم

كوني أرق من النسيم إذا جرى وأعز في الدنيا من الجوزاء

تقدم أبو طلحة للزواج من أم سليم بنت ملحان ، وعرض عليها مهرا غاليا ، إلا أن المفاجأة أذهلته وعقلت لسانه ، عندما رفضت أم سليم كل ذلك بعزة وكبرياء وهي تقول : إنه لا ينبغي أن أتزوج مشركا ، أما علم يا أبا طلحة أن آلهتكم ينحتها عبد آل فلان ، وأنكم لو أشعلتم فيها نارا لاحترقت !
فأحس أبو طلحة بضيق شديد فانصرف وهو لا يكاد يصدق ما يرى ويسمع ، ولكن حبه الصادق جعله يعود في اليوم التالي يمنيها بمهر أكر وعيشة رغيدة عساها تلين وتقبل ، فقالت بأدب جم :( ما مثلك يرد يا أبا طلحة ، ولكنك امرؤ كافر ، وأنا امرأة مسلمة لا تصلح لي أن أتزوجك فقال : ما ذاك دهرك : قالت : وما دهري ؟ قال : الصفراء والبيضاء . قالت : فإني لا أريد صفراء ولا بيضاء ، أريد منك الإسلام ، قال : فمن لي بذلك قالت : لك بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فانطلق يريد النبي وهو جالس في أصحابه ، فلما رآه قال : ( جاءكم أبو طلحة غرة الإسلام في عينيه ) ، فجاء فأخبر النبي بما قالت أم سليم فتزوجها على ذلك .
إن هذه المرأة مثل عال لكل من تنشد المجد وتسعى للفضيلة ، فانظري كيف سطرت بحسن سيرتها آيات من النبل والإيمان ، وانظري مقدار ثوابها عند الواحد الديان ، كيف تركت ثناء جميلا عاطرا ، وكسبت أجرا كبيرا مباركا فيه ؛ ذلك لأنها كانت صادقة مع ربها ، صادقة مع نفسها ، صادقة مع الناس ، وهذا يوم ينفع الصادقين صدقهم ، فطوب لها الجنة ، وهنيئا لها الخلد ، وقرة عين لها الفوز.
إشراقة عليك أن تبتسمي إذا أردت أن يبتسم لك الآخرون.

ومضة : واصبر على ما أصابك

!
10-02-20, 02:39 PM
الألماسة الأولى : مفاتيح الظفر

دار متى ما أضحكت في يومها أبكت غدا قبحا لها من دار
مفتاح العز : طاعة الله ورسوله
مفتاح الرزق : السعي مع الاستغفار والتقوى.
مفتاح الجنة : التوحيد.
مفتاح الإيمان : التفكر في آيات الله ومخلوقاته .
مفتاح البر : الصدق .
مفتاح حياة القلب : تدبر القرآن ، والتضرع في الأسحار ، وترك الذنوب .
مفتاح العلم : حسن السؤال وحسن الإصغاء .
مفتاح النصر والظفر : الصبر .
مفتاح الفلاح : التقوى .
مفتاح المزيد : الشكر .
مفتاح الرغبة في الآخرة : الزهد في الدنيا .
مفتاح الإجابة : الدعاء .

إشراقة : ابتسامة المرء شعاع من أشعة الشمس .

ومضة : ربنا هب لنا من لدنك رحمة .

!
10-02-20, 02:39 PM
الألماسة الثانية : بعد المعاناة لذة انتصار .

تسل عن الهموم فلي شيء يقيم ، وما همومك بالمقيمة

في خطاب زوجة لامها بعد شهر العسل كتبت تقول : أمي .ز عدت اليوم إلى بيتي إلى عشنا الصغير الذي أعده زوجي ، بعد أن أمضينا شهر العسل .. كنت أتمنى أن تكوني قريبة مني يا أمي .. لأحكي لك كل شيء عن تجربتي في حياتي الجديدة مع زوجي ، إنه رجل طيب وهو يحبني ، وأنا أيضاً احبه ، إنني افعل كل ما في وسعي لإرضائه .. تأكدي يا أمي أنني أحفظ كل نصائحك واعمل بكل ما أوصيتني به ، ما زلت أذكر كل كلمة .. كل حرف قلبه لي وهمست به في أذني وأنت تحتضنينني وتضمينني إلى صدرك الحنون ليلة زفافي .
إنني أرى الحياة من خلال نظرتك أنت إليها .. انك مثلي الأعلى .. ولا هدف لي سوى أن اصنع ما صنعته أنت بأبي الطيب وبنا نحن أبناؤك ، لقد أعطيتنا كل حبك وحنانك .. علمتنا معنى الحياة وكيف نعيشها .. وصنعت بيدك بذور الحب في قلوبنا .
إنني اسمع المفتاح يدور في قفل الباب لابد انه زوجي ، انه يريد أن يقرا رسالتي لك ، يريد أن يعرف ماذا اكتب لأمي ؟ يريد أن يشاركني هذه اللحظات السعيدة التي اقضيها معك بروحي وفكري .. انه يطلب مني أن اترك له القلم وأفسح له مكانا يكتب لك ، أقبلك يا أمي وأقبل أبي واخوتي وإلى اللقاء .

إشراقة : البسمة لا تكلف شيئا ، ولكنها تعطي كثيراً.


ومضة : ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم

!
10-02-20, 02:40 PM
الألماسة الثالثة : القلق يعذب الذهن والجسم

قال : الحياة كئيبة وتجهما قلت ابتسم يكفي التجهم في السما!

من أسوأ مميزات القلق انه يبدد القدرة على التركي الذهني ، فعندما نقلق تتشتت أذهاننا ، ولكن عندما نقسر أنفسنا على مواجهة أسوأ الاحتمالات ، فإننا بذلك نضع انفنا في موقف يعنا فيه أن نركز أذهاننا في صميم المشكلة .
ليس في استطاعتنا أن نتحمس لعمل مثير ، ونحس بالقلق في الوقت نفسه ، فإن واحدا من هذين الاحساسين يطرد الآخر .
إذا أحسست بأنه سيعتورك القلق على الحاضر ، فعودي بذاكرتك إلى أسوأ حالة من حالات القلق تعرضت لها في الماضي ، وبذلك تطوق العقل قبضتان مختلفتان بدلا من قبضة واحدة ، وستتغلب القبضة الأقوى وقعت في الماضي على قبضة الحاضر الأقل شدة وقوة ، وسيقول المرء إذ ذاك : ما من شيء يمكن أن يكون أسوأ من أزمة الماضي ومع ذلك فقد اجتزتها بنجاح ، فإذا كنت قد تخطيت تلك الأزمة ومررت منها بسلام ، فما اقل موقف اليوم في مشقته وخطره .
إن القلق يكون أقرب إلى الاستحواذ عليك لا في أوقات عملك ، وإنما في وقت فراغك من العمل ، فالخيال إذ ذاك يجمح ويقلب كل صنوف الاحتمالات ، وعلاج ذلك هو أن تنشغلي بعمل جاد .
إشراقة :تكاد الأشياء التافهة تدفع أكثر الناس حكمة إلى حافة الجنون !

ومضة : الحياة دقائق وثواني

!
10-02-20, 02:40 PM
الألماسة الرابعة : عملك المحبوب سر سعادتك

صبرا على شدة الأيام إن لها عقبى ، وما الصبر إلا عند ذي حسب

إن العبقري في أي مجال ينجذب انجذابا لا طاقة له على مقاومته إلى المجال الذي خلقه الله له واستودع فيه الإبداع من خلاله ، ولئن شكا من سوء حظه في مجاله هذا ، فإن ذلك العمل هو الشيء الوحيد الذي يمارسه بلذة وسرور ، ومهما كانت المصاعب التي يلاقيها – عبره – جمة ، ومهما كانت آماله بالكسب والنجاح – من خلاله – ضئيلة ، ومهما التفت إلى ورائه متنهدا وتمنى لو انصرف عنها إلى مهنة أخرى تكون أوفر جدوى واكثر دخلا ، ومهما اشتكى من فقره الذي جلبته عليه مهنته ، فإنها مقابل هذا كله تمنحه السعادة وتخرج منه خير ما فيه .
إشراقة : سعادة الرجل في (( كلمة )) تخرج من بين شفتي امرأة .

ومضة : وإذا مرضت فهو يشفين

!
10-02-20, 02:40 PM
الالماسة الخامسة : القوة في القلب لا في الجسم

لكل من الأيام عندي عادة فإن ساءني صبر ، وإن سرني شكر

هذه امرأة نصرانية لم تكن تعلم من شئون الحياة إلا الفقر والجوع والمرض ، فقد مات زوجها بعد وقت قصير من قرانهما ، وهجرها زوجها الثاني هاربا مع امرأة أخرى ، ثم وجد بعد ميتا في منزل حقير ، وكان لها ولد واحد .. لكنها ألفت نفسها مدفوعة بالفاقة والمرض إلى التخلي عنه حين بلغ الرابعة من عمره .
وقد وقعت نقطة التحول في حياتها بينما كانت تجوب طرقات البلدة ذات يوم إذ زلت قدمها فسقطت على الأرض المكسوة ، ثم ذهبت في إغماء طويل ، وأصيبت من جراء سقطتها هذه بإصابة بالغة في عمودها الفقري ، وتوقع لها الأطباء إما الموت العاجل ، وإما الشلل التام طول حياتها ..
وبينما المرأة راقدة في فراش المرض فتحت الكتاب المقدس ، وألهمتها العناية الإلهية – كما عبرت هي – أن تقرأ هذه الكلمات من إنجيل متى : (( وإذا مفلوج يقدمونه إليه – تعني عيسى عليه السلام – مطروحا على فراش ، حينئذ قال للمفلوج : قم ، احمل فراشك واذهب إلى بيتك ، فنهض وغادر المكان )) .
أمدتها هذه الكلمات بقوة إيمان وفورة داخلية ، حتى إنها نهضت من الفرش وتمشت في الغرفة !!، ومهدت هذه التجربة الطريق للسيدة المشلولة كي تعالج نفسها وتسوق العافية للآخرين .
قال ديل ( كارنيجي ) (( تلك هي التجربة التي مكنت ( ماري بيكر إيدي ) من أن تصبح مبشرة بدين جديد ، لعله الدين الوحيد الذي بشرت به امرأة !)).
وأنت أيتها المسلمة ماذا فعلت ؟

إشراقة : امنع الحصون المرأة الصالحة .


ومضة : القناعة كنز لا يفنى .

!
10-02-20, 02:40 PM
الالماسة السادسة : المرأة العظيمة تجعل من جحيم المصائب جنة
وعاقبة الصبر الجميل جميلة وأفضل أخلاق الرجال التفضل

ضربت لنا الصحابية الجليلة أم سليم امرأة أبي طلحة – رضي الله عنهما – مثلا رائعا في الصبر على فقدان الولد ، فعوضها الله سبحانه وتعالى خيرا.
عن انس رضي الله عنه قال : كان ابن لأبي طلحة رضي الله عنه يشتكي ، فخرج أبو طلحة ، فقبض الصبي ، فلما رجع أبو طلحة قال : ما فعل ابني ؟ ، قالت أم سليم وهي أم الصبي : هو اسكن ما كان ! .. فقربت إليه العشاء فتعشى ، ثم أصاب منها ، فلما فرغ قال : واروا الصبي ، فلما اصبح أبو طلحة أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخبره ، فقال : (( أعرستم الليلة ؟ قال : نعم ، قال : اللهم بارك لهما ، فولدت غلاما ، فقال لي أبو طلحة : احمله حتى تأتي به النبي صلى الله عليه وسلم ، وبعث معه بتمرات ، فقال صلى الله عليه وسلم أمعه شيء ؟ قال : نعم ، تمرات ، فأخذها النبي صلى الله عليه وسلم فمضغها ، ثم أخذها من فيه فجعلها في فيء الصبي ، ثم حنكه وسماه عبد الله )).
إشراقة : لا شيء يرفع قدر المرأة كالعفة .

ومضة : بشر الليل بفجر صادق

!
10-02-20, 02:41 PM
الالماسة السابعة : اصبري لتظفري

فصبرا على حلو الزمان ومره فإن اعتياد الصبر ادعى إلى الرشد

ورد عن أم الربيع بنت البراء ، وهي أم حارثة بن سراقة الذي قتل في بدر أنها أتت إلى الرسول r ترجو أن تسمع منه عن ابنها الشهيد ما يثلج صدرها فقالت : يا رسول الله ألا تحدثني عن حارثة ؟، فإن كان في الجنة صبرت ، وإن كان غير ذلك اجتهدت عليه في البكاء ، فقال : (( يا أم حارثة ، إنها جنان في الجنة ، وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى )).
إن فقدان الولد أمر عظيم يمزق القلب ، ويقطع الأحشاء ، ويفتت الكبد ، وهذه المرأة تسأل النبي صلى الله عليه وسلم إن كان في الجنة فسوف تلقاه إن شاء الله ، وصبرها على فراقه رفع لدرجتها ودرجته في الجنة ، وإن لم يكن كذلك لتبكينه بحرقة من يفقد العزيز إلى الأبد ، وهذا ما تستطيعه ، وجل ما تقدر عليه ، إنها الأم الثكلى ، والراحمة العطوف ، والصابرة المحتسبة .

إشراقة : إذا أنت المرأة الجميلة جوهرة .. فالمرأة الفاضلة كنز.


ومضة : المرأة شمس لن لا تغيب

!
10-02-20, 02:41 PM
الالماسة الثامنة : ليس لنا في الأزمات إلا الله وحده

فليتك تحلو والحياة مريرة وليتك ترضى والأنام غضاب

إذا حل الهم ، وخيم الغم ، واشتد الكرب ، وعظم الخطب ، وضاقت السبل ، وبارت الحيل ، نادى المنادي : يا الله .. يا الله : (( لا إله إلا الله العظيم الحليم ، لا إله إلا الله رب العرش العظيم ، لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض ورب العرش الكريم ))، فيفرج الهم ، وينفس الكرب ، ويذلل الصعب : )فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ) (الانبياء:88) )وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ) (النحل:53)
إذا اشتد المرض بالمريض ، وضعف سمه ، وشحب لونه ، وقلت حيلته ، وضعفت وسيلته ، وعجز الطبيب ، وحار المداوي ، وجزعت النفس ، ورجفت اليد ، ووجف القلب ، انطرح المريض ، واتجه العليل إلى العلي الجليل ، ونادى : يا الله .. يا الله ، فزال الداء ، ودب الشفاء ، وسمع الدعاء : )وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) (الانبياء:83)(فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ) (الانبياء:84) .

إشراقة : خير ما يقتني الرجل زوجة وفية.

ومضة : رفقا بالقوارير

!
10-02-20, 02:41 PM
الالماسة التاسعة : أمن يجيب المضطر إذا دعاه

لا يضيق ذرعك عند الأزمات إن هي اشتدت فأمل فرجا

من كرم الباري – جل وعلا – أنه لا يخيب من رجاه ، ولا يضيع من دعاه ، وبقدر حاجة الإنسان إليه وانطراحه بين يديه ولجوئه إليه ، بقد ما تكون الإجابة ويأتي الفرج ، ويستجاب الدعاء ، بل إن من كرمه انه يجيب دعوات أنا غير مسلمين في حالة اضطرارهم إليه ، وانطراحهم بين يديه ، وثقتهم في لطفه ، وطمعهم في كرمه ، فهو يجيب نداءهم ، ويكشف ضرهم كرما منه ، وتحبيبا لهم ، لعلهم يؤمنون ، ولكن كثيرا من الناس يتناسون الفضل ، ويتنكرون للجميل ، ويكفرون المعروف ، قال تعالى : )فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ) (العنكبوت:65) .
ولقد امتن الله تعالى على العباد بأنه هو الذي يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ، وأن ذلك دليل من دلائل الألوهية ،وبرهان من براهين الوحدانية ، ولكن الناس قليلا ما يتذكرون : )أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ) (النمل:62)

إشراقة : على المرأة أن تقر في البيت ؛ لأنها إنا لطيف سريع الإنكسار !.


ومضة : إياك وايذاء الآخرين فإنه دليل على الخذلان

!
10-02-20, 02:42 PM
الالماسة العاشرة : ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه

كوني كوجه النجم إشراقا ولا تخشي هموما أقبلت وظلاما

من عيون أخبار أم البنين بنت عبد العزيز – أخت عمر بن عبد العزيز – مع الكرم أنها كانت تدعو النساء إلى بيتها ، وتكسوهن الثياب الحسنة ، وتعطيهن الدنانير ، وتقول : الكسوة لكن ، والدنيانير أقمنها بين فقرائكن – تريد بذلك أن تعلمهن وتعودهن على البذل والجود – واثر عنها أنها كانت تقول : أف للبخل ، والله لو كان ثوبا ما لبسته ، ولو كان طريقا ما سلكته .
ومن أقوالها المأثورة في الكرم : جعل لكل قوم نهمة في شيء ، وجعلت نهمتي في البذل والإعطاء ، والله للصلة والمواساة احب الي من الطعام الطيب على الجوع ، ومن الشراب البارد على الظمأ .
ولشدة حرصها على الإنفاق ، ووضع المال في مواضعه ، واصطناع آيات المعروف كانت – رحمها الله – تقول : ما حسدت أحداً قط على شيء إلا أن يكون ذا معروف ، فإني كنت احب أن أشركه في ذلك .
هذه أم البنين ، وهذه أقوالها وأفعالها ، فأين شبيهات أم البنين ؟!

إشراقة : في موت الأنانية تكمن السعادة الحقة .

ومضة : إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب

!
10-02-20, 02:42 PM
الجمانة الأولى : أنت مسلمة لا شرقية ولا غربية

عسى فرج يكون عسى نعلل نفسنا بعسى

هذه موعظة من امرأة ألمانية مسلمة :
لا تنخدعن بالغرب في أفكاره وموضاته ، فهذا كله خدعة يستدرجوننا بها ليبعدونا عن ديننا تدريجيا ليستولوا على أموالنا .
الإسلام وأنظمته الأسرية هو الذي يوافق المرأة ؛ لأن من طبيعتها أن تستقر في البيت ، ولعلكم تسألون لم ؟
لأن الله خلق الرجل أقوى من المرأة في تحمله وعقله وقوته الجسدية ، وخلق المرأة عاطفية جياشة الشعور ، لا تملك الطاقة الجسدية التي هي للرجل .
وهي إلى حد ما متقلبة المزاج عنه ، لذلك فالمنزل سن لها ، والمرأة المحبة لزوجها وأولادها لا تترك منزلها من غير سبب ولا تختلط بالرجال اطلاقا . إن 99% من الإناث في الغرب لم يصلن إلى ما وصلن إليه من انحدار إلا بعد أن بعن أنفسهن ، فلا خوف في قلوبهن لله .
وخروج المرأة للعمل في العالم الغربي بهذا الشكل المكثف جعل الرجل يمارس دور المرأة ، فقعد في البيت يغسل الصحون ، ويسكت الأطفال ، ويشرب الخمر ، وأنا اعلم أن الإسلام لا يمانع في معاونة الرجل لزوجته في البيت ، بل يرغب في ذلك ، ولكن ليس إلى الحد الذي تنقلب فيه الأدوار .

إشراقة : كن جميلا تر الوجود جميلا .


ومضة : ونيسرك لليسرا

!
10-02-20, 02:42 PM
الجمانة الثانية : انسي هموم وانغمسي في العمل

توكلنا على الرحمن إنا وجدنا الفوز للمتوكلينا

إذا قمت بما يجب لعلاج مشكلة ما ، فانشغلي عنها بالهواية أو القراءة أو العمل ، فإن (( الشغل )) هنا يحل مكان القلق ، فما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه ، ولنفترض الآن أن المشكلة هي مرض ( الطفل ) ، فهنا يقوم الوالد ( الأب أو الأم ) بكل ما يجب من علاج بدقة ، ثم يصرف وقته لما يشغله وينفعه .
ويحسن بالإنسان وهو في غمار المشكلة الحاضرة أن يتذكر ما مر به في ماضيه من مشكلات عويصة ، وخاصة تلك المشكلات الكبيرة التي هي اخطر من مشكل الآن ، وكيف وفقه الله إلى حلها بحيث لم تعد ذكراها تثير فيه غير الابتسام والشعور بالثقة في النفس ، إن الإنسان إذا تذكر ذلك يحس أن مشكلة اليوم مثل غيرها ستمر وتحل – بإذن الله – وتصبح في خبر كان .
وليتلمس الإنسان الجوانب الإيجابية في مشكلته ، وأنها من المؤكد أن تكون اشد واكثر سلبية ، ولابن الجوزي هنا كلام نافع يقول فيه : (( من نزلت به بلية فليتصورها أكثر مما هي عليه تهن ، وليتخيل ثوابها ، وليتوهم نزول أعظم منها ير الربح في الاقتصار عليها ، وليتلمح سرعة زوالها فإنه لولا كرب الشدة ما رجيت ساعات الراحة )).

إشراقة : قال أحد الحكماء : ما ندمت على ما لم أتكلم به قط ، ولقد ندمت على ما تكلمت به كثيرا .


ومضة : ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا

!
10-02-20, 02:43 PM
الجمانة الثالثة : نقاط تساعدك على السعادة

وإذا أتتك مذمتي من ناقص فهي الشهادة لي بأني كامل

الحرص والطمع مهلكان ، وعلاجهما من دواء مركب كما يلي :
الاقتصاد في المعيشة والرفق في الإنفاق ، فمن اتسع إنفاقه لم تمكنه القناعة ، بل ركبه الحصر والطمع ، فالاقتصاد في المعيشة هو الأصل في القناعة ،وفي الخبر : (( التدبير نصف المعيشة )).
أن لا تكوني شديدة القلق لأجل المستقبل ، واستعيني على ذلك بقصر الأمل ، وبالإيمان بأن الرزق الذي قدر لك لابد أن يأتيك .
تقوى الله ، فإن الله عز وجل يقول : ) وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً)(الطلاق: من الآية2) )وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ).
معرفة ما في القناعة من عز الاستغناء ، وما في الحرص والطمع من الذي ، والاعتبار بذلك .
اكثري من تأملك في أحوال الأنبياء والصالحين وقناعتهم وتواضع معيشتهم ، ورغبتهم في الباقيات الصالحات فاجعليهم قدوة لك .
انظري لمن هو دونك في أمور الدنيا .

إشراقة : إن العاقل لا يقنط من منافع الرأي ، ولا ييأس على حال ، ولا يدع الرأي والجهد .


ومضة : إن الله يدافع عن الذين آمنوا

!
10-02-20, 02:43 PM
الجماعة الرابعة : صلي حبلك بالله إذا انقطعت الحبال

لولا المشقة ساد الناس كلهم الجود يفقر والإقدام قتال

إن العمل الصالح مع الإيمان جزاؤه حياة طيبة في الأرض ، لا يهم أن تكون هذه الحياة ناعمة رغدة ثرية بالمال ، فقد تكون به وقد لا يكون معها .
لكن في الحياة أشياء كثيرة غير المال الكثير تطيب بها الحياة ، في حدود الكفاية فيها ، ومن ذلك :
الاتصال بالله ، والثقة به ، والاطمئنان إلى رعايته ورضاه ، ومنها : الصحة والهدوء والرضا والبركة وسكن البيوت ومودات القلوب .
ومنها : الفرح بالعمل الصالح وآثاره في الضمير وآثاره في الحياة .
وليس المال إلا عنصرا واحدا يكفي منه القليل حتى يتصل القلب بما هو اعظم وأزكى وأبقى عند الله .
إشراقة : من القواعد المقررة أن عظماء الرجال يرثون عناصر عظمتهم من أمهاتهم.

ومضة : لا إله إلا الله

!
10-02-20, 02:44 PM
الجمانة الخامسة : لا أحد اسعد من المؤمنين بالله

سهل على نفسك الامورا وكن على مرها صبورها

قرأت سير عشرات الأثرياء والعظماء في العالم الذين فاتهم الإيمان بالله عز وجل ، فوجدت حياتهم تنتهي إلى شقاء ، ومستقبلهم إلى لعنة ، ومجدهم إلى خزي ، أين هم الآن ؟ ، أين ما جمعوا من الأموال وكدسوا من الثروات ، وشادوا من القصور ، وبنوا من الدور ؟ ، انتهى كل شيء!.. فبعضهم انتحر ، والبعض قتل ، والآخر سجن ، والبقية قدموا للمحاكم ، جزاء لمعاصيهم وجرائمهم وتلاعبهم وغيرهم ، صاروا اتعس الناس ، عندما توهموا أن الأموال قادرة أن تشتري لهم كل شيء ، السعادة ، والحب ، والصحة ، والشباب ، ثم اكتشفوا بعد ذلك أن السعادة الحقيقية والحب الحقيقي ، والصحة الكاملة والشباب الحقيقي لا تشترى بمال !.. نعم يمكنهم أن يشتروا من السوق السعادة الخيالية ، والحب المزيف ، والصحة الوهمية ، ولكن أموال الدنيا كلها تعجز أن تشتري قلبا ، أو تزرع حبا ، أو تصنع هناء .
لا أحد اسعد من المؤمنين بالله : لأنهم على نور من ربهم ، يحاسبون أنفسهم ، يفعلون ما أمر الله ، يجتنبون ما حرم الله ، واسمع وصفهم في القران : )مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (النحل:97)

إشراقة : ليس سعيدا من لا يريد أن يكون سعيدا .


ومضة : كل شيء بقضاء وقدر

!
10-02-20, 02:44 PM
الجمانة السادسة : حياة بلا بذخ ولا إسراف

خليلي لا والله ما من ملمة تدوم على حي وإن هي جلت

المرأة المسلمة الصالحة تعد المائدة على قدر الحاجة ، فلا يتبقى عليها من الطعام ما يوحي بإسرافها وسوء تدبيرها ، وقدوتها في ذلك أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ، فعن عائشة رضي الله عنها قالت : __ ما كان يبقى على مائدة رسول الله صلى الله عليه وسلم من خبز الشعير قليل ولا كثير )).
وفي رواية أخرى : (( ما رفعت مائدة رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليها فضلة من طعام قط )).
ومما نهى الإسلام عنه ، وعده من الإسراف في المعيشة ، استعمال آنية الذهب والفضة في الطعام والشراب ، فعن أم سلمة رضي الله عنها : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( الذي يشرب في آنية الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم )).
وفي رواية لمسلم : (( إن الذي يأكل أو يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم )).
والحق أن الإسلام كان حكيما في هذا التحريم ، فهذه الأمور من الفضوليات ، ومن سمات المترفين ، والإسلام يحب دائما في اتباعه أن يكونوا متواضعين غير مترفين ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن : (( إياك والتنعم فإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين )).
إشراقة : عندما تكفين عن النظر إلى بؤسك الداخلي ، تغتني .

ومضة : كوني عصية على النقد

!
10-02-20, 02:44 PM
الجمانة السابعة : عمل البر يشرح الصدر

وإذا تقطعت الحبال وأوصدت أبوابنا ، فالله يكشف كربنا

روت عائشة رضي الله عنها قالت :
جاءتني مسكينة تحمل ابنتين لها ، فأعطت كل واحدة منهما تمرة ،ورفعت إلى فيها تمرة لتأكلها ، فاستطعمتها ابنتاها ، فشقت التمرة التي كانت تريد أن تأكلها بينهما ، فأعجبني شأنها ، فذكرت الذي صنعت لرسول الله r فقال : (( إن الله قد أوجب لها بها الجنة ، أو اعتقها من النار )) .
وهذه أم سلمة رضي الله عنها ، سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم في إنفاقها على بنيها فقالت : هل لي أجر في بني أبي سلمة أن انفق عليهم ، ولست بتاركتهم هكذا وهكذا ، إنما هم بني ...؟
وتقرر أنها لن تتركهم قبل أن يجيبها النبي صلى الله عليه وسلم بالإيجاب ، فالفطرة إجابتها قبل إجابته .
انه الإسلام يحض على المبرات ، وفعل الخيرات ، والعطف على الأرحام وصلتهم ، وغرس الرحمة والود في المجتمع كي ينشأ الأبناء صالحين أبرارا ؟

إشراقة : كوني سعيدة .. ها هنا السعادة الحقيقية !

ومضة : المرأة زهر فواح وبلبل صداح

!
10-02-20, 02:44 PM
الجمانة الثامنة : الله ينجينا من كل كرب

وليت الذي بيني وبينك عامر وبيني وبين العالمين خراب

إذا حلقت الطائرة في الأفق البعيد ، وكانت معلقة بين السماء والأرض فأشر مؤشر الخلل ، وظهرت دلائل العطل ، فذعر القائد ، وارتبك الركاب ، وضجت الأصوات، فبكى الرجال ، وصاح النساء ، وفجع الأطفال ، وعم الرعب ، وخيم الهلع ، وعظم الفزع ، ألحوا في النداء ، وعظم الدعاء : يا الله .. يا الله .. يا الله ، فأتى لطفه ، وتنزلت رحمته ، وعظمت منته ، فهدأت القلوب ، وسكنت النفوس ، وهبطت الطائرة بسلام .
إذا اعترض الجنين في بطن أمه ، وعسرت ولادته ، وصعبت وفادته ، وأوشكت الأم على الهلاك ، وأيقنت بالممات ، لجأت إلى منفس الكربات ، وقاضي الحاجات ، ونادت : يا الله . يا الله ، فزال أنينها ، وخرج جنينها .
إذا حلت بالعالم معضلة ، وأشكلت عليه مسالة ، فتاه عنه الصواب ، وعز عليه الجواب ، مرغ انفه بالتراب ، ونادى : يا الله .. يا الله ، يا معلم إبراهيم علمني ، يا مفهم سليمان فهمني ، (( اللهم رب جبرائيل وميكائيل واسرافيل ، فاطر السماوات والأرض ، عالم الغيب والشهادة ، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون ، ادئي لما اختلف فيه من الحق بإذنك ، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم )) ، فيأتي التوفيق وتحل المغاليق ، سبحانه ما أرحمه !

إشراقة : إن الإنسان الأكثر سعادة هو ذاك الذي يصنع سعادة اكبر عدد من الأشخاص .

ومضة : الله الله ... في النساء

!
10-02-20, 02:45 PM
الجمانة التاسعة : إياك والغفلة !

لا تيأسن في النوب من فرجة تجلو الكرب

إياك والغفلة ، وهي الشرود عن الذكر ، وترك الصلاة ، والإعراض عن القرآن ، وهجر المحاضرات والدروس النافعة ، فهذه من أسباب الغفلة ، ثم يقسو القلب ، ويطبع عليه ، فلا يعرف معروفا ، ولا ينكر منكرا ، ولا يفقه في دين الله شيئا ، فيبقى صاحبه قاسيا حزينا مكدرا بائسا ، وهذه من عواقب الغفلة في الدنيا ، فكيف بالآخرة ؟ !.
وإذن فعليك بتجنب أسباب الغفلة الآنفة ، والله الله في أن يكون لسانك رطبا من ذكر الله ، تسبيحا وتهليلا وتكبيرا وتحميدا واستغفارا وصلاة على رسوله r في كل وقت وآن ، وأنت قائمة أو قاعدة أو على جنبك ، حينها تجدين السعادة تغمرك وتنهل عليك ، وهذا من أثر الذكر ؛ ) أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ)(الرعد: من الآية28)

إشراقة : لا تنتظري أن تكوني سعيدة لي تبتسمي ، ابتسمي لكي تكوني سعيدة !


ومضة : توقعي السعادة ولا تتوقعي الشقاء

!
10-02-20, 02:45 PM
الجمانة العاشرة : ابتسمي للحياة

ابني من الكوخ قصرا وانسجي حللا من بيتك الطين لا من قصرك العاجي

عندما تبتسمين وقلبك مليء بالهموم فإنك بذلك تخففين من معاناتك وتفتحين لك بابا نحو الانفراج .. لا تترددي في أن تبتسمي ، إن في داخلك طاقة مفعمة بالابتسام ، فحاذري أن تكتميها ؛ لأن ذلك يعني أن تخنقي نفسك في زجاجة العذاب والألم ، إنه ما ضرك أن تبتسمي ، وأن تتحدثي مع الآخرين بلغة الأعماق ، ما أروع شفاهنا عندما تتحدث بلغة الابتسامة !
إن ستيفان جزال يقول : (( الابتسامة واجب اجتماعي )) ، وهو فيما يقول صائب ؛ لأنك عندما تريدين أن تخالطي الناس يجب عليك أن تحسني مخالطتهم ، وأن تدركي أن الحياة الاجتماعية تتطلب منك مهارات إنسانية لابد وان تتقنيها ، ومن بين تلك المهارات كانت الابتسامة قدرا اجتماعيا مشتركا بين الجميع ، فأنت عندما تبتسمين في وجوه الآخرين تمنحينهم جمال الحياة ، وروح التفاؤل ، وتبشرينهم بأجمل ما يتمنون ، لكنك حينما تقابلين الآخرين بوجه نزعت الرحمة منه ، إنك تعذبينهم بهذا المنظر ، وتعكرين صفو حياتهم ، فلماذا ترضين لنفسك أن تكوني سببا في تعاسة حياة الآخرين ؟!
إشراقة : إن المجد لا يعط إلا أولئك الذين حلموا به دوما

!
10-02-20, 02:46 PM
الخاتمة

والآن ..

وبعد قراءتك لهذا الكتاب ، ودعي الحزن ، واهجري الهم ، وفارقي منازل الكآبة ، وارتحلي عن خيام اليأس والإحباط ، وتعالي إلى محراب الإيمان ، وكعبة الأنس بالله ، ومقام الرضا بقضائه وقدره ، لتبدئي حياة جديدة لكن سعيدة ، وأياما أخرى لكن جميلة ، حياة بلا تردد ، ولا قلق ، ولا ارتباك ، وأياما بلا ملل ، ولا سأم ، ولا ضجر ، حينها يناديك منادي الإيمان ، من على جبل الأمل ، في وادي الرضا ، ليهتف بالبشرى : أنت ( اسعد امرأة في العالم ) .

!
10-02-20, 02:47 PM
والان كتاب العبر في بعض قصار الصور

للدكتور عائض القرني

!
10-02-20, 02:47 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي جعل العلم ضياء و القران نورا، و رفع الذين أوتوا العلم درجات علية، و كان ذلك في الكتاب مسطورا ، و جعل العلماء ورثة الأنبياء ،و كفى بربك هاديا و نصيرا، نحمده تعالى حمدا كثيرا ، و نشكره عز و جل ، وهو القائل: (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً) (الإنسان:3) و أشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له، كما(شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (آل عمران:18) و أشهد أن سيدنا محمدا عبده و رسوله المرشد الحكيم، و المعلم العظيم ، بشر به المسيح و الكليم، و أستجيبت به دعوة إبراهيم: (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (البقرة:129) اللهم صل و سلم على سيدنا محمد المبعوث رحمة و منة، بخير كتاب و أفضل سنة، و القائل: ( من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة)) صلى الله و سلم عليه و على اله و صحبه القائمين بالحق و الدعاة إليه بالألسنة و الأسنة ،و على التابعين لهم بإحسان في التعلم و التعليم، أما بعد:
فهذا كتاب: (( العبر في بعض قصار السور)) ، تناولت فيه بعضا من سور الجزء الثلاثين ، جز(( عم)) ، تناولا أدبيا موافقا لما عليه المفسرون من أهل السنة و الجماعة ، مجليا فيه عن بعض معاني هذا الكتاب الخالد، الذي شرفت الأمة بحمله ، و لن تفلح يوما بدونه، سائلا الرب تعالى أن يقبله مني قبولا حسنا ، و أن يعفو عن خطئي و تقصيري ، وهو سبحانه أكرم مسؤول و أجل مأمول، و صلى الله و سلم و بارك على سيدنا محمد و على اله و أصحابه أجمعين، و الحمد لله رب العالمي.

!
10-02-20, 02:47 PM
سورة الضحى
بسم الله الرحمن الرحيم()وَالضُّحَى) (الضحى:1) هذا قسم من الله تعالي بالضحى و صفائه ، وحسنه و بهائه ، و روعته في سمائه، و جماله و استوائه. (وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى) (الضحى:2) إذا أرخى سدوله و أستاره، و أخفى نوامه و سماره، إذا أطبق جناحيه على العالم، و غطى بجلبابه كل يقظان و نائم، إذا زحف بظلامه الكثيف، و أقبل بشخصه المنيف.( )مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى) (الضحى:3) ما أبعدك بعد ما أدناك، و ما كرهك بعد ما أحبك و اصطفاك ، و ما هجرك بعد ما اختارك و اجتباك، فأنت إلينا حبيب ، و نحن منك قريب، خصصناك بالخلة، و غفرنا لك الزلة ، و نصرناك بعد الهزيمة، و أغنيناك بعد العيلة و القلة. (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى) (الضحى:5) و الله، لنكر من مثواك، و تالله، لنرفعن في الجنة مأواك، و نخصك بالوسيلة، و نتحفك بالدرجة *
فَآوَى) (الضحى:6) أما فقدت الأبوة و الأمومة ، و لم تجد الخؤولة و العمومة ، فاويناك في كنف الحنان ، و أدخلناك في ولاية الرحمن، لاحظناك بالرعاية، و حميناك بالولاية، حتى صرت للعالمين آية، اويناك إلى ركن لا يرام، و الى كنف لا يضام. (وَوَجَدَكَ ضَالاً فَهَدَى) (الضحى7) كنت في الحيرة العمياء ، لا سنة و لا كتاب ، و لا هدى و لا صواب، فهديناك صراطا مستقيما، و ألهمناك دينا قويما، و أوحينا إليك ذكرا حكيما، و جعلناك للعالمين إماما كريما. فالهدى ما جئت به، و الحق ما أنت عليه، و الصواب ما قصدت إليه، الخير فيك، و اليمن معك، و البركة لك.( وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى) (الضحى:8) كنت من المال فقيرا، و عشت للجوع أسيرا، وولدت مع اليتم كسيرا، فرزقناك و حبوناك، حتى صرت تعطى عطاء من لا يخشى الفقر، و توزع الغنائم على البدو و الحضر، فصرت أجود بالخير من الريح المرسلة، و أصبحت بالبر من الغيوث المنزولة. (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ) (الضحى:9) كما كنت يتيما فأرحم الأيتام ، فأنت نبي الرحمة من الملك العلام، لا تكسر قلب اليتيم ، و كن في مكان أبيه الرحيم، أمسح رأسه حنانا، و أمسح دمعته إحسانا ، أشبع جوعته امتنانا، أقل عثرته لطفا و عرفانا، و جئت لرفع الظلم و جبر القلوب المنكسرة، و نصرة المستضعفين في الأرض ، و إغاثة المنكوبين في العالم، و إسعاد المحرومين في الدنيا. (وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ) (الضحى:10) لا ترد سؤال الفقير، و لا تكسر خاطر الضعيف الكسير، و لا تخيب المحتاج إذا قصدك، و لا ترفع صوتك على المسكين إذا استنجدك، أحمد ربك على أنك لست مكانه، لأن ربك منحك إحسانه. ()وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) (الضحى:11) اعترف بالفضل لمن أسداه، و أنسب الجميل لمن هداه، أذع المعروف و لا تكن جحودا ن و أعلن البر لا تكن كنودا، حدث الخليقة بفعل الخالق، و أخبر البرية برزق الرازق، لا تكتم فتحرم، لا تنكر فتظلم، أنشر الثناء للمستحق جل في علاه، و أكثر الحمد لمن هو أهله لا اله إلا إياه، إذا ذكرتنا بالجميل فقد شكرتنا و إذا مدحتنا بالفضل فقد عرفتنا.

!
10-02-20, 02:48 PM
سورة الشرح
بسم الله الرحمن الرحيم
(أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ) (الشرح:1) أما شرحنا صدرك بالنور، ووسعناه بالرضا و السرور ، و عمرناه بالهدى و الحبور؟ أما أزلنا منه الحزن و الهموم، و أذهبنا منه الضيق و الغموم، و ملأناه بالسكينة و الأمن و العلوم، فامتلأ بحب الحي القيوم، و رضيت بالمقسوم؟(وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ) (الشرح:2) غسلناك من الخطايا، و محونا عنك السيئات، و غفرنا لك الذنوب، و طهرناك تطهيرا، و غفرنا لك ذنبك، ما تقدم و ما تأخر، فعمدك و خطؤك مغفور، و عيبك مستور، و سعيك مبرور، و عملك مشكور، و كدك مأجور. (الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ) (الشرح:3) أهمك حتى كاد يقصم ظهرك، و أغماك حتى أوشك أن يوهن جسمك ، فلما أزلنا عنك وزرك، أسترحت و سررت، و فرحت، فعشت قرير العين، هادي البال، مطمئن النفس، ساكن الفؤاد، منشرح الصدر، مشرق الوجه، عامر الروح. (وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ) (الشرح:4) تذكر على المنائر، و تمدح معنا على المنابر، و تسطر معنا بالمحابر في الدفاتر، صيرنا ذكرك في المشرقين و المغربين، و نشرنا الثناء عليك في الخافقين، و بثثنا حبك في الثقلين. يذكرك معنا من دخل الإسلام، و من صلى و صام و طاف بالبيت الحرام. أسمك في لسان كل واحد ، و في فم كل متشهد و في كل روضة و مسجد، يبدأ بالصلاة و السلام عليك في أول الكلام، و في بداية كل طاعة، و الختام من صلى عليك عشرا كتبنا له أجرا، و محونا عنه وزرا.( )فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً) (الشرح:5) بعد كل كرب فرج، مع الدمعة بسمة، و مع الحزن سرور، و مع الجوع شبع، و مع الظمأ ري، و مع المرض عافية، و مع الفقر غنى. الليل يعقبه نهار، فجر اليأس يخلفه روح، الشدة يتلوها رخاء، إذا اشتد الحبل انقطع، و إذا ضاق الأمر اتسع ، و إذا وقع المكروه ارتفع.
اشتدي أزمة تنفرجي قد آذن ليلك بالبلج
العسر عسر واحد و اليسر يسران، و المغيث الملك الديان، و ولي التيسير الرحمن، الذي هو كل يوم في شأن، فسبحان الحنان المنان. (إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً) (الشرح:6) لا تيأس من الروح، لا تقنط من الفتوح، فان بابه مفتوح، و عطاءه ممنوح، و خيره يغدو و يروحن لا تسيء بنا الظن عند الكرب، و ناد: يا رب ير رب، فانا منك على قرب، لا تنقطع بك الآمال، و أكثر من السؤال فقد دعوناك النوال، و تبدل الحال، و كشف الكرب الثقال، لأنك تعامل ذو الجلال. سيهدي الضال، و يعافي المبتلى، و يشفي المريض، و يشبع الجائع، و يروى الظمآن، و يفك الأسير ، و يرتاح المهموم ، لأن مع العسر يسرا. و هذه بشرى لمن عاش الضيق و الضنك، و لابس الكرب، و عصفت به المصائب، و زلزلته النكبات، و أقضت مضجعه الحوادث، و دهمته الخطوب، فليذكر الجميع أن مع العسر يسرا. (فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ) (الشرح:7) إذا أنهيت أعمالك، و قضيت أشغالك، فاداب في عبادة مولاك، و اجتهد في طاعة خالقك، و منتهى نجواك،فالعبادة طريق السعادة، و الطاعة باب الرضا و الأمن و القناعة. فيا لها من خدمة توجب الرضوان، و يا له من عمل يستنزل رضى الرحمن، و تنال به مرتبة الإحسان. ( و إلى ربك فأرغب )(8 الشرح) وحد المقصود إليه، حقق التوكل عليهن أفرده بالسؤال، أعظم الرغبة إليه في النوال، إذا سألت فلا تسأل غيره، اذا رجوت فلا ترجو سواه. انطرح على عتبات ربوبيته، ألق نفسك على أبواب ألوهيته ، مد يديك إليه، أشك حالك إليه، عفر له جبينك، أخلص له دينك.
إليك و إلا لا تشد الركائب و منك و إلا فالمؤمل خائب
و فيك و إلا فالغرام مضيع و عنك و إلا فالمحدث كاذب

!
10-02-20, 02:48 PM
سورة التين
بسم الله الرحمن الرحيم
(وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ) (التين:1) قسم بشجرتين عظيمتين عجيبتين، جمعت الغذاء و الدواء، يحفظ ثمرهما من الصيف إلى الشتاء، و هاتان الشجرتان تدلان على عظمة من خلق، و حكمة من أبدع، و قدرة من أنشأ. فتبارك الله رب العالمين، و ما أجمل اسم الشجرتين في فاصلة الآية المنونة، و على جرس المقاطع.
َ
(وَطُورِ سِينِينَ) (التين:2) جبل في سيناء شرفه الله بكلامه لموسى عليه السلام، فصار للجبل بهذا حظوة، و للمكان مكانة، و أصبح له بين الجبال منزلة، لعظمة ما جرى عليه، فأصبح المحل كريما لكرم أهله، و المنزل شريفا لشرف نازله. (وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ) (التين:3) هو مكة البلد الحرام، حيث فيه الأمن على النفس من القتل، و على الدم من السفك، و على العرض من الانتهاك، و على المال من السلب، و على الروح من الهم و الغم: ( ومن دخله كان أمنا) فهذا البلد في أمن الله ن و فين حفظه و صونه و رعايته، يرد عنه كل باغ و يصد عنه كل معتد. (لَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) (التين:4) أنشأناه في أحسن صورة، و أبدعناه في أجمل هيكل، جسم متناسب، و أعضاء متناسقة ، و تركيب حسن، و صتع جميل، مع عقل مميز، و قامة بهية، و منظر زاهي، كل جارحة في موضع لائق، و كل عضو في محل مناسب ( صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ)(النمل: من الآية88)_ (ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ) (التين:5) أبدلنا شبابه بالشيخوخة، و قوته بالضعف، و صحته بالسقم، و فتوته بالهرم، بعد شرخ الشباب، و بهاء الفتوة، و عنفوان الصبا، يعود أحنى الظهر، أبيض الشعر، متجعد الوجه، مرتعش الأعضاء، مهتز القامة، ضئيل البنية، ضعيف الذاكرة، تتعاوده الأسقام، و تتعاوره الأمراض، حتى يمل الحياة، و يسأم العيش. (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ) (التين:6) فهم الصفوة المختارة، و النخبة المجتباة، أحسن الناس عملا، و أصدقهم قولا، و أقومهم طريقا، و أخلصهم نية، و أجملهم سيرة، أمنوا ثم قرنوا القول بالعمل ، و أصلحوا الظاهر و الباطن، و عمروا بالعبادة الليل و النهار، و راقبوا الله في السر و العلن، و نصحوا لله في كل شأن. هؤلاء لهم أجر عظيم، و ثواب كريم، و فضل عميم، لا يمن هذا الأجر عليهم ، و لا يلحقهم بهذا النعيم تبعة، و لا يدر كهم منه أذى، و لا يصاحبه معه غصة، تكفل الله بثوابهم، و ضمن أجرهم، و أحسن عاقبتهم، و رفع منزلتهم، و غفر ذنوبهم. (فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ) (التين:7) ما هو الذي يحملك أيها الكافر على التكذيب بيوم القيامة، و ما أخبر به نبي الرحمة من وعد و وعيد، و ثواب و عقاب، و جنة و نار؟ أما قامت على ذلك البينات، أما دلت على صدقه الدلالات، أما صحت بوقوعه النبوءات ، و أتت بما يثبت ذلك الرسالات، فهل بعد هذا البيان من زيادة؟ و هل أبقى هذا البرهان من شك؟ (أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ) (التين:8) أحكم من قضى، و أعدل من فصل، و أصدق من قال، و أرحم من ملك، و أتقن من صنع، و احسن من خلق، يقضي فلا ظلم و لا هضم، يمضي فلا معقب و لا مستدرك، و يقدر فلا راد و لا دافع، و يدبر فلا أحسن و لا أجمل، و يبدع فلا أتقن و لا أكمل، بلى هو الحكم العدل البر الرحيم يقضي بالحق، يحكم بالعدل، يقول بالصدق، و يأمر بالبر

!
10-02-20, 02:48 PM
سورة العلق
بسم الله الرحمن الرحيم
(اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) (العلق:1) ابتدئ قراءتك باسم ربك، ليبارك الله عملك، و يثبتك على عملك، فربك هو الخالق الذي تفرد بالخلق وحده، فهو المستحق للعبادة وحده، و هذا يتضمن توحيد الربوبية و الألوهية، و فيه إشارة لفضل العلم، و شرف منزلته، و فضل طلبه، و البحث على تعلمه، و أخذه من أهله القائمين به. و أفضل البدء : بسم الله في كل طاعة ، و أمر شريف. (خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ) (العلق:2) هذا الخالق العظيم أوجد هذا الإنسان السميع البصير من قطعة حقيرة من دم غليظ، هذا هو أصل الإنسان فلا يتكبر ، هذا هو أوله فلا يتجبر، لأنه لم يكن شيئا يذكر، فسبحان الذي قدر و دبر و صور. (اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ) (العلق:3) حث و تأكيد على قراءة العلم الرشيد، مع الاستعانة و التوكل، و البدء باسم الله الذي لا يوازيه في الكرم كريم، فكل جود إنما هو من جوده، و كل بذل باذل فما هو إلا ذرة من موجوده، فسبحان من جمع المكارم في صفاته، و جل عن الشبيه و المثيل و النديد و الشريك و الكفؤ من مخلوقاته. (الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ) (العلق:4) كل من خط بالقلم حرفا فالله علمه، و كل من رسم باليراع لفظا فالله ألهمه، و كل من سطر بكفيه سطرا فالله فهمه، فهو الذي علم كل كاتب أن يكتب بالة القلم الصامت كلاما يقرأ و يفهم، و فيه فضل الخط بالقلم، و السادات خدم القلم، فهو يقضي بخطه على السيوف، و يحرك الجيوش، و يفصل الركاب، و تقع به الولاية و العزل، و العطاء و المنع، و به تدار الدول و تحكم الملوك، و تؤلف العلماء. (عَلَّمَ الْأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) (العلق:5) هذا الإنسان لم يكن يعلم شيئا فعلمه الله كل علم و فن و صناعة ، ألهمه كيف يفكر و يعمل و ينتج، بصره بمصالحه، كشف له أسرار حياته، أوضح له ما خفي عليه، بين له ما غاب عنه، فتح له أبواب المعرفة ووفقه لأسباب التعلم، و قرب له ما بعد، و سهل له ما صعب، و يسر له ما عسر. (كَلَّا إِنَّ الْأِنْسَانَ لَيَطْغَى) (العلق:6) إذا تجرد من التقوى طغى و بغى، و تمرد و عتى، فهو بلا دين مارد مهين، وهو بلا استقامة فاجر خوان، تجمح به نفسه، يغلبه هواه، يقوده طمعه، يرديه جشعه، يسوقه شيطانه، تتلفه نفسه الأمارة. ( أن رءاه استغنى) ( 7) إذا رأى نفسه استغنى بالمال بطر، و أشر، و أصر و استكبر، فتجده يختال بما أنعم الله عليه ، فيجحد النعمة ، و ينسى الفضلن و ينسب الخير لنفسه، و يمنع حق المال، و يتيه على العباد، و يعرض عن الطاعة، و يصد عن الهدى، الا من رحمه الله بتقوى،. (إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى) (العلق:8) المصير إلى العلي القدير ن النهاية الي، الله، الغاية و العافية عند من لا يعذب عذابه أحد و لا يوثق وثاقه أحدن هنالك يجازى من بغى و طغى ، و من تكبر و تجبر، هنالك يبعثر ما في القبور، و يحصل ما في الصدور، و يظهر المستور، و يبين أهل التقوى و أهل الفجور. (أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى) (العلق:9) أنظر بعجب و أستغرب إلى هذا المارد الكذاب، الذي يصد عن هدى الله، بعد ما أعرض عن دين الله. يا له من سيء حقير، و من نذل شرير، أما كفاه أن يكفر حتى وقف لعباد الله ينهى و يأمر. (عَبْداً إِذَا صَلَّى) (العلق:10) هو محمد صلى الله عليه و سلم ، و ذكر بالعبودية، لأنها أشرف المنازل ،و أجل الصفات، و أحسن المناقب، و أجمل المدائح، و واجب هذا العبد، و كل عبد أن يصلي لله الملك الحق، فمن نهاه عن هذه الصلاة، فهو عدو لله لدود، وهو حسود كنود جحود. (أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى) (العلق:11) أرأيت أن كان صلى الله عليه و سلم على هدى من ربه، و هذا هو الحق، فانه هو و من اتبعه على دين قويم، و صراط مستقيم، فلا هدى إلا ما جاء به، و لا حق إلا ما كان عليه، و لا صواب إلا في شريعته، و لا نور إلا في رسالته، و لا حياة إلا في دينهن و لا نجاة إلا بسنته،و لا سعادة إلا في موكبه. (أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى) (العلق:12) كل أوامره صلى الله عليه و سلم تقوى ن كل نصائحه هدى، كل وصاياه حكم و فوائد، لا يأمر إلا بخير، و لا ينهى إلا عن شر، و لا يقول إلا صدق، و لا يحكم إلا بحق، و لا يرد إلا باطل. (أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى) (العلق:13) أرأيت هذا الناهي أن كان كاذبا مكذبا بالحقن قد تولى عن الرشد، أمثله يأمر بخير؟ أمثله ينهى عن شر؟ هل هو أهل أن ينصح غيره؟ هل هو في مكان التوجيه و النصح و الإرشاد؟ انه متهم في دينه، زائغ في رشده، ضال في سعيه، مأفون في عقله، مظلم في نهجهن مريض في رأيه. (أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى) (العلق:14) يكفي انه يرى فيحاسب، و يطلع فيعاقب، و هذا اعظم تهديد، و أشد وعيد إذا كان يرى ذو البطش الشديد ، و العذاب الأكيد، و يرى و كفى، يرى عمل الصالح فيثيبه، و كيد الكائد فيخزيه، و ظلم الظالم فيجازيه، فحسبك به ناصرا ووليا، أنه يرى جل في علاه.( كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ) (العلق:15) قسما، لو لم يترك هذا الفاجر الكافر أفعاله السيئة، و أعماله القبيحة لنجرن بناصيته جرا، و هذا نهاية الإذلال، و غاية الإهانة، لأنه متكبر متجبر مناسب أن يصغر هكذا، و يذل علانية، فيجر كما تجر الدابة بناصيته، وهو موضوع عتوه و جبروته ، و كبره و غروره. (نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ) (العلق:16) ناصية لا تحتمل إلا الكذب و الزور،البهتان و الفجور، ناصية كلها معاص و ذنزب، و خطايا و عيوب ، ناصية هي رمز الخسة و النذالة، و محل الوقاحة و العدوان، ناصية ما سجدت لله، و لا تشرفت بالخضوع له، و حملت دينه، لا عرفت كتابه، و لا استوعبت هداه. (فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ) (العلق:17) إذا حل به العذاب، ووقع به النكال، فليدع أعوانه و أنصاره، أن كان صادقا أن له ناديا و أنصارا و محبوه، و هذا تحد لهذا الذليل، فأي قوة مع قوة الله، و أي حول أو طول مع حوله و طوله؟ و أي جنود مع جنود الله؟ أن هذا الفاجر أذل و أقل و أحقر من أن ينصر، فهو مغلوب مخذول مهزوم. (سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ) (العلق:18)أن دعا أعوانه في ناديه، دعونا ملائكة غلاظا شدادا، أ هل قوة و بطش، و قدرة و فتك، ليري من أضعف ناصرا و أقل عددا، هؤلاء الزبانية مهيؤون له و لأمثاله، منحهم الله القوة، و أعطاهم المنعة، و رزقهم القدرة، لا تطاق مقاومتهم ، و لا تستطاع مصاولتهم، لأنهم ملائكة و كفى، و جند من جنود الله و حسب. (كَلَّا لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ) (العلق:19) لا توافق هذا المخذول، لا تلتفت إليه، لا تسمع كلامه، لا تنصت لمقاله، بل أسجد و اقترب منا، و أعبدنا، سجود لنا عز لك ، خضوعك لنا شرف لك ، ذلك لنا رفعة لك، اقترب منا بالطاعة لنقترب منك بالمحبة و الرعاية، و النصرة و الولاية. أفضل طريق للقرب منا: السجود لنا و أجمل وسيلة لمحبتنا: عبادتنا. و أقترب لتكرم، ذل لتعز، اخضع لترفع

!
10-02-20, 02:49 PM
سورة القدر
بسم الله الرحمن الرحيم
(إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) (القدر:1) أنا أنزلنا القران العظيم في ليلة عظيمة، من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا، فشرفت هذه الليلة بما حصل فيها من تنزيل كريم، و حدث عظيم، فهي ليلة ذات مجد منيف، و قدر شريف، لأن الوحي الذي هو حياة القلوب، و صلاح الشعوب ، و هداية الناس، و عمار الأرض، نزل في هذه الليلة فحق لها أن تشرف على كل الليالي، و تسمو على كل الأوقات. (وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ) (القدر:2) ما أعظمها، يا محمد، من ليلة، و ما أجلها من مناسبة، لقد حدث فيها تنزيل غير وجه العالم، و بعث الناس من جديد، و بدل من مسار التاريخ، و قام بسببها سوق الجنة و النار، و ارتفع بها علم الجهاد، و حصلت بها المقامات الجليلة من العبادة، و النصر و الفتح، و الهدى و النور و الهداية. (لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ) (القدر:3) هي أفضل من ألف شهر من العبادة و العمل الصالح، ليس في الألف ليلة قدر، ليلة واحدة، لكنها ببركتها و خيرها و شرفها و قدرها أجل عند الله من ألف شهر، و أعظم في ميزان الحسنات من سعي ألف شهر، و أبرك في العبادة و القبول من ألف شهر، و الله يختار من الأوقات و المناسبات و الأمكنة و الملائكة و الناس، فيفضله على حنسه، و يشرفه علة نوعه، و يصطفيه على شكله،( وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ )(البقرة: من الآية105).
و أن تفق الأنام و أنت منهم
فان المسك بعض دم الغزال
(تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ) (القدر:4) هي ليلة يكثر فيها هبوط الملائكة، يتنزلون بالرحمات والبركات ، و النفحات و الفتوحات من رب الأرض و السموات، يحملون معهم أوامر الهية، و أقدار ربانية من الهداية و الرزق، و الفتح التوبة و القبول، ففيها تصلح أحوال ، و ترفع أعمال، و تكتب أجال، و يجاب سؤال، فيها أحداث عظام، و قضايا جسام، يهبط بها الملائكة الكرام من الملك العلام، و جبريل مع هؤلاء الملائكة، و خص بالتعريف لزيادة التشريف، فهو روح القدس، و أمين وحي السماء إلى الصادق الأمين محمد صلى الله عليه و سلم، فهو في هذا الليلة يتنزل لمهمات عظيمات، شرفه الله بحملها و القيان بها، (سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ) (القدر:5) هي ليلة سلام، و أمن و أمان، و رحمة و رضى و قبول، و فوز و سعادة و فلاح، تسلم الملائكة فيها على العباد الصالحين ، و الأولياء المفلحين، و هي سلام، لا شر فيها، و لا غضب، و لا سخط، بل هي موسم لعتق الرقاب، و قبول توبة من تاب، و رد من أخطأ إلى الصواب، و فيها قبول الأعمال، و إصلاح الأحوال، و نزول البركة، و عموم الرحمة، و إتحاف العاملين، و ثواب الصالحين، و الستر على المسيئين، و كشف الكربات، و تسهيل الصعوبات، و فيها عافية و شفاء، و يسر و صفاء، و طمأنينة و سكينة

!
10-02-20, 02:49 PM
سورة البينة
بسم الله الرحمن الرحيم
(لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ) (البينة:1) الكفار: من يهود و نصارى، و مشركين و وثنيين ، لا يزالون على حالهم في الكفر، و على إصرارهم على الشرك، فهم في جهالة جهلاء، و في عماية و شقاء، و حيرة و اعراض و التواء، حتى تأتيهم بينة من الله، كالشمس في رابعة النهار، بينة لا لبس فيها و لا اختلاف، بينة صادقة، و حجة واضحة، و دليل ساطع، و برهان قاطع. (رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفاً مُطَهَّرَةً) (البينة:2) هذه البينة هو: محمد صلى الله عليه و سلم، النبي العظيم، و الحديث العجيب، و الفرقان بين أولياء الرحمن و أولياء الشيطان، الفاصل بين الحق و الباطل، صاحب الحجة، رسول المحجة، نبي الرحمة، إمام الهدى، المعصوم من الزيغ، المحفوظ من الغي، جاء يتلو صحفا من الله ، ظاهرة من كل ما يشين، مكرمة من كل دنس، مصونة من كل لبس، مشتملة على كل خير، حاوية على كل صلاح، لا كذب فيها و لا بهت، و لا زور فيها و لا فية. (فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ) (البينة:3) فيها أحكام مكتوبة ، و قضايا مسطرة، و نصائح معبرة، و مواعظ مؤثرة ، فيها أمور ثمينة، و مسائل نفيسة، و صحة في الخبر، صدق في القول، صلاح في العلم، و عدل في الحكم، سعادة في الحال، نجاة في العاقبة، أمان من الزيغ، عصمة من الغواية، ضمان من الشقاء، قداسة و طهر، حق و رشد، خير و بر، فلاح و نجاح. (وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ) (البينة:4) ما أختلف أهل الكتاب إلا من بعد ما جاءهم محمد صلى الله عليه و سلم بغيا و حسدا، عرفوا أنه حق فأنكروه، علموا أنه صدق فكذبوه، تيقنوا أنه رسول فعصوه، قرأوا صفاته في كتبهم، و عرفوا علاماته في صحفهم، فلما جاءهم ة قد وافق الخبر الخبر، و الاسم المسمى و الصفة الموصوف، جاهروا بالتكذيب، و لجوا في الإعراض، و استمروا في الغواية، و أمعنوا في الكيد و الأذى، و المحاربة و الخصام. (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ )(البينة: من الآية5) هذه هي دعوة الرسل، و مهمة الأنبياء: أن يعبد الله وحده، لا اله إلا هو، و ما لنا من اله غيرهن و لا رب سواهن و هذه دعوة الحق، ة أصل الأصول، و رأس الأمر، و أهم القضايا، فلا يشرك مع الله في ألوهيته أحد، كما أنه واحد في ربوبيته و أسمائه و صفاته تعالى. ( مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ)(البينة: من الآية5) فلا يقبل الله عمل مشرك، و لا عبادة مرائي، لأنه أغنى الأغنياء عن الشرك، يريد أن يعبد وحده، و يسأل وحده، و يستعان بع وحده، فهو أولى من عبد، و أحق من شكرن و أعظم من ذكر، فله الدين الخالص من كل شائبة، و النقي من كل شرك، و الطاهر من كل رياء، السليم من كل نفاق. ( حُنَفَاءَ)(البينة: من الآية5)على ملة إبراهيم الخليل، عليه السلام، مستقيمين على التوحيد، مائلين عن الشرك، معرضين عن الوثنية، قائمين على العهد، حافظين للميثاق، مراعين لحدود الله ، صادقين مع ربهم، متبعين لرسولهم، منابذين لعدوهم. ( وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ)(البينة: من الآية5) لا يصلون فحسب، بل يقيمون الصلاة إقامة ترصي الله ، و توافق السنة، و تنهي عن الفحشاء و المنكر، صلاة يعمر بها القلب ، و تحفظ بها الجوارح، و ترد بها المعاصي، و تصلح بها الأخلاق. ( وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ )(البينة: من الآية5) يزكون أرواحهم بالتوحيد، و أموالهم بالصدقة المفروضة، فيطهرون الباطن بتزكيته من كل خبيث، و تنقيته من كل رجس، و يزكون الظاهر بخالص الإيمان، و مراسيم السنة، و فضائل الأخلاق، ثن يعبدون الله فيما رزقهم من أموال، فيخرجون حق الله في أموالهم، ليزكيها و ينميها و يباركها. ( وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ)(البينة: من الآية5) هذه هي الملة القويمة، و الصراط المستقيم، و المنهج السديد، و المذهب الحق، فهو دين رضيه الله لعباده، و دعت إليه رسله، و أتت به كتبه، و سار عليه أولياؤه، يثيب الله من سلكه، و يعاقب من تركه. (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا)(البينة: من الآية6)ذكر أعمالهم، ثم ذكر جزاءهم ، بين أفعالهم، ثم عقب مصيرهم، عقابهم النار خالدين مؤبدين فيها، لا يخرجون منها، و لا يغاثون فيها، و لا يخفف عنهم من عذابها، لان عملهم القبيح لا جزاء له إلا النار، فقد فعلوا أشنع فعل، و أخبث صنيع، و أسوأ سعي كفر بالله، صد عن منهجه، تكذيب برسله، محاربة لأوليائه، فماذا بقي من السوء و القبح بعد هذا؟ فما جزاءهم إلا النار مخلدين فيها جزاء وفاقا. ( أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ)(البينة: من الآية6) شر البرية هذه صفته، و أسأ الخليقة هذه علامته، وهو: الكفر بالله، فمن فعل ذلك فهو عدو الله، و أشأم عباده، و أقبح خلقه، ولو علا نسبه، و عظم حسبه، و كثر ماله، و قوي سلطانه، الميزان عند الرحمن، إيمان أو كفر، فمؤمن تقي و كافر شقي، صالح أو طالح، مصدق أو مكذب، مهتد أو ضال لا غير.(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ) (البينة:7) هؤلاء هو صفوة الناس، و خير البشر، و أفضل الخلقية، و هم من آمن فأتبع القول العمل، فصلح اعتقاده، و حسن قوله، و جمل فعله، و طاب خلقه، و زكى سعيه. فمن آمن و عمل صالحا فهو الكريم من الناس، مهما كان نسبه و مهما كان حسبه، قل ماله أو كثر، صفت دنياه أو كدرت، العبرة إيمان و عمل صالحن لا أسر، و لا قبائل، لا شارات، لا ألقاب ، لا مناصب، لا أوسمة، إيمان صادق و عمل صالح، و أنت من خير خلق الله أن فعلت، ثم لا يضرك ما فاتك بعدها أبدا. (جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً)(البينة: من الآية8) ما أحسن المثوى، ما أجمل العاقبة، ما أجل المصير: خلود لا موت فيه، غنى لا فقر بعده، صحة لا سقم معها، سرور لا حزن يكدرهن صفاء لا غم يشوبه، قرة عين، راحة قلب، سكينة نفس، نعيم جسم، جوار رب، مقعد صدق، محل تكريم، منزل نعيم، قصر مشيد، نور مطرد، زهرة باهية، ثمرة يانعة، ماء عذب، عسل مصفى، لبن سائغ، خمر لا لغو فيه و لا تأثيم، نضرة و حبور، و نظر إلى وجه الغفور الشكور، و رضوان منه أكبر، و سلام من الملائكة محبر، و أمن من كل مخوف، و سلامة من كل منغص. ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ )(البينة: من الآية8) أي عبارة توفي هذا المقام حقه؟ أي لفظ يعطي الموقف قدره؟ أي جملة تعبر عن هذا الكلام ؟ أن أحسن ما يفعله الإنسان عند هذا الرضوان: أن يسمع و ينصت، و يتدبر و يتفكر فحسب. ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ )(البينة: من الآية8) يا له من ثواب، و يا لها من هبة عظمى، رضى منه سبحانه عليهم، فلا يغضب عليهم أبدان و لا يسخط عليهم سرمدا، و هل المطلب الأسمى إلا رضاه؟ و هل المقصد الأجل إلا أن يرضى الله؟ فإذا رضي عليك فأنت القريب الحبيب، تصبح برضاه غنيا بلا مال، قويا بلا جند، مهابا بلا سلطان، منصورا بلا عشيرة، شريفا بلا نسب، كريما بلا جاه، لأنه رضي عنك فحسب، إذا رضي عليك فلا تأسف على ولد يموت، و لا على مال يفوت، و لا على زوجة تذهب، و لا دار تخرب، و لا ملك يضيع، و لا قصر يهدم، إذا رضي عليك فلا تبكي من أرتحل من الأحباب، و لا تأسف لمن فارق من الأصحاب، و لا تندم على من هجرك من البشر، أو قلاك من الأصدقاء، أو تنكر لك من الناس.
فليتك تحلو و الحياة مريرة و ليتك ترضى و الأنام غضاب
و ليت الذي بيني و بينك عامر و بيني و بين العالمين خراب
إذا صح منك الود فالكل هين و كل الذي فوق التراب تراب
( وَرَضُوا عَنْهُ)(البينة: من الآية8)و كيف لا يرضون عنه، تقدست أسماؤه، وهو الذي خلق و رزق، و هدى و اجتبى، و أعطى و أسدى، و فقهم للعمل الصالح، و ختم لهم بخير، ثم أكرمهم، و أتحفهم، و أولاهم و أعطاهم، و كفاهم و وقاهم، شرح بالنعيم صدورهم، و أرضى بالإكرام نفوسهم، رفع منازلهم، و أعلى درجاتهم، فكيف لا يرضون غاية الرضى عن الغفور الشكور، الحميد الودود؟ و ما أحسن المقابلة، رضى برضى، و قبول بقبول، و حب بحب، وود بود، و إحسان بإحسان، و هل جزاء الإحسان إلا الإحسان, ( ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ((البينة: من الآية8) هذا الفوز لمن خشي ربه، هذا الفلاح لمن خاف مولاه، هذا جزاء من راقب الله ، و حفظ حدوده، و انتهى عن نواهيه، و عظم حرماته، و أكرم شعائره، و سعى لنيل رضوانه، وعمل للفوز بثوابه، و إحسانه. و من خشي ربه عمل المأمور و ترك المحذور، و صبر على المقدور، و من خشي ربه صار قلبه شاكرا، و لسانه ذاكرا، و جسمه صابرا، و من خشي ربه صار صمته فكرة، و نظره عبرة، و فعله قربة.

!
10-02-20, 02:49 PM
سورة الزلزلة
بسم الله الرحمن الرحيم
(إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا) (الزلزلة:1) يا له من حدث هائل، يوم تترك الأرض بمن عليها، تهتز اهتزازا، تضطرب اضطرابا، تتحرك كلها تسير جبالها، و تنسف نسفا، تفجر بحارها، و تسجر تسجيرا، يا الله، ما لها ترتج هذه الرجة المذهلة؟ يا الله، ما لها تتزلزل هذه الزلزلة الشديدة؟ ماذا دهاها؟ ماذا حل بها؟ كانت ساكنة قارة هادئة، فأي حديث ألم بها، و أي خطب حل بها؟ إنها تتحرك لقيام الساعة، و انتهاء العالم، و نهاية التاريخ، و دنو الحساب، و انقضاء الأجل المحتوم، و نفاد الزمن، و إقبال الآخرة. (وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا) (الزلزلة:2) أخرجت موتاها، و أظهرت كنوزها من بطنها، إلى ظهرها، كل شئ مكشوف باد ظاهر، لأن هذا وقت ظهور الأسرار ، و كشف الأستار، و إعلان المخبوء، و إذاعة المكتوم، و إحقاق الحق، و إزهاق الباطل. القبور تبعثر ليخرج من بها من البشر منذ أن خلقت الأرض، يخرج الأنبياء و الرسل، و الصديقون و الشهداء، و الصالحون و الأولياء، و الأكاسرة و القياصرة، و الملوك و الرؤساء، و الوزراء و الأمراء، و الأثرياء و الفقراء، كلهم يتوجه إلى صعيد واحد، و إلى رب واحد، يحمل كل واحد عمله، و ملف أخباره، و سيرته، و حسناته و سيئاته، كل مشغول بنفسه، مهتم بمصيره، كلهم ينادي، نفسي نفسي. (وَقَالَ الْأِنْسَانُ مَا لَهَا) (الزلزلة:3) يندهش الإنسان من زلزلة الأرض، و ينذهل من حركتها و إطرابها، و يتساءل ما لها و ماذا جرى لها، ما لها، و هي الفراش الوثير، و المهاد القار،تلقي حمولتها، و تخرج ما في بطنها، و تعصف بمن عليها، ما ندري ما سر هذا التغير، و خبر هذا التبدل؟(يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا) (الزلزلة:4) تخبر بما عمل عليها، من خير و شر، تكشف أسرارها، تخرج مكنونها، تعلن عما حصل على ظهرها،من صغير و كبير، فهي أمينة فيما تنقل، صادقة فيما تقول، ثبته فيما تروي، و هذا وقت المحاسبة و المكاشفة و المصارحة و الإذاعة. تتحدث الأرض بما رأت و شاهدت و أحست. تتحدث عن الدماء المسفوكة، و الأعراض المنتهكة، و الأموال المسلوبة، و القيم المهدرة، تتحدث عن الظلم الصارخ، و الاستبداد الفاضح، و الجبروت الجاثم. تتحدث عن عدوان الإنسان على الإنسان، و طغيان البشر على البشر، و فتك العباد بعضهم ببعض. تتحدث عن الدموع المسفوعة، و الدماء المسفوكة، و الجلود المضروبة، و الرؤوس المقطوعة، و الأملاك المنهوبة، و الموبقات المتراكمة، و الفواحش المجتمعة. تتحدث أيضا عن صلاح الصالحين، و طاعة الأولياء، و عبادة الأبرار، و جهاد المجاهدين، تتحدث عن السجود الخاشع، و الصلاة المطمئنة، و الصدقة المتقبلة، و الموعظة النافعة، و الخلق الحسن، و السيرة الحميدة، و المثل السامية، و المناقب الفاضلة، تتحدث عن دموع الأولياء، و دماء الشهداء ، و تسبيح المتهجدين، و نصب الحجاج و المعتمرين، و جوع الصائمين، و معاناة الصابرين. (بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا) (الزلزلة:5) سبب اضطراب الأرض و حركتها و تحدثها عن أخبارها، لأن الله أمرها بذلك فهي سامعة مطيعة لأمر الولي القهار، جل في علاه، و ما كان لها أن تتزلزل لو لا أن الله أمرها بذلك، و ليس لها أن تتحدث لو لا أن الله أمرها بذلك، فهي مقهورة لله، مؤتمرة بأمره، منفذة لتعاليمه، مذعنة لسلطانه، فيا لهذا الملك ما أجله، يا لهذا السلطان ما أعزه، و يا لهذه العظمة ما أفخمها. (يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ) (الزلزلة:6) ينصرف الناس من موقف الحساب، و من العرض الأكبر متفرقين يمنة و يسرة، فريق في الجنة و فريق في السعير، أهل يمين و شمال، سعداء و أشقياء، منعمين و معذبين، ينصرفون ليلقى كل جزاءه، المعلوم، و مصيره المحتوم، و ليجد ثمرة سعيه، و حصيلة كده، و حصاد عمره، أن خيرا فخير، و أن شرا فشر، كل يقطف ثمرة زرعه، حلوه و مره جزاء وفاقا، فلا ظلم و لا هضم. من أحسن وجد إحسانه، خلودا في النعيم، و أمنا و سلاما، و حبورا و سرورا. و من أساء وجد إساءته، خلودا في الجحيم، و نكالا و ذلة و مهانة، طعاما ذا غصة، و عذابا أليما. ليس هنالك إلا الأعمال: صالحها و سيئها، لا أنساب و لا أحساب، و لا ألقاب، و لا أموال، و لا أولاد، و لا مناصب، و لا أسرو لا قبائل، (يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ) (النور:25) (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ) (الزلزلة:7) من عمل في حياته زنة نملة صغيرة، أو ذرة من الهباء التي لا ترى بالعين الحقيرة، وجده في صحيفته، و حصل جزاءه عند ربه، هذا الخير القليل لا يضيع عند الله، عز و جل ، بل هو محفوظ عند من لا تضيع ودائعه، و لا تنتهي خزائنه، فلا يحقر العبد المعروف أن يفعله، و لا يزهد في الخير أن يعمله، فسوف يلقاه عند ربه، مثقال ذرة لا يضيع عند الله ، فيا له من حساب دقيق، و من عدل عظيم، و من إنصاف كريم. الكلمة الطيبة محفوظة لقائلها، البسمة المشرقة مكتوبة لصاحبها، جرعة الماء للظمآن، لقمة الخبز للجوعان، كلمة الرفق للهفان، دلالة الحيران، مواساة المنكوب، كلها و غيرها، و أصغر منها، و أكبر في صحيفة الأعمال، و في ديوان الحسنات. و في هذا: تنبيه وحث على إحسان العمل، و التزود من الخير، و جمع الحسنات، و المسابقة إلى الخيرات، و فعل الطاعات، و اقتناص فرص العمل النبيل. (وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ) (الزلزلة:8) فصاحب الشر لا يحتقر شره ، و فاعل السوء لا يقال سوءه، فهو أمامه يجده في صحيفته، ينتظره ليذوق عليه الجزاء، و ينال عليها العقاب،.
فيا مسرفا على نفسه، هذه ذرات تحسب و يا مكثر الذنوب هذه المحقرات تحفظ، حساب دقيق لا مجازفة فيه، فليس هنالك أهواء و لا تخرصات، و لا اجتهادات، إنما هناك حق و عدلن و كتاب لا يغادر صغيرة و لا كبيرة إلا أحصاها، و ميزان لا يظلم مثقال ذرة. لا تحتقر الذنب فيكفي انه ذنبك، و احتقارك له عدم توقير للرب، و لا تتهاون بصغير المعصية و انظر من عصيت، فانه يغار و يغضب و يسخط، و يأخذ و ينتقم، جل في علاه.و هذه السورة كافية وافية شافية، و هي رسالة مستقلة لكل من يحترم عقله، و يخاف ربهن و يؤمن بالحساب و يرهب العذاب، يكفي أن تتدبر هذه السورة، و يعمل بها، فما أبلغها من سورة، و ما أجمعها من كلمات، و ما أشملها من عبارات، و بمثل هذا كان القران معجزا و بينا، و آسرا و أخاذا، و بليغا مفحما.

!
10-02-20, 02:50 PM
سورة الفيل
بسم الله الرحمن الرحيم
(أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ) (الفيل:1) أما أخبروك عنا؟ ماذا فعلنا، جاء أبرهة ليهدم بيتنا فهدمنا كيانه، زلزلنا أركانه، و أهلكنا جنوده و أعوانه، جاؤوا في صحبة الفيل، فكان هو القائد الدليل، فوقف من خوف الجليل، و أما هم فأبوا إلا الاستكبار و الحقارة، فأمطرهم الله بالحجارة، و صب عليهم العذاب و الويل و الخسارة، فعادوا بأقبح حال و أخسر تجارة. (أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ) (الفيل:2) أما ردهم خائبين، أما قمعهم خاسرين، أما شرد كتائبهمـ أما سطر للعالمين مصائبهم؟ ها هم شذر مذذر، قد مزقت الحجارة جلودهم، و أبادت الطير جنودهم، فسبحان من نقض ما أبرموه، و ابطل ما دبروه، و حل ما عقدوه. (وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ) (الفيل:3) لم ينزل عليهم ملائكة فهم اقل و أذل من ذلك، و لم يأخذهم بصيحة أو حاصب، أو ريح فليسوا في القوة هنالك، و إنما أرسل عليهم طيرا صغيرة الحجم، ضئيلة اللحم و العظم، ترشقهم بالنبال حتى جعلت أمرهم في سفال. (تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ) (الفيل:4) جاءتهم حجارة من طين، تسحق الطاغين، و تمزق المارقين، كتب على كل حجر اسم صاحبه فلا يتركه حتى يصرعه، فسبحان من الهم هذه الطير السداد في الرمي و إصابة المرمى، و ما رمت الطيور يوم رمت، و لكن الله رمى، و لبيته حمى، و للمعتدي الموت و العمى. (فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ) (الفيل:5) هلاك لهم تحقق فمزقهم كل ممزق، صارت عظة للمتعظين، و عبرة للمعتبرين، فها هم بعد الغارة أجزاء و اثر المعركة أشلاء، يلفهم الفناء و البيداء.

!
10-02-20, 02:50 PM
سورة الكوثر
بسم الله الرحمن الرحيم
(إِنَّا )(الكوثر: من الآية1) ما اجمل كلمة( أنا) هنا، ما احسن موقعها، ما اجل إيحاءها، و ما أعذب ايرادها هنا. (إِنَّا)(الكوثر: من الآية1) هكذا ضمير المتكلم تأتى أول السورة بلا مقدمات و لا تمهيد، فهي في موضعها اجمل من التاج على الراس، و من البسمة على الفم، و من الفجر على رؤوس الجبال، و لك ان تتصور اثر ضمير(إِنَّا ) الذي يعني: الله جل في علاه، يوم تأتى في زوال الكلام هكذا، و لا تدري ماذا سوف يأتي بعده. أقرا (إِنَّا)ثم اسكت قليلا لترى العظمة، فهو ضمير الجماعة، لكن عن الله الواحد القهار الجبار. (إِنَّا ) و تفكر في مدلولها، و ما وراءها، فإذا هي تحمل في طياتها هذا الاسم المحبب إلى القلوب المحبذ لدى الأرواح( الله) و(إِنَّا ) يقولها ملوك الأرض ليعظموا أنفسهم، فإذا قالوها انتظر رعاياهم و مواليهم ما بعدها، فاما تكريم يفوق الوصف، او عقوبة و نكال تتجاوز الحدود، لانهم لا يقولون(إِنَّا ) إلا إذا استجمعوا قواهم و كيانهم و هيبتهم، و هنا يقول الله عز و جل: (إِنَّا ) بصيغة الجمع تعظيما، و بلفظ الكل تفخيما، ليأتي بعدها عطاء مدرارا ، و فيض منهمر، و هية جسيمة، و نعمة عظيمة فوق ما يعطيه الملوك، و احسن ما يمنحه القادة، لان ما يعطونه هو ذرة من عطائه، و نقطة من بحر جوده و كرمه. و قال: ( إِنَّا ) لان ما يأتي بعدها يستحق الاحتفاء، و هذا يقع في كل أمر هام، ففي الخلق قال الله تعالي: (إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ )(الإنسان: من الآية2) . و في الرسالة قال: )( إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ ) ، و في الإحياء قال: (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى ) و في العلم قال: ( إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ)و نحو ذلك. و بدأ ب(إِنَّا) في أول الكلام، لأنها تشير لذاته المقدسة سبحانه، فهو الأول سبحانه فليس قبله شئ، ثم إنها أكسبت الكلام تشريفا فهو اعظم من : (أَعْطَيْنَاكَ) بدون (إِنَّا)أو ( لقد أعطيناك) فلما قال: (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ ) حصل الجمال اللفظي، و عظمة العطاء و الاحتفاء به صلى الله عليه و سلم ، (ا أَعْطَيْنَاكَ ) الخطاب لمحمد صلى الله عليه و سلم، و لكن أن تتذكر حاله وهو يستمع للعطية، و ينتظر الهبة من المعطي الكريم، جل في علاه، و هنا قال: (أَعْطَيْنَاكَ) و لم يقل:( أعطيتك) لان المقام مقام عطاء، و بذل و جود و كرم، فهو مقام عظيم، و موقف شريف مهيب، يستحق التعظيم و التبجيل، و لان العطية هائلة مباركة عامرة دائمة، تستحق الاحتفاء و الاهتمام، و لفت النظر و جلب الانتباه. ( أَعْطَيْنَاكَ) و لم يقل ( أتيناك) ، و العطاء شئ و الإيتاء شئ آخر، و قد ورد (ْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثَانِي )(الحجر: من الآية87) وورد: (وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ)(الاسراء: من الآية2) وورد: (وَإِذاً لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً) (النساء:67) و غيرها من الايات، و لكن( أعطى) اعظم اثرا، و اوقع خبرا، لان العطاء يشمل المعاني و المحسوسات، عطاء الدنيا و الآخرة، البذل العاجل و الآجل، ما يصلح الروح ة الجسد، فصارت كلمة( أَعْطَيْنَاكَ) تملا المكان حضورا، و تفعم القلب نداوة، و تروق في الفم عذوبة، ثم أن العطاء من الله ، و ليس من البشر، فلذلك قصره بالضمير، (إِنَّا) و الفعل (أَعْطَيْنَاكَ ) فهذا العطاء من الله لا من البشر، من السماء لا من الأرض، من الجود و الغنى و السعة، لا من البخل و الفقر و الضيق. عطاء يباركه معطيه، و بتعاهده مسديه، و بثمره مبديه، عطاء ليس فيه منة البشر، و أذى المخلوق، و تبعة النفس اللوامة، جشع القلب الشحيح. و قال: ( أَعْطَيْنَاكَ ) و لم يقل: ( أعطيناكم) فالعطاء لمحمد صلى الله عليه و سلم تشريفا و تعريفا، فهو أمة في رجل، و تاريخ في إنسان، وهو أهل لان يعطى هذا العطاء بلا حدود، لانه عبد شكور، اختير بعناية، و اصطفى برعاية، و بعث برسالة، و نبىء بملة. فإذا أعطى وصلت بركة هذه العطية إلى أمته علما و حكمة، صلاحا و تقوى، شريعة و منهاجا، نصرا و فتحا. و لم يذكر العطية بالجمع فلم يقل: ( أعطيناكم) بل قال: ( أَعْطَيْنَاكَ ) ليحصل التفرد و التشريف، و الاختصاص، فالتفرد تفرد الله عز و جل بهذه العطية وحده، و التشريف له صلى الله عليه و سلم لان الله كرمه و اصطفاه، و الاختصاص، لان الله خصه بهذا من بين الناس. و للرسول صلى الله عليه و سلم أن يفرح بهذا العطاء المبارك من الله، و يعتز به عن كل مفقود، و يغنيه عن كل موجود إلا الواحد المعبود. هذا العطاء يسليه إذا ذهب أعداؤه بالحطام، و توزعوا الأموال كالأكوام، هذا العطاء يبرد غليله، و يشفي عليله، فإذا أعطى الناس الملك فعنده عطاء اعظم و اجل، و إذا كنزوا الكنوز، و عبؤوا القناطير المقنطرة فعنده هذا العطاء الدائم المبارك، و لذلك نجده صلى الله عليه و سلم اشرح الناس صدرا، وهو لا يملك من الدنيا درهما و لا دينارا، لان عنده عطاء آخر من عند مولاه، وهبة أخرى من عند ربه، جل في علاه، يقسم صلى الله عليه و سلم الأموال، و الإبل و البقر و الغنم، و الثياب و الطعام، على الناس فلا يأخذ منها درهما ، و لا ناقة و لا بقرة و لا شاة ، و لا ثوبا، و لا حبة و لا تمر، ثم هو سعيد مغتبط قرير العين، ساكن الفؤاد مطمئن النفس. و هذا العطاء من الله هو: الكوثر ، وهو نهر في الجنة، له صلى الله عليه و سلم،أو هو الخير الكثير الذي أعطيه، عليه الصلاة و السلام، و من هذا الخير الطيب المبارك، نهر الكوثر، و هنا يلحظ المؤمن بيعن بصيرته تفاهة الدنيا و حقارتها، و خستها و لؤمها، فهي ليست أهلا لان تكون عطية لمحمد صلى الله عليه و سلم، فقدره اشرف، و مكانته اطهر و اعظم، و منزلته أسمى و أنبل. و لم يقل: (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ ملكاَ) ، لان ملك الدنيا عطاء يزول، و حال يحول، و ظل منتقل، و مجد منقطع، و لكن)إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ) لانه عطاء دائم مبارك متصل خالد سرمدي.ولو قال: (l أنا أعطيناك الملك) لم يتغير شئ، و لم تحصل مفاجأة، فها هم الملوك ملؤوا الأرض عربا و عجما، بيضا و سودا، و مسلمين و كافرين، و لو قال: ( أنا أعطيناك ملكا) لكان محمدا صلى الله عليه و سلم ضمن تلك القائمة الطويلة من ملوك اليمنو الجزيرة و العراق و فارس و الروم و الحبشة، فما هو الغريب إذا؟ و العجيب حقا، و الملفت للنظر صدقا، انه هذا العطاء من الله الذي اختص به محمدا صلى الله عليه و سلم و لم يشركه مع أحد من الناس في هذا العطاء، فهو التفرد من المعطي سبحانه الذي لا يشابهه في عطائه أحد، كما انه لا يشابهه في أفعاله و أسمائه و صفاته و ذاته أحد(لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)(الشورى: من الآية11) وهو التفرد للمعطى، وهو محمد صلى الله عليه و سلم الذي هو افضل من ملوك الأرض، بل لا يقارن به الملوك أبدا، فهو اجل و اعظم و اشرف.
دع سيف ذي يزن صفحا و مادحه
وتبعا و بني شداد في ارم
و لا تعرج على كسرى و دولته
و كل أصيد أو ذي هالة و كمي
وهو التفرد في العطية، لأنها ليست ملكا، و لا داران و لا قصرا، و لا ذهبا، و لا فضة، بل نعيم دائم، و مقام صدق عند مليك مقتدر، مع فتح و نصرهن و علم و عمل، و هدى و نور، و سرور و حبور. فإذا أعطيناك الكوثر، فلا تأسف على ما فاتك من هذه الدار،فقد أكرمناك عنها، و أنقذناك منها، و لا تحزن على ما لم تنله من متاع زائل، و عطاء قليل منغص. و قال: ( أَعْطَيْنَاكَ ) و لم يقل: ( نعطيك) أو ( سوف نعطيك) لتحقق العطية فكأنها وقعت لصدق المخبر جل في علاه، و لأنها واقعة لا محالة. و في سورة الضحى قال: (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى) لانه لم يخبر بالعطية فكان الأحسن عند وعده بها: أن لا تسمى لتبقى مبهمة لجلالتها و عظمتها، و لما سمى هنا العطية بالكوثر ذكرها بالماضي كأنها حصلت، وهو صفة النهر و لم يذكر الموصوف تفخما للعطية، كقولك: جاني العالم و الكريم، أي: الذي لا اعلم منه، و لا اكرم ، وهو ابلغ في اللغة من قولك: جاءني الرجل العالم و الرجل الكريم. و قد صح عنه، عليه الصلاة و السلام، انه قال: ( الكوثر نهر أعطيناه الله في الجنة، ترابه مسك، ابيض من اللبن، و أحلى من العسل، ترده طير أعناقها مثل أعناق الجزر أكلها أطعم منها) و صح عنه، عليه السلام، قوله: ( الكوثر نهر في الجنة، حافتاه من ذهب، و مجراه على الدر و الياقوت، تربته أطيب من المسك و ماؤه أحلى من العسل، اشد بياضا من الثلج))و عرف الله الكوثر بأل، و لم يقل كوثرا، لان المعرفة ابلغ و اجل، فكان المعنى: أعطيناك الكوثر العظيم المتميز عن كل نهر. (فَصَلِّ لِرَبِّكَ ) ما دام أن العطاء من ربك وحده، لا من غيره، فاعبده وحده لا سواه، فلا اله إلا هو، صل لربك الذي أعطاك، فبالصلاة و العبادة و الذكر و الشكر يستمر العطاء و ينمو، و يزيد و يدوم(ْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ )، ( وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ)و اعظم الشكر الصلاة (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى) . و إنما ذكر الصلاة هنا وحدها، و سماها و خصها، لأنها عمود الإسلام، و اجل الطاعات بعد الشهادة، و هي الفارق بين المسلم و الكافر، وهو العهد بين عباد الله و أعداء الله، و هي أول ما يحاسب عليها العبد، أخر وصاياه صلى الله عليه و سلم من الدنيا. و قال هنا: (فَصَلِّ لِرَبِّكَ)فذكر الربوبية، لان الماقم مقام عطاء، و نعمة و هبة، و الرب هو الذي يربي عباده بنعمه الجزيلة، و أياديه الجميلة، فحسن ذكر الرب هنا، و في ذكر الصلاة: إشارة إلى عبودية الله وحده التي هي متضمنة توحيد الألوهية، فاجتمع في قوله: (فَصَلِّ) توحيد الألوهية، و في قوله: ( لِرَبِّكَ ) توحيد الربوبية. و في الآية: إشارة إلى أن اعظم ما يفتح به على العبد من الفتوحات الدينية و الدنيوية إنما يكون بالصلاة، فزكريا بشر بيحى وهو قائم يصلي في المحراب، و كان صلى الله عليه و سلم إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة، و إذا جاءه أمر يسره خر ساجدا لربه. فبالصلاة يحافظ على النعمة أن تفر، و يقيد الخبر بها أن تهرب، فهي حرز للنعم، و حصن مانع من النقم، يستجلب بها المزيد، و يستمطر بها الرزق، و يستدر بها العطاء. ( وَانْحَرْ) و قوله: (وَانْحَرْ) أمر يجعل الذبح و النحر لله، فلا يشرك فيه معه أحد، فان المشركين يذبحون لغير الله من الأوثان و الأصنام و الجن، فامر أهل الإيمان بصرف هذه العبادة لله وحجه، فالتقوى فيها قصد الله بها، و عدم إشراك سواه سبحانه(لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ ) ، فالصلاة و النحر عبادة و نسك يجب صرفها لله وحده(قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) . و الصلاة و النحر صلة و قربى بين العبد و ربه، و عبادة بدنية و مالية يقصد بها الله وحده، و الصلاة نفع لازم للعبد، و النحر نفع متعدي فوجب الإخلاص في كل عبادة ليكون العبد مخلصا لله (أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ) ، و بعضهم قال: الصلاة هنا صلاة عيد الأضحى، و النحر هو نحر الهدي، و الأضحية بعد الصلاة، و الظاهر العموم، و هنا يظهر تميز أهل الإيمان عن أهل الأوثان، فان المشركين سجدوا للصنم و ذبحوا للوثن، فجاء الأمر هنا بالسجود للواحد المعبود، و النحر للملك الحق، و اعظم شرك فعله الوثنيون هو تمريغ الأنف للحجارة، و اسالة الدم للأنداد و الأضداد، و ارفع عمل للموحدين بعد التوحيد هو وضع الجبين على الطين لرب العالمين، و إسالة الدماء تقربا لرب الأرض و السماء. (إِنَّ شَانِئَكَ) و قوله: (إِنَّ شَانِئَكَ ) هجوم أدبي كاسح و تهديد رباني ماحق ساحق لاعداء محمد صلى الله عليه و سلموا خصومه و مبغضيه، و هذا ذب عن شخصه الكريم، و دفاع عن مقامه العظيم، فإذا كان المدافع و المحامي و الناصر هو الله فيا لقرة عينه صلى الله عليه و سلم بهذا النصر و الدفاع و الولاية، و سانؤه صلى الله عليه و سلم لا يكون إلا كافرا و ماردا حقيرا خسيسا، لانه ما ابغضها لا بعدما أصابه الله بخذلان، و كتب عليه الخسران، و أراد له الهوان، و إلا فان إنسانا مثل الرسول صلى الله عليه و سلم يوجب النقل و العقل حبه، إذ لو كان الطهر جسدا لكان جسده صلى الله عليه و سلم، و لو كان النبل و السمو صورة لكان لصورته، بابي هو أمي، فهو منتهى الفضيلة، و غاية الخصال الجميلة، و المستحق للوسيلة، و صاحب الدرجة العالية الرفيعة الجليلة، فكان الواجب على من عنده ذرة رأي، و بصيص من نور، إذا كان يحترم عقله أن يحب هذا الإمام العظيم لما جمع الله فيه من فضائل، و لما حازه من مناقب، و لكن واحسرتاه على تلك العقول العفنة، و النفوس المندثرة بجلباب الخزي، القابعة على سراديب البغي، الراتعة في مراتع الرذيلة، كيف عادته مع كماله البشري، و مقامه السامي، فكأنه المقصود بقول الشاعر:
أعادى على ما يوجب للحب للفتى
و اهدا و الأفكار في تجول
و قال الآخر:
إذا محاسني اللائي أدل بها
كنت ذنوبي فقل لي كيف اعتذر
(َ هُوَ الْأَبْتَرُ) و قوله: (َ هُوَ الْأَبْتَرُ) أي: مقطوع البركة و النفع و الأثر، فكل من عاداك لا خير فيه، و لا منفعة من ورائه، أما أنت فأنت المبارك أينما كنت، اليمن معك، السعادة موكبك، الرضا راحتك، البركة تحفك، السكينة تخشاك، الرحمة تتنزل عليك، الهدى حيثما كنت، النور أينما يممت، و أعداؤه صلى الله عليه و سلم قالوا عنه: انه ابتر، لا نسل له، و لا ولد، فجاء الجواب مرغما لتلك الأنوف، دافعا لتلك الرؤوس، محبطا لتلك النفوس. فكأنه يقول لهم: كيف يكون ابتر و قد اصلح الله على يديه الأمم، و هدى بنوره الشعوب، و اخرج برسالته الناس من الظلمات إلى النور؟ كيف يكون ابتر و العلم اشرق على أنواره، و الكون استيقظ على دعوته، و الدنيا استبشرت بقدومه؟!كيف يكون ابتر و المساجد تردد الوحي الذي جاء به، و الحديث الذي تكلم به، و المآذن تعلن مبادئه، و المنابر تذيع معاليمه، و الجامعات تدرس وثيقته الربانية! كيف يكون ابتر و الخلفاء الراشدون نهلوا من علمه، و الشهداء اقتبسوا من شجاعته، و العلماء شربوا من معين نبوته، و الأولياء استضاءوا بنور ولايته، كيف يكون ابتر و قد طبق ميراثه المعمورة، و هزت دعوته الأرض، و دخلت كلمته كل بيت؟ ! فذكره مرفوع، و فضله غير مدفوع، و وزره موضوع. كيف يكون ابتر و كلما قرا قاري كتاب الله فلمحمد صلى الله عليه و سلم مثل اجره، لانه هو الذي دله على الخير، و كلما صلى مصلي فله مثل اجر صلاته، لانه هو الذي علمنا الصلاة،: (( صلوا كما رأيتموني اصلي)) و كلما حج حاج فله صلى الله عليه و سلم مثل حجه، لانه الذي عرفنا تلك المناسك(( لتأخذوا مني مناسككم)) بل الابتر الذي عاداه و حاربه، و هجر سنته، و اعرض عن هداه. فهذا الذي قطع الله من الأرض بركته، و عطل نفعه، و اطفا نوره، و طبع على قلبه، و شتت شمله، و هتك ستره، فكلامه لغو من القول، و زور من الحديث، و علمه رجس مردود عليه، و أثره فاسد، و سعيه في تباب. و انظر لكل من ناصب هذا الرسول الأكرم صلى الله عليه و سلم العداء، أو اعرض عن شرعه أو شئ مما بعث به ، كيف يصيبه من الخذلان و المقت و السخط و الهوان بقدر إعراضه و محاربته و عداءه. فالملحد مقلوب الإرادة، مطموس البصيرة، مخذول تائه منبوذ، و المبتدع زائغ ضال منحرف، و الفاسق مظلم القلب في حجب المعصية، و في أقبية الانحراف. و لم أن ترى سموه صلى الله عليه و سلم و علو قدره، و من تبعه يوم ترى أهل السنة و حملة حديثه و آثاره، و هم في مجد خالد من الأثر الطيب، و الذكر الحسن، و الثناء العطر من حسن المصير، و جميل المنقلب، و طيب الإقامة في مقعد صدق عند مليك مقتدر. ثم انظر للفلاسفة المعرضين عن السنة مع ما هم فيه من الشبه و القلق و الحيرة و الاضطراب و الندم و الأسف على تصرم العمر في الضياع، و ذهاب الزمن في اللغو، و شتات القلب في أودية الأوهام، فهذا الإمام المعصوم صلى الله عليه و سلم معه النجاة، و سنته سفينة نوح من ركب فيها نجا، و من تخلف عنها هلك، وهو الذي يدور معه الحق حيثما دار، و كلامه حجة على كل متكلم من البشر من بعده، و ليس لاحد من الناس حجة على كلامه، و كلنا راد و مردود عليه إلا هو صلى الله عليه و سلم ، لانه لا ينق عن الهوى، أن هو إلا وحي يوحى، زكى الله سمعه و بصره و قبله، و نفى عنه الضلال و حصنه من الغي، و سلمه من الهوى، و حماه من الزيغ، و صانه من الانحراف، و عصمه من الفتنة، فكل قلب لم يبصر نوره فهو قلب مغضوب عليه، و كل ارض لم تشرق عليها شمسه فهي ارض مشؤومة، فهو المعصوم من الخطا المبرا من العيب، السليم من الحيف، النقي من الدنس، المنزه عن موارد التهم، على قوله توزن الأقوال، و على فعله تقاس الأفعال، و على حاله تعرض الأحوال. و قد قصد الكفار بقولهم: انه ابتر، عليه الصلاة و السلام،انه لا ولد له فإذا مات انقطع عقبه،و الابتر عند العرب هو من لا نسل له، و لا عقب فرد الله عليهم و اخبر أن من ابغضه و عاداه هو الابتر حقيقة. و في هذه السورة ثلاثة آيات، فلأولى عن الله عز و جل و عطائه لرسوله صلى الله عليه و سلم. و الثانية للرسول صلى الله عليه و سلم و الواجب عليه في مقابلة هذا العطاء و هي الصلاة و النحر. ز الثالثة لاعدائه صلى الله عليه و سلم وهو البتر و القطع من الخير و البركة و النفع، فلأولى عطية له، و الثانية واجب عليه، و الثلاثة دفاع عنه. و في السورة: تكريم الله لرسوله صلى الله عليه و سلم و إثبات الكوثر له كما صحت به الأحاديث أيضا، و الدفاع عنه و جواز سب الكافر و شتمه و زجره ليرتدع. فصلى الله عليه و سلم تسليما كثيرا ما نطق لسان، و خفق جنان، و تنفس صباح، و عسعس ليل، و رمش جفن، و دمعت عين، و تجدد لقاء، و حل صفاء، و قام ضياء، و برق سناء، و هب هواء، و على اله و صحبه الكرام و البررة.

!
10-02-20, 02:50 PM
سورة النصر
بسم الله الرحمن الرحيم
(إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ) نصر الله هو: اعزاز اولياءه، و اذلال اعدائه، و احقاق الحق، و ازهاق الباطل. ( وَالْفَتْحُ) هو ما فتح الله لرسوله صلى الله عليه و سلم من القلوب، و البلاد، و المواهب، ففتح القلوب بالرسالة المنشورة، و البلاد بالجيوش المنصورة، و المواهب هي: العطايا المباركة المبرورة. (وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً) لما هدى الله القلوب اقبل الناس لدينه جماعات كثيرة، و طوائف وفيرة، بعد نكوص و إعراض، لانهم عرفوا صدق الرسول صلى الله عليه و سلم و عظمة الرسل،و صحة الرسالة، و سمو المقصد، و سلامة الطريق، و حسن العاقبة. (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ ) فهو الذي وفق لهذه العقبى الجميلة، و الذي سهل هذه الفتوحات الجليلة، فحق أن يذكر اسمه، و أن ينزه عن كل نقص، و يبرا من كل عيب، لانه مقدس عن الصغائر و النقائص، كامل في الذات و الصفات، حقه أن يحمد على ما وهب، و أسدى و سدد. ( وَاسْتَغْفِرْهُ) إذا كان الكمال لله وحده، و الحمد و المنة لله وحده، فاعلم انك عبد عرضة للتقصير، فاستغفر عن تقصيرك، و اعتذر إلى ربك، و أبرا من قوتك. ( إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً) يغفر الذنوب، و يستر القبيح، و يمحو الزلة، و يتجاوز عن السيئة، و يقبل التوبة، فهو كثير الغفران، دائم الصفح و الإحسان، معروف بسعة الرحمة على الانسان.

!
10-02-20, 02:51 PM
سورة المسد
بسم الله الرحمن الرحيم
(تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ(1) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ(2) سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ (:3) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ(4) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ(5)) هذا هجوم ساحق ماحق على ابي لهب. و أبو لهب هو: عم محمد صلى الله عليه و سلم من النسب، لكن المسالة مسالة مبدا و إيمان و معتقد، أبو لهب هذا قطع أواصر القرابة بالفكر، و رابطة النسب بالإلحاد، و صلة المودة بالإعراض. أبو لهب: اسم في قائمة المنبوذين الخاسرين، لم ينفعه نسبه، لم يدافع عنه حسبه، لم تنقذه قرابته، لم يمنعه ماله، لم يذب عنه جاهه. (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ) خسرت يداه الاثنتان، هلكت كفاه، و خابت يمينه و شماله،يداه حيث البخل و الإمساك، و الشح و الايذاء، هكذا بلا مقدمات، و لا ديباجة، و لا تعريف، و لا تدرج في الخطاب، بل دفع مباشر، و فتك سريع، و انتقام خاطف. (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ) إعلان حرب ضروس على رجل تافه، زائغ الرشد، ضال البصيرة، شارد الإدراك. و هذه السورة نصيب لأبي لهب و امرأته، لا يشاركها أحد، تنزل على هذا البيت صاعقة ماحقة، لتزلزل أركانه، و تنسف كيانه، و هي دفاع عن صاحب الرسالة صلى الله عليه و سلم، و قد اوذي من عمه الجلف الجبار الجاهل، الذي لم يحفظ القرابة، و لم يرع النسب، و لم يصن ابسط حقوق المرؤة، انه القاطع الآثم المحارب، الذي وقف في وجه النور لئلا يصل إلى العيون، و وقف أما الفجر لبئلا يزحف على الظلام. انه رجل جهم المحيا، خاوي الضمير، عابس الوجه، صاخب الصوت، فاحش اللفظ، مقذع السباب،. فليس له إلا قذيفة تحمل اسمه، و تحطم مشاعره، و ترغم انفهن و تذله و تصغره، ليعرف قدره الضئيل الحقير، و هذه السورة قصيرة الفواصل، سريعة الاقاع، بائية، حيث القلقلة و الزلازلو الاخذ، فيه تلتهبو تضطرب و تتحرك غضب و فتك. (تَبَّتْ) فهي تتمواج من أول كلمة، و هي تعلن اسمه في أول سطر، و تذيع كنيته في أول ملة، ليعرف انه المقصود، و لتيسر هذه السورة من شوارد القوارع الخطابية، التي تبقى ابد الدهر لكل من هذا صنيعه، و لكل من هذا منهجه عبرة لمعتبر، و عظة لمتعظ، و خزي لكل مفتر آثم. (مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ) مال أبى لهب: زاده إلى النار. مال أبى لهب: سم يتجرعه، علقم يحتسيه، زقوم يلتقمه. مال أبى لهب لا بركة فيه، و لا نفع، لانه أداة للتخريب، و وسيلة للإيذاء، و الصد عن سبيل الله، مال ينصر به الحق،و لا يطعم به المساكين، و لا يقرى به الضيف، و لا يؤيد به الفضيلة. مال جمع لمحاربة الله و لرسوله صلى الله عليه و سلم، مال رصد للمعصية، فلا بارك الله فيه، و لا ثمره، و لا زكاه. عسى ماله زاد إلى النار حاضر
و مركب خزي للدمار سريع
فما كان إلا البخل و الشح و الخنا
يدبره نذل الطباع رقيع
و ماذا ينفع أبا لهب ماله، فلم يتصدق بصدقة، و لم يصطنع به معروفا، و لم يبن به مكرمة، و لم يشيد به فضيلة. و على هذا فقس كل مال حورب به الإسلام، و كل كسب عورض به الحق، فمصيره: الخسار و التباب و الخزي و العار. ( فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ) . أن المال الحرام لن يدفع عن صاحبه بل هو وقود له في جهنم. (سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ) اسمع جزاءه و جائزته، تأمل مرده و مصيره، انظر نهايته و خاتمته. إنها نار ذات لهب، لانه أبو لهب:
كتبت في رأسه بالسيف ملحمة
من اسمه فغدا يدعى بلا نسب
عرفته بالدم القاني فلو قطرت
دماؤه كتبت هذا أبو لهب
و الله، ليحترقن هذا الفاجر بلظى جهنم تضطرم عليه، تتلظى في جسده، تحرق كيانه، يذوق لظاها، يتقلب فيها، يتمرغ على لهبها و شظاياها. (وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ) و جاء دور شريكة الحياة، و المشاركة في محاربة الله و رسوله صلى الله عليه و سلم، جاء ذكرها هنا، لانها تميزت بالاذاء، و لم يذكر اسمها و نسبها فيه، مشهورة بحمالة الحطب فقط، انها تعرف فحسب بواضعة الشوك في طريق الرسول صلى الله عليه و سلم. و بؤسا لحمالة الحطب هذا المصير المأساوي. أن حمالة الحطب حاربت و أساءت و خانت. أن حمالة الحطب بذلت جهدها في الإساءة، و استفرغت قواها في الإيذاء. و كل امرأة تحارب الملة، و تستهزي بالدين، و تبغض الشريعة فهي حمالة الحطب. و كل امرأة تصد عن سبيل الله بفعلها، أو كلامها، أو قلمها أو علمها أو أدبها فهي حمالة الحطب.
حي التي هي أغلى منتهى طلبي يا مضرب المثل الأسمى لدى العرب
هي العفاف و في افيائه نبغت حمالة الورد لا حمالة الحطب
و هنا لم يذكر كنيتها، و ذكر كنية زوجها أبو لهب، لان أبا لهب له مناسبة بنار ذات لهب، و هي ام جميل، و ليس لها من الجمال نصيب، فلم تذكر بام جميل، بل بحمالة الحطب.قال بعض المفسرين: معنى حمالة الحطب، أي: إنها تنقل النميمة، فكل امرأة نمامة مفسدة خائنة، فهي حمالة الحطب. و كل امرأة تتبرج و تتبهرج، و تخطف أضواء الفتنة و الإغراء، فهي حمالة الحطب. و كل امرأة تهيم في المسرح، و توزع الرذيلة، و تسلب الألباب، و تدوس القيم فهي حمالة الحطب.و كل امرأة تلغي الستر، و تحارب العفاف، و تهون الفاحشة، و تزرع الرجس فهي حمالة الحطب. و كل امرأة تقيم حفلات الغواية، لتفتن الخليقة، و تضل الجيل، و تفتك المشاعر، و تقتل الفضيلة فهي حمالة الحطب. حمالة الحطب قد تكون ممثلة سائبة فاتنة مغرية، خلعت جلباب التقى، و نزعت حجاب الصيانة، و خرجت عن تعاليم الإسلام. حمالة الحطب قد تكون مغنية مائسة، سافرة تفعل بصورتها في القلوب فعل السحر، و تميل بحركتها و رقصاتها عقول مشاهديها. حمالة الحطب قد تكون شاعرة كفارة بالمبدأ ، خاوية الضمير، عابثة الأخلاق و الأعراف، و قد تكون ممثلة مهرجة سخيفة، عقت بيتها، و عافت دينها، و تبران من شرفها، و هجرت قيمها. أن حمالة الحطب من النساء فعلت بالأمة ما لم تفعله الجيوش الغازية، و القنابل الحارقة، و الصواريخ العابرة. أن حمالة الحطب عرضت في المسرح هكذا كاسية عارية، فاتنة متبرجة متبهرجة، مائلة مميلة، فسلبت قلوب اللاهين، و اذهبت عقول الغافلين، فاضاعوا الصلاة، و اتبعوا الشهوات، فسوف يلقون غيا، قدمت المراة لحما على وضم، فطاف بها ذئاب الشر، ينظرون و يتلذذون و يعشقون و يذوبون و يهيمون. خدريهم يا كوكب الشرق، اسقيهم بكاس الفتون و الإغراء، عذبي كل مهجة بهيام سال من مقلتيك في الأحشاء. (فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ) هذه هي حليتها في النار، هذا ذهبها و فضتها. و المرأة تهتم بالجمال، و تتظاهر بالحسن، و ترصع جيدها بالزاهي من الحلي، و المبهج من الزينة، فكان جزاء هذه المراة المحاربة الكافرة: ان يشد عنقها بحبل من مسد، يلتهب عليها نارا. يا له من طوق رهيب يشتعل نارا، و يقدح شرارا، و يذوب حرارة و انصهارا. هذا النكال ينتظر هذه المرأة الكافرة و مثيلاتها من كل مفلسة من القيم، صادة عن الخير محاربة للملة. أن على كل امرأة تحرص على روعة الحلي، و جمال المظهر، و جسن العرض: أن تتحلى بزينة الإيمان، و حلي العفاف، و لباس التقوى، ليحليها الله باجمل حلة، و ابهى زينة، و ابهج مظهر، و احسن نضرة في جنات النعيم.
حور حرائر ما هممن بريبة كظباء مكة صيدهن حرام
حلى التقى زان الصدور بعفة و يصدهن عن الخنا الإسلام
عد الآن إلى مشهد حمالة الحطب في النار، و انظر لتلك الصورة البائسة القاتمة المزعجة، امرأة تعذب في النار، في عنقها حبل من النار، لا يفارقها تجرجره في النار، و تكتوي بلظاه، و تصطلي بسعاره جزاءا و فاقا لما فعلته بصاحب الرسالة من تربص و اذى و نكاية و ملاحقة. و هذا مصير ينتظر كل من فعلت فعلتها، و سارت مسيرتها في الغي و الضلال و الانحراف و العدوان. و سبب نزول السورة: أن الرسول صلى الله عليه و سلم جمع الناس فلما اجتمعوا قال: (( أيها الناس قولوا لا اله إلا الله تفلحوا)) فقال أبو لهب: تبا لك ألهذا دعوتنا؟ فنزلت السورة. و الله ، لا يتب محمد صلى الله عليه و سلم أبدا، و لا يخسر مطلقا، بل هو المظفر سرمدا، المحفوظ دائما، المحفوف بالعناية، المحوط بالرعاية. لن يخسرن فهو رمز الصدق، علم البر، و تاج الصلاح، وهو الواصل إذا قطعت الرحم، و حافظ العهد إذا نقضت الذمم، و حامل الكل إذا كلت العزائم،و المعين على نوائب الحق اذا ادلهمت الخطوب، و مكسب المعدوم اذا شحت النفوس، و انكمشت الايدي عن البر، فوالله، لا يخزيه الله أبدا. و يا لها من عزة للرسول صلى الله عليه و سلم أن يتولى الله الدفاع عنه، و الذب عن شخصه الكريم. و السورة لم تذكر السبب و التفصيل، و كلام أبى لهب، و ما حدث، و ما صار، بل نزلت كالرعد على راس هذا الرعديد، تذله و تحقره و تصغره، و اول هذه الضربة القاتلة(تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ) و هكذا مثل البرق الخاطف، او السيل الزاحف، او الصاعقة المدمرة في لمح البصر، وومض العين، و رجفة القلب في بلاغة و إيجاز، و مخافة و قوة، لتشفي كل قلب جرحه هذا الآثم، و ترضي كل نفس آذاها هذا الفتان أبو لهب ما لهذا الكافر المعاند و أمثاله إلا الخطاب الناري، و اللهجة المرعبة، و الرد الحاسم، ليكشف زيفهم، و يظهر عوراتهم و يعرف مكرهم، و هذا الفرق بين الحوار الوديع الهادي، و بين الرد الحاسم الجازم، فالذي يحارب الحق على عمد، و يؤذي الصالحين بقصد، و يناصب الملة العداء بترصد و سابق إصرار، ليس له أن يدغدغ بكلام لين، يتالف بحديث معسول، و يشاجى بقول جميل، بل يمرغ تمريغا، و يمزق تمزيقا، ليبطل كيده، و ينسف فكره، و يعلم حاله. إنما الحزم أن ترى النذل حزما بثبات أمضى من السيف حزما
أن من يأفك في المنهج، و يستهزي بالدين و يستهتر الحق، ليس لك أن تفاوضه بلطيف الجمل، و ندى الحديث، ليس لهذا المارد الا فتح النار على راسه، لتكسر شوكته، و يمرغ انفه، و الا فما فائدة البيان الشافي الكافي، و ما قيامة الفصاحة الناصعة الساطعة، و ما قدر الكلمة الأسرة النافذة إذا لم ينصر بها حق، و يرغم بها كفر، و يزهق بها باطل، نعم هنالك حوار هادي، و موعظة حسنة، و جدال بالتي هي احسن، لكن في موطنة و مكانه و مقامه:
فوضع الندى في موضع السيف في العلا
مضر كوضع السيف في موضع الندى
أما إذا وصل الحال إلى استكبار و اصرار، و تبجح و تمرد، فليس هنالك الا قوارع كبرق تهامة، و صواعق كسكرات الموت، ليبقى الحق مهاب الجانب، مقدس العتبات، و صون الحرمات محترم الكيان، نعم. لن يزرع الحق في الأرض إلا بدرة من الله حاصدة للباطل. و لن يشاد قصر فضيلة إلا بمعمل من الله يهدم أوكار الرذيلة. و لن يحفظ ميثاق الوحي و دستور الشرع إلا بكلمات خطابية تذهل كل مرضعة عما ارضعت، لتحطم بها انوف المردة، و تكسر بها جماجم الطغاة. أن من يرد شبهة الباطل بكلام متهافت ميتـ يزيد من قوة هذا الباطل و جماحه و هياجه، و لهذا كان البيان سحرا، و اللسان البليغ سلاحا فتاكا، و الكلمة النافذة قذيفة ماحقة، و لمثل هذا يمدح البيان، و تحبذ البلاغة، و يعشق الادب، و تبت يدا ابي لهب.

!
10-02-20, 02:51 PM
سورة الفلق
بسم الله الرحمن الرحيم
(قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ) الوذ و التجي و احتمي برب الصبح الذي شق عموده، و رفع بالضياء جنوده، فهو خالق هذا الصباح المنير الذي يضيء الارض بسناه، و يعمر الكون بضياه، و الصباح اية من ايات الله، حيث الحياة تدب، و الضياء يشع، و النور يسري، و الاطيار تشدو، و الدواب تزحف، و الخلقية تسرح، و الأنعام تمرح، و الأفنان تندى، و النسيم يهب. (مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ) استجير به من شر الأشرار، و مكر الفجار، و كيد الكفار، و احتمي به المشرور و المكايد، و ألوذ به عند الحوادث و الكوارث، و أساله الحماية من شر كل شرير، و بغي كل باغ، و عدوان كل معتد، و مكيدة كل كائد من انسان و جان و حيوان. (وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ) وهو الليل إذا اقبل يحمل في طياته الدواهي، و تتأبط تحت جناحه الطوارق و الحوادث، فنلوذ من هوله إلى الله، و نستعيذ من شره بالله، فلن يطرق طارق إلا بإذنه، و لن يقع حادث إلا بعلمه. (وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ) و أعوذ بك من شر السواحر إذا نفثوا في خيوطهم، و مكروا مكرهم، و كادوا كيدهم، فهم يعطفون بسحرهم و يصرفون، يفرقون بين المرء و زوجه، و القريب و قريبه، و يفسدون القلوب، و يهدمون البيوت، فهم جند من جنود ابليس استخفهم فاطاعوه، و دعاهم فاتبعوه. (وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ) إذا اظهر حسده، و عمل بمقتضاه، و صار عدوا للنعمة، و نسي الله حينها يسعى في النيل من المحسود، لانه ازدرى نعمة المعبود، فهو في شغل شاغل من صاحبه النعمة حتى تزول، يصول و يجول، لينفذ طعمه، و يسدد سهمه، و ينفث سمه، و يحقق أمنيته، فالله الكافي منه، و الدافع له، الحسيب عليه.

!
10-02-20, 02:51 PM
سورة الناس
بسم الله الرحمن الرحيم
(قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) التجي و الوذ و احتمي بالرب القوي، و الملك الغني، فهو ولينا فنعم الولي، من الذي ساله فما اعطاه؟ و من الذي دعاه فما لباه؟ و من الذي طلبه فما حباه؟ نصرة كل مظلوم، و عون كل مضيوم، و عزة كل مهضوم. (مَلِكِ النَّاسِ) ملك الملوك بيده المقاليد، عنده مفاتيح الغيب، لديه تصريف الأمور، له كل شئ، إليه ترجع الأمور، منه يبدا الأمر و ينتهي، ملكه عام دائم قاهر، دنيا و أخرى، جنا و إنسا، مسلمين و كافرين. (إِلَهِ النَّاسِ) المستحق لعبادة العبيد، المنزه عن مشاركة الصنديد و النديد، المحبوب بالأيادي إلى العباد، المعروف بالإحسان لدى الحاضر و الباد، إليه تسكن القلوب، قابل توبة من يتوب، غافر الذنوب، علام الغيوب، محبوب بالصفات و الاسماء، و النعم و الالاء، و الجود و العطاء. (مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ) نعوذ بالله من شر الشيطان إذا وسوس، و الخبيث إذا هوجس، و المارد إذا لبس، لانه لا يأمر إلا بالشر، و لا يدعو إلا إلى ضر، فهو يحارب الخير و الإحسان و البر، يجثم على القلب فيغطيه، و يشير على الإنسان فيرده، و يراوغ العبد ليضله و يشقيه. (الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ) يثبطهم عن الطاعات، يقودهم إلى المحرمات، و يدعوهم إلى الموبقات، بضاعته الشرور، و سكناه الصدور، و زاده الغرور، و مركبه الفجور، و خطبته الكذب و الزور. (مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ) فللجن و الإنس شياطين، و في الفريقين طائفة من المارقين، فشياطين الجن مردة مختفون، و شياطين الإنس مجاهرون ظاهرون، و شيطان الجن يدفع بالدعاء و الازكار، و الاستعاذة بالملك القهار، و شيطان الانس يدفع بالتوكل على الجليل، و الصبر الجميل، و الدفع بالحسنى، و الاخذ بالفعل الاسنى.
و الله اعلم ، و صلى الله و سلم و بارك على سيدنا محمد و على اله و أصحابه أجمعين، و الحمد لله رب العالمين.

!
10-02-20, 02:52 PM
والان كتاب ثلاثون درسا للصائمين

للدكتور عائض القرني

!
10-02-20, 02:53 PM
المقدمة:/
الحمد لله الملك القدوس السلام ، ذي الطول والعزة والإكرام ، هدانا للإسلام ، وشرفنا بالصلاة والصيام.
والصلاة والسلام على إمام المرسلين وخيرة المصلين وعلى آله وصحبه والتابعين وبعد.
فهذا كتاب "دروس للصائمين" جمعت فيه من الآيات أوقعها ، ومن الأحاديث أصحها ، ومن الأبيات أعذبها ، ومن المواعظ أرقها ، فهو كتاب للصالحين في مجالس السمر وللمتنقلين في منازل الأسفار ، وللأحباب في النزهات ، وللوعاظ في المحاضرات ، ولعل الأستاذ أن يستفيد منه ، والخطيب أن يعرج عليه وإمام المسجد أن يقرأ فيه .
جعلت من مقاصد هذا الكتاب أمورا ثلاثة :
أولها : توثيق مواعظه ورقائقه بآيات الكتاب العزيز والسنة الصحيحة الثابتة فلا اورد حديثا ضعيفا أبدا ولا قصة واهية ولا أثرا مستغربا.
ثانيها : قصدت به غرس الإيمان في النفوس وبناء اليقين في القلوب ، وما قصدت جمع المسائل الفقهية إذ كفاني في هذه المهمة الفضلاء فأثروا بما كتبوا المكتبة الإسلامية فجانب الأحكام كثيرة مادته ، ولكن الإيمانيات العبر الموحيات والنداءات الجليات هي التي تنقصنا ، فعسى أن يكون هذا الجهد ملبيا للطلب .
ثالثها : حرصت في هذه الدروس أن أكسوها بجلباب الأدب القشيب وأن أتوجها بتاج الفصاحة الأغر ، سيرا على منهج القران الكريم والسنة والرسول صلى الله عليه وسلم أذكر الذاكرين وأعبد العابدين ، جعل شهر رمضان موسما للعبادة ، وزمنا للذكر والتلاوة . ليله صلى الله عليه وسلم قيام يناجي مولاه ، ويضرع إلى ربه يسأله العون والسداد والفتح الرشاد، يقرأ بالسور الطوال ، ويطيل الركوع والسجود ، شأن النهم الذي لا يشبع من العبادة ، جعل من قيامه الليل زادا وعتادا ، وقوة وطاقة . قال تعالى ()يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ) (المزمل:1) )قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً) (المزمل:2) وقال تعالى ()وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً) (الاسراء:79) .
ونهاره عليه الصلاة والسلام دعوة وجهاد ونصح وتربية ووعظ وفتيا.
· وكان من هديه صلى الله عليه وسلم أن لا يدخل في صوم رمضان إلا برؤية محققة أو بشهادة شاهد واحد (1).
· وكان عليه الصلاة والسلام يحث على السحور ، فقد صح عنه أنه قال : "تسحروا فان في السحور بركة "(2) لان وقت السحور مبارك ، إذ هو في الثلث الأخير من الليل وقت النزول الإلهي، ووقت الاستغفار . قال تعالى ()وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) (الذريات:18) وقال تعالى () وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ)(آل عمران: من الآية17) ثم إن السحور عون على الصيام والعبادة ، ثم هو صرف للنعمة في عبادة المنعم سبحانه وتعالى .
· وكان عليه الصلاة والسلام فيما صح عنه أمرا وفعلا يعجل الإفطار بعد غروب الشمس(3) ، فيفطر على رطب أو تمر أو ماء (4) لان خالي المعدة أوفق شئ له الحلاوة ، فكان في الرطب والتمر ما يوافق الصائم الجائع .
· وقد صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال : " إن للصائم عند فطره دعوة ما ترد"(1) . فكان. فكان عليه الصلاة والسلام بخيري الدنيا والآخرة.
· وكان يفطر صلى الله عليه وسلم قبل أن يصلي المغرب (2)

وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال " إذا اقبل الليل من ها هنا ، وأدبر من ها هنا فقد أفطر الصائم"(3).
· وسافر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فصام وأفطر ، وخيروا الصحابة في الأمرين (4)
· وكان يأمرهم بالفطر إذا دنوا من عدوهم ليتقووا على قتاله (5)

وخرج صلى الله عليه وسلم لبعض غزواته وسراياه في رمضان بل كانت بدر الكبرى في رمضان ، فنصره الله نصرا ما سمع العالم بمثله ، وأفطر صلى الله عليه وسلم في غزوتين من غزواته ، في رمضان (6) كما أخبر بذلك عمر رضي الله عنه عند الترمذي وأحمد ، ولم يحدد صلى الله عليه وسلم تقدير المسافة التي يفطر فيها الصائم بحد ولا صح عنده في ذلك شئ .
· وكان من هديه صلى الله عليه وسلم أن يدركه الفجر وهو جنب من أهله ، فيغتسل بعد الفجر ويصوم (7) وكان يقبل بعد أزواجه وهو صائم في رمضان (8) ، وشبه قبلة الصائم بالمضمضة بالماء.(9).
· وكان من هديه صلى الله عليه وسلم إسقاط القضاء عمن أكل وشرب ناسيا ، وأن الله سبحانه هو الذي أطعمه وسقاه(1)
· والذي صح عنه عليه الصلاة والسلام : أن الذي يفطر الصائم : الأكل والشرب والحجامة (2) والقئ(3) . والقرآن الكريم دل على أ، الجماع مفطر كالأكل والشرب .
· واعتكف عليه الصلاة والسلام في العشر الأواخر في رمضان (4) فجمع قلبه مع الله تعالى ، وفرغ باله من هموم الدنيا ، وسرح عين قلبه في ملكوت السموات والأرض ، وقلل من التقائه بالناس ، فأكثر من التبتل والابتهال ودعاء ذي الجلال والإكرام . وعكف قلبه على مدارسة الأسماء والصفات ، وعلى مطالعة الآيات البينات ، والتفكر في مخلوقات رب الأرض والسموات ، فلا اله إلا الله كم من معرفة وحصلت له ، وكم من نور ظهر له ، وكم من حقيقة ظفر بها ؟ فهو اعلم الناس بالله ، وأخوف الناس من الله ، وأتقى الناس لله ، وأبلغ الناس توكلا على الله ، وأبذل الناس لنفسه في ذات الله فعليه الصلاة والسلام م تضوع مسك وفاح ، وما ترنم حمام وناح ، وما شدا بلبل وصاح .

!
10-02-20, 02:53 PM
لماذا شرع الصيام

الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه وبعد .
فلله في شرعه أسرار ، وله في أحكامه حكم، وله في خلقه مقاصد ، فمن هذه الأسرار والحكم والمقاصد ما تدركها العقول ، ومنها ما تقف عندها كالة ، وقد أخبر سبحانه عن بعض حكم الصيام فقال تعالى ()يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة:183) إذن فالصوم طريق لتقوى الله عز وجل ، والصائم اقرب الناس إلى مولاه جلت قدرته ، جاع بطن الصائم فصفا قلبه ، وظمأت كبد الصائم فدمعت عيناه ، وصح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال : " يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فانه لو وجاء"(1)
· الصوم يضيق مجاري الطعام والدم ، وهي مجاري الشيطان ، فتقل وسوسته .
· الصوم يضعف الشهوة وخطرات السوء وواردات المعصية فتشرق الروح .
· الصوم يذكر الصائم بإخوانه الصائمين من الجائعين المحتاجين والفقراء والمساكين ، فيرحمهم ويعطف عليهم ويمد يده بالعون إليهم .
يا صائما ترك الطعام تعففا أضحى رفيق الجوع واللواء
أبشر بعيدك في القيامة رحمة محفوفة بالبر والأنداء
· الصوم مدرسة لتربية النفس ، وتزكية القلب ، وغض البصر ، وحفظ الجوارح.
· الصوم سر بين العبد وبين المعبود سبحانه ، ففي الصحيح أن الله عز وجل " كل عمل ابن آدم فانه لي وأنا أجزي به" (1) . لان الصوم لا يطلع عليه إلا الله تعالى بخلاف الصلاة والزكاة والحج .

عرف السلف الصالح الصيام قربة لله عز وجل ، ومضمارا للسباق وموسما للخيرات، فبكوا فرحا لاستقباله ، وبكوا حزنا عند فراقه .
عرف السلف الصيام فاحبوا رمضان واجتهدوا في رمضان ، وبذلوا نفوسهم في رمضان ، فجعلوا من لياليه قياما وركوعا وسجودا ودموعا وخشوعا ، وجعلوا من نهاره ذكرا وتلاوة وتعليما ودعوة ونصحا .
عرف السلف الصيام قرة عين وراحة نفس ، وانشراح صدر ، فربوا أرواحهم بمقاصده ، وزكوا قلوبهم بتعاليمه ، وهذبوا نفوسهم بحكمه .
· كان السلف كما صح عنهم يجلسون بمصاحفهم في المساجد ، يتلون ويبكون ، ويحفظون ألسنتهم وأعينهم عن الحرام .
· الصيام يا صائمون وحدة للمسلمين ، يصومون في زمن ويفطرون في زمن ، جاعوا معا ، وأكلوا معا ، ألفة وإخاء ، وحب ووفاء .
· الصيام يا صائمون كفارة للخطايا ومذهب للسيئات ، صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال : الجمعة إلى الجمعة ، والعمرة إلى العمرة ، ورمضان إلى رمضان ، كفارات لما بينهما ما لم تؤت كبيرة "(2)
· والصيام يا صائمون صحة للنفس ، لانه يستفرغ المواد الفاسدة، ويريح المعدة ويصفي الدم ويطلق عمل القلب ، فتشرق به الروح ، وتصفو به النفس ، وتهذب به الأخلاق .
· إذا صام الصائم ذات نفسه ، وانكسر قلبه وخفت مطامعه ، وذهبت شهواته ، لذلك تكون دعوته مستجابة لقربه من الله عز وجل .
· في الصيام سر عظيم ، وهو امتثال عبودية لله عز وجل ، والاذعان لأمره والتسليم لشرعه ، وترك شهوة الطعام والشراب والجماع لمرضاته.
· والصيام انتصار للمسلم على هواه ، وتفوق للمؤمن على نفسه ، فهو نصف الصبر ، ومن لم يستطع الصيام بلا عذر فلن يقهر نفسه ولن يغلب هواه.
· والصيام تجربة هائلة للنفس ، لتكون على استعداد تام لتحمل المشاق والقيام بالمهام الجسام من جهاد وبذل وتضحية وإقدام . وذلك لما أراد طالوت أن يقاتل أعداءه ابتلى الله قوم طالوت بنهر . وقال لهم طالوت :( ) فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ )(البقرة: من الآية249) فنجح أهل الصبر وفاز منهم من غلب هواه ، وتخلف عن الجهاد عبدة الشهوات المقهورون تحت سلطان طبائعهم.

ولعل بعض حكم الصوم تتلخص في أنه تقوى لله عز وجل ، وامتثال لأمره وقهر للهوى ، انتصار على النفس ، وتهيئة للمسلم في مواقف التضحية وضبط للجوارح ، وكبح للشهوات ، وصحة للجسم ، ومكفر للسيئات ، وألفة وإخاء ، وشعور بجوع الجائعين ، وحاجة المحتاجين ، والله أعلم .

!
10-02-20, 02:53 PM
القرآن الكريم وشهر رمضان


الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه وبعد .
فالقران الكريم يحب رمضان ، ورمضان يحب القران الكريم ، فهما صديقان حبيبان . قال تعالى ()شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ)(البقرة: من الآية185).
نزل القران الكريم كله إلى سماء الدنيا من اللوح المحفوظ في رمضان ، وتشر هذا الشهر بنزول هذا الكتاب فيه ، ولذلك كان صلى الله عليه وسلم يتدارس القران الكريم مع جبريل عليه السلام في رمضان ، يسمعه ويتدبره ويتلوه ويتأمل عبره ، ويعيش أنداءه ، ويسرح طرف القلب في خمائله ، ويطلق كف الحب في كنوزه .
إن الصائم للقارئ يؤلف في صيامه بين رمضان وبين القرآن الكريم ، فيعيش هذا الشهر مع هذا الكتاب العظيم الذي قال الله فيه ()كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) (صّ:29) ()أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) (محمد:24) ()أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً) (النساء:82)
القران الكريم في رمضان له طعم ومذاق ، وله إيحاءات خاصة ودلالات من نوع آخر .
القرآن الكريم في رمضان مخضل الانداء معطر النسمات شذي الأنفاس .
القران الكريم في رمضان يعيد ذكرى نزوله ، وايام تدارسه ، وأوقات اهتمام السلف به .
صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال ( اقرؤوا القرآن فانه يأتي يوم القيامة شفيعا لاصحابه"(1) وقال صلى الله عليه وسلم " خيركم من تعلم القرآن وعلمه" (2) وقال عليه الصلاة والسلام " اقرءوا الزهراوين ، سورة البقرة وآل عمران ، فانهما تأتيان كغمامتين أو غيابتين ، أو كفران من طير صواف تظلان صاحبهما يوم القيامة "(3) وقال عليه الصلاة والسلام" الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به مع السفرة الكرام البررة ، والذي قرأ القرآن وهو يتعتع فيه له أجران
"(4)
سمعتك يا قران والليل غافل سريت تهز القلب سبحان من أسرى
فتحنا بك الدنيا فاشرق صبحها وطفنا ربوع الكون نملؤها أجرا

أسلافنا إذا قدم رمضان فتحوا المصاحف وحلوا وارتحلوا مع القران الكريم .
ثبت عن الإمام مالك أنه كان في رمضان لا يتشاغل الا بالقرآن الكريم، وكان يعتزل التدريس والفتيا والجلوس للناس ، ويقول شهر القرآن الكريم.
بيوت سلفنا كان لها في رمضان خاصة دوي كدوي النحل ، تشع نورا وتملأ سعادة ، كانوا يرتلون القرآن ترتيلا ، يقفون عند عجائبه ويبكون عن عظاته ، ويفرحون ببشارته ويأتمرون بأمره وينتهون بنهيه .
صح ان ابن مسعود رضي الله عنه قرأ على رسولنا صلى الله عليه وسلم أول سورة النساء (5) فلما بلغ قوله تعالى ()فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً) (النساء:41)
)فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً) (النساء:41) قال له عليه الصلاة والسلام " حسبك الآن " قال . فنظرت فإذا عيناه تذرفان ، إنه المحب سمع كلام حبيبه
فبكى :
إذا اشتبكت دموع في خدود تبين من بكى ممن تباكى
فاما من بكى فيذوب وجدا لان به من التقوى حراكا
صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه استمع لأبي موسى رضي الله عنه ثم قال له " لو رأيتني وأنا استمع إلى قراءتك البارحة ، لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود" فقال أبو موسى : لو علمت يا رسول الله أنك تستمع لي لحبرته لك تحبيرا (1)
والمعنى لجملت صوتي أكثر وأكثر ، فجعلت القران الكريم به أكثر تأثيرا وروعة وجمالا.
كان عمر رضي الله عنه إذا اجتمع الصحابة قال : يا أبا موسى ذكرنا ربنا فيندفع أبو موسى يقرأ بصوته الجميل وهم يبكون :
وإني ليبكيني سماع كلامه فكيف بعيني لو رأت شخصه بدا
وتلا ذكره فحن حنينه وشوق قلوب العارفين تجددا

لما فسدت أمزجة المتأخرين عن سماع كلام رب العالمين ، ظهرت التربية معوجة ، والفطرة معكوسة ، والافهام سقيمة.
لما استبدل القران الكريم بغيره حل الفساد ، وكثر البلاء ، واضطربت المفاهيم ، وفشلت العزائم .
القران الكريم مهمته هداية الناس إلى طريق الله المستقيم .
القران الكريم نور وشفاء لما في الصدور وعلم وثقافة ومعرفة وبرهان.
القران الكريم حياة وروح وإنقاذ وسعادة وأجر ومثوبة.
القران الكريم تعاليم ربانية ، ودستور الهي ، وحكمة خالدة .
فهل لنا ان نعيش مع القران الكريم في رمضان وغير رمضان ، وهل لنا ان نعرف عظمة القران الكريم فنملأ حياتنا سعادة بالقران الكريم ، ونورا بالقران الكريم ، وإشراقا مع القران الكريم ، هل لنا أ، نفعل ذلك ؟

!
10-02-20, 02:54 PM
حداء الصائمين

الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه وبعد .
للصائمين نغمات خاصة ، وأهازيج موقرة وحداء خالد .
للصائمون أكثر الناس ذكرا لله عز وجل تسبيحا وتهليلا وتكبيرا واستغفارا ، إذا طال النهار على الصائمين قصروه بالأذكار ، وإذا آلمهم الجوع أذهبت حرارته الأذكار ، فهم من ذكرهم في متعة ، ومن تسبيحهم في سعادة . يذكرون الله فيذكرهم : ()فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ)(البقرة: من الآية152)ويشكرونه فيزيدهم ()لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ)(ابراهيم: من الآية7)
الصائمون الصادقون يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم .
الصائمون الصادقون تطمئن قلوبهم بذكر الله ، وتسعد أرواحهم بحب الله ، وترتاح نفوسهم بالشوق إلى الله
صح عنه عليه الصلاة والسلام أ،ه قال :"مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكره كمثل الحي والميت "(1) فلا إله إلا الله كم من ميت ما عرف الذكر وهو يعيش في الحياة ويأكل ويشرب ويسرح ويمرح ؟ ولكنه ما عرف الحياة أبدا .
وصح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال : "سبق المفردون . قالوا : وما المفردون يا رسول الله ؟ قال : الذاكرون الله كثيرا والذاكرات"(2)
الصائم الذاكر أسبق الناس إلى الخيرات ، سريع إلى الجنة ، بعيد عن النار ، سجلاته مليئة بالحسنات ، مفعمة بالخيرات ، فهنيئا له .
صح عنه عليه الصلاة والسلام أ،ه قال لرجل سأله عن عمل يتشبث به . قال له : " لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله " (1)
والتعبير هذا جميل كل الجمال ، غاية في الروعة ، نهاية الإبداع ، كيف يجوع الصائم وهو يذكر الله دائما ، كيف يظمأ الصائم وهو يسبح بحمد الله أبدا .
أذكرونا مثل ذكرانا لكم رب ذكرى قربت من نزحا
وأذكروا صبا إذا مر بكم سكب الدمع ونادى الفرحا
الذاكرون الله كثيرا هم الذين يذكرونه مع خروج الأنفاس وتلاقي الشفتين . وتعاقب اللحظات .
الذاكرون الله كثيرا سجلوا بذكرهم أعظم الأجور وأعلى الأمنيات وأجزل الأعطيات.
إذا أعرض بعض المقصرين عن ذكر رب العالمين ، اجتاحتهم الهموم ، وأحدقت بهم الغموم ، وتوالت عليهم الأحزان ، عندهم الدواء ولكن تناولوه ، ولديهم العلاج ولكن ما عرفوه : )أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ)(الرعد: من الآية28)
صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال : " من قال سبحان الله وبحمده غرست له نخلة في الجنة " (2) فكم من النخيل يفوت أهل النوم الثقيل والعبث الطويل .
أتشفق للمصر على الخطايا وترحمه ونفسك ما رحمتا
تقطعني على التفريط دوما وبالتفريط دهرك قد قطعتا

صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال " لئن أقول سبحان الله والحمد لله ولا اله الا الله والله أكبر أحب إلى مما طلعت عليه الشمس"(3)
ما هي الدنيا ؟ ما هو ذهبها ؟ وما هي فضتها ؟ أي شئ قصورها ودورها ؟ هكذا يزنها عليه الصلاة والسلام ، ويثمنها فكل ما طلعت عليه الشمس لا يساوي " سبحان الله ولا اله إلا الله والله أكبر "
فهل من ذاكر يملأ ساعاته بهذه الكلمات الغاليات ليجدها يوم العرض الأكبر نورا وحبورا وسرورا.
صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال " ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وخير لكم من إنفاق الذهب والورق وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم ؟ قالوا بلى يا رسول الله : قال ذكر الله تعالى "(1)
كان الأبرار إذا صلوا الفجر يذكرون الله عز وجل حتى يرتفع النهار ، كان بعضهم ينشر مصحفه بعد صلاة الفجر فيسرح طرفه في الآيات البينات والحكم البالغات فيملأ صدره نورا وديوانه أجرا .
إن المقصر كل التقصير من فاته رمضان ، ولم يسعد فيه بذكر ربه ، ولم يصرف ساعاته في تسبيح مولاه .
فهل من مثابر يغتنم أنفاس العمر ودقائق الزمن ؟
دقات قلب المرء قائلة له إن الحياة دقائق وثواني
فارفع لنفسك قبل موت ذكرها فالذكر للإنسان عمر ثاني

!
10-02-20, 02:54 PM
رمضان مدرسة للجود والعطاء

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه أجمعين وبعد .
قال سبحانه وتعالى (وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ)(البقرة: من الآية110)قال سبحانه ()مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (البقرة:261)
في الصحيح أن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أجود الناس ، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل ، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة (1).
إن الصيام يدعو إلى إطعام الجائع واعطاء المسكين وإتحاف الفقير.
وشهر رمضان موسم للمتصدقين وفرصة سانحة للباذلين والمعطين :
الله أعطاك فابذل من عطيته فالمال عارية والعمر رحال
المال كالماء إن تحبس سواقيه يأسن وإن يجر منه يعذب منه سلسال
ما أجمل البذل وما أحسن الصدقة وما أجمل العطاء
صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال " إن لله ملكين يناديان في كل صباح أحدهما : اللهم أعط منفقا خلفا ، ويقول الآخر اللهم أعط ممسكا تلفا"(2)
كلما أنفق العبد أخلف الله عليه ببسطة في الجسم وراحة في البال وسعة في الرزق .
صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال : " الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار "(1) والخطايا لها حرارة في القلوب واشتعال في النفوس ، ونار موقدة في الحياة ، ولا يطفئ هذه الحرارة والاشتعال الا الصدقة.
الصدقة باردة على القلب طيبة على الروح ، تحت الخطايا حتا.
صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال " كل امرئ في ظل صدقته يوم القيامة ، حتى يقضى بين الناس (2)" عجيب جد عجيب للصدقة ، ظل وارف ولها أوفياء يتظلل في ظلها العباد يوم القيامة ، وكل بحسب ظله الذي أنتجته صدقته في الدنيا .
كان عثمان بن عفان رضي الله عنه صاحب مال وعنده ثراء في مرضاة ربه تبارك وتعالى ، جهز جيش تبوك وشرى بئر رومة للمسلمين ، وتصدق وأعطى ولسوف يرضى .
وكان عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه غنيا موسرا ، فتصدق مرة واحدة بحمل سبعمائة جمل على فقراء المدينة ليكافئه الله على ما فعل .
· في الناس صائم لا يجد كسرة خبز ولا مذقة لبن ولا حفنة تمر .
· في الناس صائم لا يجد بيتا يؤويه ، ولا مركبا يحمله ولا لا صاحبا يواسيه.
· في الناس صائم لا يجد ما يفطر به أو يتسحر عليه .

وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال " من فطر صائما كان له مثل أجره دون أن ينقص من أجر الصائم شيئا "(3)
الصالحون يزيد كرمهم في رمضان ، فيبذلون ويعطون وينفقون.
كان كثير من الأخيار يتكفل بإفطار جماعات من الفقراء والمساكين طلبا للأجر العظيم والثواب الجزيل من الله تعالى .
كانت مساجد السلف تمتلئ بالطعام المقدم للفقراء فلا تجد جائعا ولا محتاجا.، والعجيب أ، كل ما ينفقه العبد في أكله وشربه ولباسه، فان زائل لا محالة إلا ما ينفقه في مرضات الله عز وجل .
يقول عز من قائل :" )إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ) (التغابن:17) .
أيها الصائم إنك ببذلك وعطائك تقرض ربك ليوم فقرك وحاجتك وضرورتك يوم الفقر والمسكنة ، يوم التغابن.
أيها الصائم شربة ماء ومذقة لبن وحفنة تمر وقليل من الطعام والمال واللباس والفاكهة تسديها إلى محتاج هي طريقك إلى الجنة .
أيها الصائم تالله لا يحفظ المال مثل الصدقة ، ولا يزكي المال مثل الزكاة .
مات كثير من الأثرياء من الأموال والكنوز والدور والقصور ما الله به عليم ، فأصبح كل ذلك حسرة عليهم ، وندامة وأسفا ، لأنهم ما جعلوه في مصارفه .
وغدا يظهر لك الربح من الخسران والله المستعان.

!
10-02-20, 02:54 PM
رمضان شهر القيام


الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه وبعد .
()يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ) (المزمل:1) )قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً) (المزمل:2) )نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً) (المزمل:3) )أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً) (المزمل:4) هكذا قال سبحانه وتعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم ولقد امتثل الحبيب عليه الصلاة والسلام أمر ربه وأطال في القيام ، وبكى وأطال في البكاء ، وخشع وأطال في الخشوع ، ويقول عز وجل لرسوله ومصطفاه ( )وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً) (الاسراء:79)
مثل قيامك في ليالي الدنيا يكون قيامك المحمود يوم القيامة . رمضان شهر الصيام والقيام ، وأحلى الليالي وأغلى الساعات يوم يقوم الصوام في جنح الظلام.
قلت لليل هل بجوفك سر عامر بالحديث والأسرار
قال لم الق في حياتي حديثا كحديث الأحباب في الأسحار
ليل الصائمين قصير لأنه لذيذ ، وليل العابثين طويل لانه سقيم.
فقصارهن من الهموم طويلة وطوالهن مع السرور قصار
وصف الله الصالحين من عباده فقال ()كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ) (الذريات:17)
فليلهم من أحسن الليل ، ووصفهم في السحر فقال : ()وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) (الذريات:18)
()وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ)(آل عمران: من الآية17)فأسحارهم من أجمل الأسحار :
يا ليلة الجزع هلا عدت ثانية سقى زمانك هطال من الديم
أمسيت في نشوة التوفيق يقلقني طلوع فجر بدا من عالي العلم

كان المهاجرون والأنصار إذا أظلم عليهم الليل سمع لهم نشيج بالبكاء ، وإذا أسفر الصباح فإذا هم الأسود إقداما وشجاعة :
في الليل رهبان وعند لقائهم لعدوهم من أشجع الشجعان
كانت بيوت المهاجرين والأنصار في ظلام الليل مدارس تلاوة وجامعات تربية ، ومعاهد إيمان ، فما لبيوت كثير من الناس اليوم أصبحت ثكنات للغناء والمجون وملاجئ للسفه واللهو ، اللهم عفوك يا كريم.
فلما فقدنا قيام الليل قست قلوبنا ، وجفت دموعنا وضعف إيماننا.
صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال : " من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه "(1). مما يعين على قيام الليل تذكر ذاك القيام المهول : يوم يقوم الناس لرب العالمين ، يوم يبعثر ما في القبور ويحصل ما في الصدور.
ومما يعين على قيام الليل تذكر ظلمة القبر ووحشة القبر وهم القبر ، فقيام الليل نور الظلمة القبور ، ومما يعين على قيام الليل تذكر الأجر والمثوبة والعفو عن الخطيئة والذنب .
تفنن السلف في قيام الليل ، فمنهم من أمضى الليل راكعا ، ومنهم من قطعه ساجدا ، ومنهم من أذهبه قائما ، منهم التالي الباكي ، ومنهم الذاكر المتأمل ، ومنهم الشاكر المعتبر . لماذا أقفرت بيوتنا من قيام الليل ، لماذا خوت من التلاوة. لماذا شكت منازلنا من قلة المتهجدين:
أيا دار سلمى كنت أول منزل نزلنا به والركب ضبحت بلابله
نزلنا فلم نشهد به رفقة مضت فسال من الدمع المكتم عاجله
إذا أظلم الليل نامت قلوب الغافلين ، وماتت أرواح اللاعبين ، حينها تحي القلوب المؤمنة ، وتسهر العين الخائفة.
نامت الأعين إلا مقلة وتذرف الدمع وترعى مضجعك
كيف ينام من يتذكر رقدة القبور ، والحشر يوم النشور ، وقاصمة الظهور، ما كنا نظن أن جيلا من المسلمين يسهر على البلوت والشطرنج والغناء، وقلة الحياة ، فرحماك يا رب:
كن كالصحابة في زهد وفي ورع القوم هم ما لهم في الناس أشباه
عباد ليل إذا جن الظلام بهم كم عابد دمعه في الخد أجراه

صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال لابن عمر :" يا عبد الله لا تكن كفلان كان يقوم الليل ثم ترك قيام الليل"

!
10-02-20, 02:55 PM
البيت الإسلامي في رمضان


الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه وبعد.
يقول المولى جلت قدرته : )أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ_ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (التوبة:109)
البيت الإسلامي بيت اسس على التقوى ، عماده تقوى الله ، وأطنابه الأعمال الصالحة ، وحديقته امتثال أمر الله تعالى .
يقول عز من قائل ()يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ )(التحريم: من الآية6)
البيت أمانة ومسئولية ورعية ، فهل من راع واع ومن مسئول أمين .
صح عن عليه الصلاة والسلام أنه قال :"كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته "(1) ورعاية البيت في رمضان وغيره ، تقوم بأمرهم بالصلاة ، قال تبارك وتعالى ()وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً) (مريم:55)
إن أحوج ما يحتاجه البيت المسلم إلى أب رشيد وأم مؤمنة يقومان على تربية البيت .
يقول الله تعالى ()إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا )(النساء: من الآية58) وإن من أعظم الأمانات أمانة البيت وإصلاح البيت .
البيت الإسلامي يعيش رمضان ذكرا وتلاوة وخشوعا وتقوى.
البيت الإسلامي عامر بسنة محمد عليه الصلاة والسلام في الطعام الشراب والمدخل والمخرج واليقظة والمنام.
البيت الإسلامي يحترم الحجاب ويدين لله به ويعتبره شرفا وعزا للمرأة ، وأجرا ومثوبة عند الله عز وجل .
ابتليت بيوت كثيرة بالغناء ، فأفسد قلوب أهلها وضيع مستقبلها وفتت قوتها .
دخل الغناء واللهو بعض البيوت ، فخرج الذكر والسكينة والحشمة والوقار . قال تعالى ()وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ)(لقمان: من الآية6) ولهو الحديث عند أهل العلم هو الغناء ، فكم عبث الغناء بالقيم وسفه المبادئ وأرهق العقول .
البيت الإسلامي يصحو على ذكر الله وينام على ذكره بعيدا عن اللغو والهراء . قال تعالى ()وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ) (المؤمنون:3)
البيت الاسلامي يستحي من الله تعالى ، صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال " يا أيها الناس استحيوا من الحق حق الحياء، والاستحياء من الله حق الحياء أن تحفظظ الرأس وما وعى والبطن وما حوى ولتذكر الموت والبلا ومن أراد الآخرة وترك زينة الدنيا"(1)
بيوت الصالحين لها دوي بذكر الله رب العالمينا
لها نور من التوفيق عال كأن شعاعه من طور سينا
ليت البيوت الإسلامية تدخل العلم الشرعي جنباتها لتكون رياضا للمغفرة وبساتين للعرفان .
إن البيت يحتاج إلى مسائل مهمة من أعظمها المحافظة على الصلوات الخمس بخضوعها وركوعها وسجودها وروحانيتها . وعلى تلاوة القرآن الكريم آناء الليل وأطراف النهار ، وعلى ذكر الله عز وجل بالغدو والآصال ، وعلى إحياء السنن في كل دقيقة وجليلة ، ويحتاج إلى إخراج كل لهو وعبث واجتناب كل لغو وزور .
قال تعالى ()إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ) (فصلت:30)
وقال تعالى ()يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ) (ابراهيم:27)
إن شهر رمضان يضفي على البيت المسلم روحانية واطمئنانا ، فيوقظ أهل البيت لقيام الليل ، ويدعوهم إلى صيام النهار ، ويحثهم على ذكر الله عز وجل .
قال تعالى ()إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ) (فاطر:29)
)لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ) (فاطر:30)
نسألك يا أرحم الراحمين أن تملأ بيوتنا بالإيمان والحكمة والسكينة.

!
10-02-20, 02:55 PM
كيف يصوم القلب ؟


الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه وبعد.
يقول الله تبارك وتعالى ()وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ)(التغابن: من الآية11) وهداية القلب أساس كل هداية ومبدأ كل توفيق وأصل كل عمر ورأس كل فعل.
صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال ( ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله ، وإذا فسدت فسد الجسد كله ، ألا وهي القلب )(1)
فصلاح قلبك سعادتك في الدنيا والآخرة ، وفساده هلاك محقق لا يعلم مداه إلا الله عز وجل .يقول الله عز وجل ()إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ) (قّ:37)
ولكل مخلوق قلب . ولكنهما قلبان ، قلب حي نابض بالنور مشرق بالإيمان ممتلئ باليقين عامر بالتقوى ، وقلب ميت مندثر سقيم فيه كل خراب ودمار .
يقول سبحانه وتعالى عن قلوب المعرضين اللاهين ()فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً )(البقرة: من الآية10)وقال تعالى ()وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَا يُؤْمِنُونَ) (البقرة:88) وقال سبحانه ()أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) (محمد:24)
وقال عنهم ()وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ)(فصلت: من الآية5)
فالقلوب تمرض ويطبع عليها ، وتقفل وتموت.
إن قلوب أعداء الله عز وجل معهم في صدورهم ، ولكن لهم قلوب لا يفقهون بها ، لذلك كان يقول عليه الصلاة والسلام كما صح عنه " يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك"(1)
قلب المؤمن يصوم في رمضان وغيره وصيام القلب يكون تفريغه من المادة الفاسدة من شركيات مهلكة ، من اعتقاد باطل ، ومن وساوس سيئة، ومن نوايا خبيثة ، ومن خطرات موحشة.
قلب المؤمن عامر بحب الله ، يعرف ربه بأسمائه وصفاته ، كما وصف الله سبحانه وتعالى لنفسه ، فهذا القلب يطالع بعين البصيرة سطور الأسماء والصفات ، وصفحات صنع الله في الكائنات ، ودفاتر إبداع الله في المخلوقات .
وكتاب الفضاء اقرأ فيه صورا ما قرأتها في كتابي
قلب المؤمن فيه نور وهاج لا تبقي معه ظلمة ، نور الرسالة الخالدة ، والتعاليم السماوية ، والتشريع الرباني ، يضاف هذا إلى نور الفطرة التي فطر الله عليها العبد ، فيجتمع نوران عظيمان ()نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)(النور: من الآية35)
قلب المؤمن يزهر كالمصباح ، ويضئ كالشمس ، ويلمع كالفجر ، يزداد قلب المؤمن من سماع الآيات إيمانا ، ومن التفكر يقينا ، ومن الاعتبار هداية.
قلب المؤمن يصوم عن الكبر لانه يفطر القلب ، فلا يسكن الكبر قلب المؤمن لانه الحرام ، والكبر خيمته ورواقه ، ومنزله في القلب ، فإذا سكن الكبر في القلب أصبح صاحب هذا القلب مريضا سفيها ، وسقيما أحمق ، ومعتوها لعابا.
يقول سبحانه كما في صحيح الحديث القدسي " الكبرياء ردائي ، والعظمة إزاري ، من نازعني فيهما عذبته" (2) وعنه عليه الصلاة والسلام أنه قال " من تكبر على الله وضعه ، ومن تواضع لله رفعه".
وقلب المؤمن يصوم عن العجب ، والعجب تصور الإنسان كمال نفسه ، وأنه افضل من غيره ، وأن عنده من المحاسن ما ليس عند الآخرين ، وهذا هو الهلاك بعينه . صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال : ( ثلاث مهلكات : إعجاب المرء بنفسه ، وشح مطاع وهوى متبع "(1)
ودواء هذا العجب النظر إلى عيب النفس ، وكثرة التقصير ، وآلاف السيئات والخطايا التي فعلها العبد ، واقترفها ثم نسيها ، وعلمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى.
وقلب المؤمن يصوم عن الحسد ، لان الحسد يحبط الأعمال الصالحة ، ويطفئ نور القلب ، ويعطل سيره إلى الله تعالى .
يقول سبحانه ()أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ)(النساء: من الآية54)
ويقول صلى الله عليه وسلم " لا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا تناجشوا ولا يبع بعضكم على بيع بعض". حديث صحيح .
أخبر عليه الصلاة والسلام ثلاث مرات عن رجل من أصحابه أنه من أهل الجنة(3) فلما سئل ذاك الرجل بم تدخل الجنة ؟ قال : لا أنام وفي قلبي حسدا أو حقد أو غش على مسلم . فهل من قلب يصوم صيام العارفين.
صيام العارفين له حنين إلى الرحمن رب العالمينا
تصوم قلوبهم في كل وقت وبالأسحار هم يستغفرونا
اللهم أهد قلوبنا إلى صراطك المستقيم ، وثبتها على الإيمان يا رب العالمين.

!
10-02-20, 02:55 PM
كيف يصوم اللسان؟


الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه وبعد.
للسان صيام خاص يعرفه الذين هم عن اللغو معرضون ،وصيام اللسان دائم في رمضان ، وفي غير رمضان ، ولكن اللسان في رمضان يتهذب ويتأدب، صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال لمعاذ رضي الله عنه " كف عليك هذا ، وأشار إلى لسانه" (1) فقال معاذ : أو إنا لمؤاذخون بما نتكلم به يا رسول الله ؟ فقال عليه الصلاة والسلام :"ثكلتك أمك يا معاذ ، وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم ".
ضرر اللسان عظيم وخطره جسيم ، وكان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يأخذ بلسانه ويبكي ، ويقول : هذا أوردني الموارد .
اللسان سبع ضار ، وثعبان ينهش ، ونار تلتهب .
لسانك لا تذكر به عورة امرئ فكلك عورات وللناس ألسن
ابن عباس رضي الله عنهما يقول للسانه : يا لسان قل خيرا تغنم أو اسكت عن شر تسلم . رحم الله مسلما حبس لسانه عن الخنا ، وقيده عن الغيبة ، ومنعه من اللغو ، وحبسه عن الحرام.
رحم الله من حاسب ألفاظه ، ورعى ألحاظه ، وأدب منطقه ووزن كلامه.
يقل تبارك اسمه (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) (قّ:18) فكل لفظة محفوظة ، وكل كلمة محسوبة () وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ)(فصلت: من الآية46)
صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال " من يضمن لي ما بين لحييه وما بين فخذيه أضمن له الجنة "(1)
احذر لسانك أيها الإنسان لا يلدغنك إنه ثعبان
والله إن الموت زلة لفظة فيها الهلاك وكلها خسران
لما تأدب السلف الصالح بأدب الكتاب والسنة ، وزنوا ألفاظهم واحترموا كلامهم فكان نطقهم ذكرا ، ونظرهم عبرا ، وصمتهم فكرا .
ولما خاف الأبرار من لقاء الواحد القهار ، أعملوا الألسنة في ذكره وشكره ، وكفوا عن الخنا والبذاء والهراء.
قال ابن مسعود رضي الله عنه :"والله ما في الأرض أحق بطول حبس من لسان". يريد الصالحون الكلام فيذكرون تبعاته وعقوباته ونتائجه فيصمتون.
كيف يصوم من أطلق للسانه العنان ؟ كيف يصوم من لعب به لسانه وخدعه كلامه وغره منطقه ؟ كيف يصوم من كذب واغتاب ، وأكثر الشتم والسباب ونسي يوم الحساب؟ كيف يصوم من شهد الزور ولم يكف عن الشرور؟
صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال " المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده"(2). وهل الإسلام الا عمل وتطبيق، ومنهج وانقياد ، وسلوك وامتثال .
يقول جل اسمه ()وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ)(الاسراء: من الآية53) والتي هي أحسن هي اللفظ المؤدب الجميل البديع الذي لا يجرح هيئة ولا شخصا ، ولا عرض مسلم ولا ينال من كرامة المؤمن.
يقول عز وجل () وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ )(الحجرات: من الآية12)
كم من صائم أفسد صومه فسد لسانه وساء منطقه واختل لفظه ؟
ليس المقصود من الصيام الجوع والظمأ ، بل التهذيب والتأديب.
في اللسان أكثر من عشرة أمراض إذا لم يتحكم فيه.
من عيوبه الكذب، والغيبة ، والنميمة ، والبذاءة، والسب ، والفحش، والزور ، واللعن ، والسخر ، والاستهزاء، وغيرها .
رب كلمة هوى بها صاحبها في النار على وجهه أطلقها بلا عنان وسرحها بلا زمام ، وارسلها بلا خطام.
اللسان طريق للخير ، وسبيل للشر ، فيا لقرة عين من ذكر الله به واستغفر وحمد وسبح وشكر وتاب ، ويا لخيبة من هتك به الأعراض وجرح به الحرمات وثلم به القيم.
يا أيها الصائمون رطبوا ألسنتكم بالذكر ، وهذبوها بالتقوى ، وطهروها من المعاصي .
اللهم إنا نسألك ألسنة صادقة وقلوبا سليمة ، وأخلاقا مستقيمة.

!
10-02-20, 02:56 PM
كيف تصوم العين

الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه أجمعين

وللعين أيضا صيام ، وأي صيام ؟
صيام العين غضها عن الحرام وإغماضها عن الفحشاء وإغلاقها عن المناهي:
قال تعالى (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ) (النور:30)
)وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ)(النور: من الآية31)
العين منفذ للقلب وباب للروح .
وأنا الذي جلب المنية طرفه فمن المطالب والقتيل القاتل
صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عليا سأله عن النظر فقال : "غض بصرك"
من لم يحبس نظره أصيب بأربع مصائب :
أولها : تشتت القلب في كل واد ، وتمزقه في كل أرض ، فلا يقر له قرار ، ولا يهدأ له بال ، ولا يجتمع له شمل ، فهو مطعون يئن ويشكو من فعل العين بسبب نظراتها وتلفتاتها .
ثانيها : إتعاب النفس وتعذيبها بفقد ما نظرت إليه وعدم تحصيله ، فالنفس من فعل العين في حسرة وفي هم واضطراب.
وكنت متى أرسلت طرفك رائدا إلى كل عين أتعبتك المناظر
أصبت الذي لا كله أنت قادر عليه ولا عن بعضه أنت صابر

ثالثها: ذهاب العبادة وحلاوة الطاعة بإطلاق النظر ، فقل على نور الإيمان السلام ، إذا ما تأدبت العين ، وصامت عن الحرام ، ولا يجد ذوق الإيمان، ووجد اليقين إلا من غض بصره ، وأطبق أجفان عينيه.
رابعها : ذنب عظيم وإثم كبير جزاء وفاقا لما فعلت العين بالإعراض ولما هتكت من المحارم ، وما وقع ساقط في الفاحشة إلا بعد إطلاق النظر ، وضياع البصر ، فلا حول ولا قوة غلا بالله العلي العظيم.
يقول أحد السلف: أطلقت عيني مرة في حرام ، فنسيت القرآن الكريم بعد أربعين سنة ، جزاء من غض بصره عن الحرام أن يبده الله إيمانا يجد حلاوته في صدره .
قالوا عن العين : هي رائد إذا أرسل صاد وإذا انقيد انقاد ، وإذا أطلق وقع بالقلب في فساد.
وقالوا عن العين : إذا أفلت حبلها أوبقتك ، وإذا أطلقت قيدها عذبتك.
قال شاه الكرماني: من غض بصره عن الحرام وعمر باطنه بالتقوى، وظاهره باتباع السنة لم تخطئ له فراسة . وتلا قوله تعالى ()إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ) (الحجر:75)
في غض البصر وحبس العين خمس كرامات ومنافع.
أولها : طاعة المولى جلت قدرته في أمره بغض البصر وحسبك بهذه نعمة وعزة في الدنيا والآخرة.
ثانيها: سلامة القلب وعماره وجمع شمله وراحته واطمئنانه وسروره وفرحه.
ثالثها : البعد عن الفتن والأمان من البلايا والتحرز من الخطايا.
رابعها : الفتح على العبد منة الله بالعلم والمعرفة والتوفيق والسداد جزاء تقواه.
خامسها : فرقان من الله في قلوب العارفين ونور الباري في نفوس الصادقين يعطيه تبارك اسمه لمن غض بصره .
إذا دخل رمضان طلب من العين أن تصوم طاعة للحي القيوم ، فكم للجوع من فضل على العين:
جزى الله المسير إليك خيرا وإن ترك المطايا كالمزاد
الجوع يكسر جموح العين ويحبس خطاها ويقيد مداها.
الجوع يضعف شهوة النظر ويطفئ حرارة البصر.
لما أطلق العابثون أبصارهم وطفحوا بأعينهم وقوعوا في براثن المعصية وفي أحابيل الفاحشة . ومن الناس من يصوم بطنه عن الشراب والطعام وترتع عينه في خمائل الحرام ، فهذا الصائم ما عرف حقيقة الصيام.
فلتصم عيوننا يا عباد الله عن الحرام كما صمنا عن الشراب والطعام ، عل قلوبنا أن تصح وأرواحنا أن ترتاح.
قال تعالى ()وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً) (الانسان:12)
)مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً) (الانسان:13)
سلام على من صامت عينه لمرضات ربه ورحمة الله وبركاته.

!
10-02-20, 02:56 PM
كيف تصوم الأذن

الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله وآل وصحبه وبعد.
يقول عز من قائل) )إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً)(الاسراء: من الآية36)
الأذن مسئولة أمام الله عز وجل عما استمعت إليه ، والصالحون هم الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، ويا لندامة من صرف سمعه عن الهدى ، وأغلق أذنه عن صوت الحق.
الأذن تصوم عن سماع الخنا والغناء وعن الفحش والبذاء. وللأبرار صيام عظيم عن سماع ما يغضب الله عز وجل في رمضان وغيره.
كثير من البشر عطلوا ما من الله عليهم به من أعضاء . يقول عنهم سبحانه: ()وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) (لأعراف:179)
نعم لهم آذان ولكن لا يسمعون سماع موعظة وسماع وتدبر وفهم . سماع كثير من الناس كسماع الأنعام تماما لا ذكرى ولا اعتبار ، لا نفع ولا فائدة.
قال تعالى ()أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً) (الفرقان:44)
من الناس من ملأ أذنيه من النغمة المحرمة والكلمة الآثمة ، والمجون الأثيم ، حجب عن أذنيه سماع القرآن الكريم ، ذلك السماع الشرعي السني النبوي العظيم.
سماع القرآن الكريم الذي يثمر الإيمان والهدى والنور والفلاح.
سماع القرآن الكريم الذي يملأ القلب حكمة وسكينة وأنسا وطمأنينة.
سماع القرآن الكريم حرز من الواردات المنحرفة والوساوس الخطيرة والخطرات الآثمة.
قوت الأذن الذكر والعلم النافع والموعظة الحسنة والأدب الجم ، ودرر المعارف ومحاسن القول.
يا أذن لا تسمعي غير الهدى أبدا إن استماعك للأوزار أزار
عن أبي حاتم بسند جيد أنه صلى الله عليه وسلم مر على عجوز في المدينة فسمعها تقرأ من وراء بابها هل أتاك حديث الغاشية وهي ترددها وتبكي فأخذ صلى الله عليه وسلم يسمع لقراءتها ويردد " نعم أتاني نعم أتاني"
مدح الله قوما بجود السماع وحسن الاستماع فقال : (وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ)(المائدة: من الآية83)
فهؤلاء استفادوا أعظم فائدة واستمعوا أحسن سماع.
آذان الصائمين عاكفة على سماع الجميل ، وآذان اللاهين مصغية للباطل الدخيل :
لا تستمع إلا لقول صادق يغنيك عن خطل من الأقوال
فالأذن نافذة العلوم وخيرها أذن وعت ذكرا ذكرا تلاه التالي
إذا سمحت أذن المسلم للكلمة الآثمة بالدخول أخربت بيت القلب وهدمت قصر الإرادة وأفسدت بستان المعارف.
انظر إلى صنفين وفريقين وطائفتين وصفهما رب العزة فقال :
()وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ) (التوبة:124)
)وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ) (التوبة:125)
سماع الحق يزيد القلب ثباتا على الحق ، وسماع الباطل يورث في القلب
إن من واجب المسلم أن يحمد الله على نعمة السمع وأن يصرفها في مرضات ربه تبارك وتعالى فيزداد من سماع القرآن الكريم ودروس العلم والمحاضرات النافعة والحكم البالغة.
وينقذ أذنه من سماع الإثم والإصغاء إلى الفحش وكل ما يصد عن سبيل الله ؟ يقول تابرك وتعالى عن عباده الصالحين () وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً)(الفرقان: من الآية72) وقال تعالى ()وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ) (القصص:55) .
جعلنا الله ممن يستمع القول فيتبع أحسنه.

!
10-02-20, 02:56 PM
كيف يصوم البطن؟

الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه وبعد.
الطعام حلا وحرمة له أثره على حياة الإنسان وسلوكه وأخلاقه ، ولذلك أمر الله سبحانه وتعالى رسله فقال ()يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً )(المؤمنون: من الآية51) وقال سبحانه للمؤمنين (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) (البقرة:172) والطيبات هي ما أحله الله عز وجل لعباده المؤمنين على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم . فالله يقول عنه () وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ )(لأعراف: من الآية157) .
وصيام البطن اجتنابه للحرام ، زيادة عن اجتنابه الطعام والشراب ، وكل ما يفطر في نهار رمضان ، لكنه يصوم أيضا عن الحرام عند إفطاره فلا يأكل الربا إذ أنه بأكله الربا يغضب المولى تبارك وتعالى ، يقول سبحانه ()يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً)(آل عمران: من الآية130) وقال سبحانه () وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا)(البقرة: من الآية275)
صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال :" لعن الله آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه ، وقال هم سواء" (1) .
آكل الربا يضحك على نفسه ، فيملأ بطنه من الحرام ، ويدعو ربه وقد سد طرق الإجابة وأغلق باب القبول .
صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه ذكر الرجل أشعث أغبر يطيل السفر يمد يديه إلى السماء يقول يا رب يا رب ، ومطعمه حرام ومشربه حرام وغذي بالحرام ، فأنى يستجاب له "(2) فهذا رجل كثير العبادة ، ولكنه آثم في طعامه ، غير متق لله في أكله وشرابه.

!
10-02-20, 02:57 PM
[2]
كيف يصوم البطن وقد أفطر على الحرام وطعامه من الربا والسحت ، والغش ومال اليتيم والغصب .
فسدت والله كل الأذواق لما فسد الطعام والشراب ، قست القلوب لما خبث المأكل والمشرب ، انطمس النور لما فقدت اللقمة الحلال.
صح عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه تغدى يوما من الأيام ثم سأل خادمه من أين هذا الطعام ؟ فقال : من كهانة كنت أتكهن بها في الجاهلية ، فأدخل أبو بكر يده وانتغر فأخرج ما في بطنه من الطعام (1) ، فرض الله عنه ما أصدقه وأطيبه وأطهره.
اللقمة تبقى في بطن صاحبها ويبقى أثرها مع اللحم والدم وأي جسد نبت من الحرام فالنار أولى به.
كان السلف الصالح يعرفون من أين يأكلون ، فصفت أذواقهم وصحت أبدانهم وأشرقت قلوبهم ، فلما فسد طعام المتأخرين وشرابهم انطمست معالم الهدى في قلوبهم.
صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال " ما أكل عبد طعاما خيرا من أن يأكل من كسب يده ، وإن نبي الله داود عليه السلام ، كان يأكل من طعام يده"(2).
فزكريا عليه السلام كان نجارا وداود عليه السلام كان حدادا ومحمد صلى الله عليه وسلم والأنبياء عليهم الصلاة والسلام كانوا يرعون الغنم.
والإسلام يدعو إلى الكسب وطلب الرزق لكن من أبوابه المشروعة.
يقول سبحانه ()وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى)(الأنعام: من الآية152) وقال تعالى ()إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً) (النساء:10) وقال عز وجل ()وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْأِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (البقرة:188) وقال عز اسمه ()الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ )(البقرة: من الآية275) .
وصح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال" لعن الله الراشي والمرتشي " ويروى الرائش(3)
يقول سبحانه ذاما من فسد من اليهود والنصارى ()وَتَرَى كَثِيراً مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (المائدة:62) يقص علينا ابن الجوزي في صيد الخاطر أنه أكل أكلة من شبهة فتغير قلبه وأظلم عليه فترة من الزمن ، وذلك لصفاء قلوبهم أحسوا بالتغير ، أما الكثير اليوم فيأكل ما أراد من الحرام فلا يرى تغير قلبه لانه:
من يهن يسهل الهوان عليه ما لجرح بميت إيلام
وتناول بعضهم الخمر والمسكر بأنواعه فحرم لذة العبادة وحلاوة الطاعة ، وعاش منغصا قلقا محروما من السعادة ومن ساعة الإجابة فيا أيها الصائم هناك صيام البطن من لم يصمه فكأنه ما صام فهل من صائم عن الحرام ، ورع عن الشراب والطعام ليدخل دار السلام.
اللهم اجعلنا ممن يحلل حلال الشريعة ويحرم حرامها.

!
10-02-20, 02:57 PM
أخطاء يقع فيها الصائمين



الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه وبعد .
يخطئ كثير من الصائمين في عدم التفقه في دين الله تعالى بما فيه الصيام ، فكثير منهم لا يعرف ما يفطر صومه ولا ما يجرحه ولا ما يفسده، وماذا يسن للصائم ، وماذا يجوز له ، وماذا يجب عليه وما يحرم عليه.
وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال :" من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين"(1)
فكأن الذي لا يتفقه في الدين ولا يسأل عن أمور دينه ما أراد الله به خيرا.
يقول سبحانه لعباده (فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ)(النحل: من الآية43)وأهل الذكر هم العلماء ، فحق المسلم الذي يريد أن يعبد الله على بصيرة أن يسال عما يجهله من أمر دينه ويبحث عن العلم ويحرص على التفقه في الدين.
ويقع بعض الصائمين في ذنوب عظيمة تفسد عليهم صيامهم وتضيع عليهم قيامهم منها الغيبة ، وقد سبق ذكرها في درس كيف يصوم اللسان ؟ ومنها النميمة والفحش في القول ولاستهزاء واللعن وغيرها من ذنوب اللسان.
ومن الأخطاء الإسراف في رمضان في موائد الإفطار والسحور فيوضع من الطعام ما يكفي الفئام من الناس ويكثر من الأنواع ويفنن في عرض كل غال ورخيص من مطعم ومشرب من حال وحامض ، وحلو ومالح ، ثم لا يؤكل منه إلا القليل ويهدر باقيه مع الفضلات، ويرمى في النفايات ، وهذا خلاف هدى الإسلام العظيم، قال سبحانه وتعالى ()وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ)(لأعراف: من الآية31) فكل ما زاد على حاجة الإنسان واستهلاكه فهو إسراف مذموم ، ولا يرضى به رب الصائمين ويندرج في قوله تعالى : ) وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً)(الإسراء: من الآية26) )إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً) (الاسراء:27) .
تصبح الأسواق في رمضان مليئة بالمشترين وكلهم يحمل من الأشربة والأطعمة ما يكفي عشرات الأسر .
هناك أسر تموت جوعا ، ولا تجد فتات الخبز ، تنام في العراء تفترش الغبراء وتلتحف السماء
، وأسر هنا أصابتها التخمة من كثرة إسرافها وتبجحها.
من مقاصد الصيام استفراغ المواد الفاسدة في المعدة بتقليل الطعام ، وكيف يتم ذلك لمن أسرف في طعامه وشرابه ، وبذر في مأكله؟
وكثير من الصائمين قطعوا النهار في نوم فكأنهم ما صاموا ، منهم من لا يستيقظ إلا عند الصلاة ثم يعود إلى نومه ، قطع نهاره بالغفلة وأمضى ليله بالسهر.
فما أطال النوم عمرا وما قصر في الأعمار طول السهر
الحكمة من الصيام أن يعيش الصائم لذة الجوع لمرضاة الله وطعم الظمأ في سبيل الله ، والذي جعل النهار نوما كله لا يجد ذلك.
ومن الصائمين من يلعب ألعابا أقل أحكامها الكراهة ، مثل لعب البلوت ، والإسراف في لعب الكرة ، وكذلك ألعابا يزعمون أنها مسلية تضيع الوقت وتفني الساعات في غير منفعة . قال تعالى ()أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ) (المؤمنون:115) وقال تعالى ()وَذَرِ الَّذِينَ [3]اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا)(الأنعام: من الآية70)ومن الصائمين من يسهر الليل سهرا ضائعا لا منفعة فيه ولا أجر فهم في لهو ولعب وشرود ، فينما لا تجد في هذا السهر ركعتين في ظلام الليل.
ومن أشنع أخطاء بعض الصائمين تخلفهم عن صلاة الجماعة لأدنى سبب وأتفه عذر ، وهذا من علامات النفاق ومن براهين مرض القلوب وموت الأرواح ، ومنهم من ليس بينه في رمضان وبين القران الكريم صلة أو قربى ، يقرأ كثيرا لكن في غير القرآن الكريم، ويطالع كثيرا ولكن في كتب غير كتاب الله عز وجل .
ومن الصائمين من لا تجود نفسه بصدقة في هذا الشهر العظيم ، ولا تشرف مائدته بتفطير بعض الصائمين، فبابه مغلق وكفه بخيلة . قال تعالى : ()مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ )(النحل: من الآية96) وقال تعالى () وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ)(المزمل: من الآية20).
ومن الصائمين من ترك صلاة التراويح وتكاسل عنها ولسان حاله يقول تكفيني الفريضة ، وهو لا يكتفي من الدنيا بالقليل بل يحرص على الكماليات منها حرصه على الضروريات.
ولو قد جئت يوم الحشر فردا وأبصرت المنازل فيه شتى
لأعظمت الندامة فيه غبنا على ما في حياتك قد أضعتا
ومن الصائمين من أتعب أهله بتكلف صنع كثير من الأطعمة والأشربة حتى أشغلهم عن القرآ، الكريم والسنة ، وعن ذكر الله والعبادة ، ولو اقتصر على الضروري لوجد أهله وقتا واسعا للتزود من طاعة الله عز وجل.
اللهم زدنا ولا تنقصنا ، وأعطنا ولا تحرمنا ، وأكرمنا ولا تهنا وسامحنا واعف عنا.

!
10-02-20, 02:57 PM
ذكرياتنا في رمضان

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه وبعد .
فأجمل ذكرياتنا نحن المسلمين في شهر رمضان ، أنزل كتابنا العظيم أو الذكر الحكيم في شهر رمضان ()شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ)(البقرة: من الآية185) .
نزل كتابنا في رمضان ، فكانت ذكراه أحلى الذكريات ، وأيامه في الدهر خالدات.
نزل القران الكريم على أمة أمية ، ليخرجها من الظلمات إلى النور.
كلما جاء ذكر رمضان تذكرنا المنة العظيمة بإنزال هذا الكتاب الحكيم على الرسول الكريم ()لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) (فصلت:42).
وفي رمضان انتصرنا وغلبنا ـ بإذن الله ـ الباطل ودحرنا الكفر في بدر الكبرى .
وفي رمضان انتصر رسولنا صلى الله عليه وسلم وأصحابه من المهاجرين والأنصار . قال تعالى :( )وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (آل عمران:123) .
انتصر الإسلام على الكفر في رمضان ، وارتفعت لا اله الا الله محمد رسول الله في رمضان واندحر الإلحاد في رمضان ()يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ)(آل عمران: من الآية166)
بدر الكبرى كانت في السابع عشر من هذا الشهر ، فكلما مر بنا هذا اليوم ذكرنا بتلك الغزوة المباركة.
في رمضان كانت غزوة الفتح ، فتح مكة ، قال تعالى ()إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً) (الفتح:1)
فتح رسولنا صلى الله عليه وسلم القلوب بالقران الكريم في رمضان ، وفتح مكة بالتوحيد في رمضان ، فاجتمع الفتحان ، وانتصر الإيمان ، وعلا القرآن ، وفاز ح-الرحمن ، معارك المسلمين الكبرى تقع في رمضان، وانتصارات المسلمين الخالدة كانت في رمضان.
ومن ذكرياتنا في رمضان أن أمين الوحي جبريل (عليه السلام) كان ينزل على رسولنا صلى الله عليه وسلم في هذا الشهر كثيرا فيدارسه القرآن الكريم ويراجع معه آيات الله البينات، ويثبت حفظه ويتدبر معه تلك الحكم العظيمة والآيات الكريمة ، ويعيد عرض هذا الكتاب عليه ، ويتأنق معه في التلاوة ، ويجود معه الوحي ، فكانا في أعظم عبادة واجل قربة وأحسن مجلس.
ومن ذكرياتنا في رمضان اجتماع الصدر الأول من الصحابة في صلاة التراويح فكانوا يسمعون لإمام واحد وهو يتلو عليهم كتاب ربهم فيخشعون ويبكون ويتدبرون.
يطول بهم الليل فيقصرونه بالقيام ، فلو رأيتهم وقد سالت منهم الدموع وثبت في قلوبهم الخشوع ، فهم في قيام وسجود وركوع.
ولو رأيتهم وقد هلت منهم العبرات وارتفعت منهم الزفرات وضجوا على رب السموات والأرض.
ولو رأيتهم وقد وجلت منهم القلوب واقشعرت منهم الجلود وجادت بدمعها العيون.
ومن ذكرياتنا في رمضان أنه الشهر الذي تفتح فيه أبواب الجنان وتغلق فيه أبواب النيران، وتقيد فيه الشياطين، وهذه من أحلى الذكريات يوم يشعر المؤمن انه مرحوم في هذا الشهر الكريم،وأن إغواء الشياطين مصروف عنه في هذه الأيام المباركة . ثم إن لكل صائم في هذا الشهر فرحتين يفرح بفطره ويفرح بلقاء ربه تبارك وتعالى. فكلما تجدد هذا الشهر تجدد معه الفرح وزاد الأنس والسرور.
وهذا الشهر كفارة لما بينه وبين رمضان الماضي كما أخبر بذلك عليه الصلاة والسلام في الصحيح، فهو شهر يحمل ذاكرة مجيدة لكل مسلم يوم يعلم انه مطهر له من السيئات والخطايا.
رمضان شهر الفقراء والمساكين فهم يجدون فيه السخاء والعطاء من الأغنياء ، ويجدون العون والمدد من الأثرياء ، فكثير منهم يسعد في هذا الشهر بما يجود الله به على أيدي الباذلين.
صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال :"إن في الجنة بابا يقال له الريان ، يدخل منه الصائمون ، فإذا دخلوا أغلق فلا يدخل منه غيرهم .(1)
فباب الريان له مكانة عظيمة في رمضان عند عباد الرحمن.
أتاك شهر السعد والمكرمات فحيه في أجمل الذكريات
يا موسم الغفران أتحفتنا أنت المنى يا زمن الصالحات
اللهم أعد علينا رمضان أياما عديدة، وأعواما مديدة، في ثياب من البر والتوبة جديدة.

!
10-02-20, 02:58 PM
رمضان طريق التوبة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصبحه وبعد.
فان من أعظم ما يعود على المسلم من النفع في هذا الشهر الكريم توبته وإنابته إلى ربه ومحاسبته لنفسه ومراجعته لتاريخه.
باب التوبة مفتوح، وعطاء ربك ممنوح، وفضله تعالى يغدو ويروح، ولكن أين التائب المستغفر؟ قال تعالى ( قل يا عبادي.)
وهذا الشهر هو موسم التوبة والمغفرة، وشهر السماح والعفو، فهو زمن أغلى من غال وأنفس من نفيس.
صح عنه (عليه الصلاة والسلام ) أنه قال:"إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسئ النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها"(2)
الإساءات منا كثيرة، والعفو منا أكثر، الخطأ منه كبير، ورحمته أكبر، الزلل منا عظيم، ومغفرته أعظم:
سبحان من يعطي ونخطئ دائما ولم يزل مهما هفا العبد عفا
يعطي الذي يخطي ولا يمنعه جلاله عن العطا لدى الخطا
قال تعالى (والذي إذا فعلوا فاحشة
لم يصروا أبدا، اخطأوا فاعترفوا بذنبهم واستغفروا، وأساءوا فندموا فغفر الله لهم.
صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال:"رغم أنف من أدركه رمضان فلم يغفر له "3
ذنوب العام كل العام تمحى لمن صدق مع الله في رمضان إذا اجتنب الكبائر ،النقص طيلة السنة ، العيوب المتراكمة تصحح في رمضان.
صح الحديث القدسي أن الله عز وجل يقول: " يا عبادي أنكم تذنبون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعا، فاستغفروني أغفر لكم "(3)
[4]



من طبيعتنا الذنب، ولكن منا من يتوب وينيب ويستغفر مولاه، ومنا من يصر، ويستمر ويكابر، وهذا هو المغبون المخذول عن طريق الهداية.
أتوب إليك يا رحمن مما جنت نفسي فقد كثرت ذنوب
وأشكو يا إلهي من معاص أصابتني وآذتني عيوب
صح في الحديث القدسي أن الله يقول:"يا ابن آدم، إنك ما دعوتني ورجوتني إلا غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي"(1)
ياصائمون هذا الشهر فرصتنا للتوبة النصوح، وهذه الأيام غنيمة لنا، فهل نبادر الغنيمة والفرصة؟
وبادر بالتوبة النصوح قبل احتضار وانتزاع الروح
لا تحتقر شيئا من المآثم وإنما الأعمال بالخواتم
صام معنا قوم العام الماضي ثم ردوا لمولاهم الحق ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين، مضوا بأعمالهم وتركوا آثارهم.
فيا ليت شعري ما نقول وما الذي نجيب به والأمر إذ ذاك أصعب
إلى الله نشكو قسوة في قلوبنا وفي كل يوم واعظ الموت يندب
ومن علامات قبول الصائمين الصدق في التوبة ، والعزم على عدم العودة ، والندم على ما فرط العبد في جنب الله عز وجل .
يقول سبحانه :(وهو الذي يقبل التوبة
وصح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال :"والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم"(2)
متى يتوب من لم يتب في رمضان ؟ ومتى يعود إلى الله من لم يعد في رمضان؟
إن بعض الصائمين يستقيم حاله ويصلح باله في رمضان، فإذا انتهى الشهر وانصرم الصيام، عاد إلى حالته القديمة وسيرته الأولى فأفسد ما أصلح في رمضان، ونقض ما أبرم في رمضان، فهو عمره في هدم وبناء ونقض وإبرام. قال تعالى:(ولا تكونوا كالتي نقضت
كان كثير من السلف إذا انتهى شهر الصيام بكوا لفراقه، وتأسفوا على رحيله وندموا على انتقاله ، وذلك لكثرة صلاحهم وصفاء قلوبهم وإشراق نفوسهم.
اللهم وفقنا لما وفقت إليه عبادك الصالحين ، واهدنا صراطك المستقيم.

!
10-02-20, 02:58 PM
الإيمان يزداد في رمضان

الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه أجمعين وبعد.

فالإيمان يزيد وينقص بحسب الأعمال، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية ، يزيد بالصلاة ، وينقص بالفساد ، يزيد بالاستقامة ، وينقص بالانحراف، قال الله تعالى (والذين اهتدوا زادهم
وقال عز من قائل( ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم)
وفي رمضان يزداد الإيمان ويشرق التوحيد لقرب العبد من ربه تبارك وتعالى .
فالصيام من أعظم الأعمال وهو قربة إلى الله عز وجل وصلة عظيمة يباعد بين العبد وبين النار ويفرق بين المسلم والمعاصي.
وقيام رمضان أنس ومحبة وطاعة وشوق يطرد النفاق عن العبد، ويسقي شجرة الإيمان،حتى تستوي على سوقها وتؤتي أكلها كل حين باذن ربها .
وإليكم أيها الصائمون تلك الأعمال التي تزيد في إيمانكم وتنمي يقينكم. الصلاة في جماعة بخشوع وخضوع وتأمل وحضور(إن الصلاة كانت والصلاة في جماعة مذهبة للنفاق ومورثة للخشية وناهية عن الفحشاء والمنكر.
قال تعالى ( إن الصلاة تنهى
قراءة القرآن بتدبر ، وتأمل آياته ، العيش في ظلاله ، استنشاق نسماته ، الاهتداء بهديه(كتاب أنزلناه إليك مبارك
ذكر الله عز وجل بالقلب واللسان والجوارح اللهج بالتسبيح والتكبير والتحميد والتهليل (فاذكروني أذكركم
مناجاة الله عز وجل في الأسحار ، الإكثار من الاستغفار.
طلب العلم النافع ، والتفقه في الدين ( وقل رب زدني وسؤال أهل العلم
قال تعالى (فاسألوا أهل الذكر وحضور مجالس الذكر "هم القوم لا يشقى بهم جليسهم"(1)
طلب العلم زيادة في الإيمان وتثبيت لاصل التوحيد(فاعلم انه لا إله إلا الله واستغفر. بدأ هنا بالعلم قبل القول والعمل.
مما يزيد الإيمان الصدقة ، البذل والعطاء ، وقد تقدمت في درس مستقل ولكن الشاهد هنا أنها ترفع من إيمان العبد وتزكيه ، وتهذب سلوكه وتقوم إعوجاجه.
مما يزيد الإيمان التفكر في آيات الباري تبارك أسمه ومطالعة آثاره في الكائنات وبديع صنعه في المخلوقات : قال تعالى :(ويتفكرون في خلق السموات.
ورمضان زمن صفاء ذهن المتأمل وإشراق فكر المتفكر ، واستنارة قلب المعتبر ، فهو جدير بالتفكر في بديع صنع الخالق تباركت أسماؤه.
والإيمان ينقص ويمرض وقد يموت.
ينقص الإيمان بالإعراض عن الكتاب والسنة والاكتفاء بحثالة أذهان البشر ، وعصارة أدمغة الناس والعكوف على نتاج المخلوقين الضعفاء المقهورين ، فإذا فعل العبد ذلك واستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير تمت خسارته وبان هلاكه وظهرت مقاتله واستحوذ عليه الشيطان (أولئك ح-الشيطان.
إذا ما لم يزدك العلم خيرا فليتك ثم ليتك ما علمتا
وإن ألقاك فهمك في مغاو فليتك ثم ليتك ما فهمتا
ينقص الإيمان اللهو واللعب والغفلة والإعراض عن منهج الله عز وجل ومجالسة أهل الباطل المعرضين عن الشريعة الساقطين في حمأة الرذائل والشهوات . قال تعالى ( ولا تطع من أغفلنا قلبه.
ينقص الإيمان إطلاق الجوارح في المعاصي وتلطيخ الأعضاء بالسيئات وتسويد القلب بالذنوب
عين تنظر إلى الحرام وأذن تسمع إلى الخنا ، وقلب يرتع في الشهوات، ويد تبطش ظلما ، وفرج يقترف الفحشاء ، وبطن يمتلئ من الآثام ، رحماك يا رب وعفوك يا الله.
ياصائما عافت جوارحا الخنا أبشر برضوان من الديان
عفو ومغفرة ومسكن جنة تأوى بها من مدخل الريان
على الصائم أن ينظر هل زاد غيمانه في رمضان أم نقص ؟ هل عظم يقينه أم قل ؟ ليعرف الزيادة من النقصان والربح من الخسران.
اللهم زدنا إيمانا ويقينا وفقها وتوفيقا.

!
10-02-20, 02:58 PM
محبة الله عز وجل تعظم في رمضان

الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه وبعد .
فان امتثال أمر الله عز وجل بصيام شهر رمضان تزيد من محبة الله عز وجل ف قلب الصائم . وأولياء الله عز وجل يحبون ربهم تبارك وتعالى حبا عظيما ( يحبهم ويحبونه.
وليس العجب من قوله (يحبونه) . ولكن العجب من قوله (يحبهم) يخلقهم الله ويرزقهم ويعافيهم ثم يحبهم.
ولمحبة الله عز وجل عشر علامات من فعلها فقد أحب الله حقيقة لا ادعاء.
أولها : محبة كلامه الذي تكلم به وأنزله على رسوله صلى الله عليه وسلم وحيا . والشوق الى تلاوة هذا الكلام وتدبره والأنس به . وإصلاح القلب بتعاليمه وتسريح الطرف في رياضه والسهر به في جنح الليالي وحنادس الظلام، والعمل بمقتضاه وتحكيمه في كل شئون الحياة.
ثانيها : محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتباعه وكثرة الصلاة والسلام عليه صلى الله عليه وسلم واعتقاد عصمته واتخاذه أسوة . (لقد كان لكم في رسول).
والعمل بسنته بدون تحرج ولا تهيب ولا تذبذب (فلا وربك لا يؤمنون)
ثالثهما : الغيرة على محارم الله ، والذب عن حدود الله أن تنتهك ، والغضب عند إهانة شئ من شعائر الإسلام، والتحرق على هذا الدين ، والتألم لواقعه بين أهل البدع والمجاهدة باللسان والقلب واليد ما أمكن لنصر شرع الله وتمكين دين الله في الأرض
رابعها: التشرف بولاية الله تعالى والحرص على نيل هذه الولاية، وصف الله أولياءه فقال ( ألا إن أولياء الله)
وقال سبحانه (إنما وليكم الله ورسوله.
خامسها : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبذل النفس والنفيس في ذلك فهو قطب رحى الإسلام وسياجه وترسه الذي يحتمي به ( ولتكن منكم أمة.
وتزيد هذه الصفة إشراقا في شهر رمضان ، ويبذل الصائمون الصادقون نصيحتهم ودعوتهم لعباد الله متحسبين الأجر من الله تبارك وتعالى .
سادسها: الاجتماع بالصالحين وحب الأخيار والأنس بمجالسة أولياء الله وسماع حديثهم والشوق إلى لقائهم وزيارتهم والدعاء لهم ، والذب عن أعراضهم ،وذكر محاسنهم ونفعهم بما يستطاع فالله عز وجل يقول ()إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)(الحجرات: من الآية10) . ويقول ()وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ)(آل عمران: من الآية103)) .
سابعها :التقرب إلى الله بالنوافل والتوصل إلى مرضاته والتوصل إلى مرضاته بالأعمال الصالحة صلاة وصياما وصدقة وحجا وعمرة وتلاوة وذكرا وبرا وصلة إلى غيرها من الأعمال . قال سبحانه( إنهم كانوا يسارعون. ويقول سبحانه في الحديث القدسي الصحيح( وما يزال عبدي يتقرب على بالنوافل حتى أحبه )(1)
ثامنها : تقديم حب الآخرة الباقية على الدنيا الفانية والتهيؤ للقاء الله عز وجل ، والتزود ليوم المعا وإعداد العدة لذاك الرحيل المرتقب.
تزود للذي لا بد منه فإن الموت ميقات العباد
أترضى أن تكون رفيق قوم لهم زاد وأنت بغير زاد
تاسعها : التوبة النصوح وترك المعاصي والمخالفات والإعراض عن اللاهين اللاعبين من أهل الانحراف والفجور فإن مجالسهم حمى دائمة وسم زعاف وداء مستمر ()الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَ)(الزخرف: من الآية67)). ويقول عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح ( المرء يحشر مع من أحب ) (1)
عاشرها: تمني الشهادة في سبيل الله وارتقاب ذاك اليوم الذي تقدم النفس فيه خالصة لله . وبيع النفس والمال والولد من الله وعدم العود في هذا البيع العظيم والصفقة الرابحة .
قال سبحانه ()إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ ب)(التوبة: من الآية111)).
اللهم زدنا لك محبة وفيما عندك رغبة ، وإليك إنابة ، إنك على كل شئ قدير .

!
10-02-20, 02:59 PM
كيف نربي أطفالنا في رمضان وغيره

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه وبعد .
ففي رمضان تتجلى التربية الصادقة ، والتوجيه الحكيم في رعاية الأطفال ، فهم أمانة ووديعة.
كان السلف الصالح يدربون أطفالهم على الصيام ويعودونهم على القيام .
وينشأ ناشئ الفتيان منا على ما كان عوده أبوه
فيا صائما يريد لأبنائه الفوز معه ، إليك مسائل في التربية علها أن تدعوك إلى حسن الرعاية بأطفالك.
أولا : كن قدوة أنت أيها الوالد في أخلاقك وسلوكك وحياتك ، فان أطفالك ينظرون أبا ومعلما ومربيا وأسوة، يقول سبحانه عن زكريا عليه السلام( وأصلحنا له زوجه.
ثانيا: ما يعرض وما يسمع وما يرى في البيت له أعظم الأثر في حياة الطفل ومستقبله ، فإدخال الإيمان والقرآن الكريم والسنة في البيت وكثرة الذكر والقيام بأوامر الله واجتناب نواهيه تكون طفلا مستقيما ملتزما.
وإدخال الملاهي والمفاتن وآلات اللعب واللهو والتهاون بشرع الله تعالى تخرج طفلا لاغيا لاعبا هامشيا.
ثالثا: ربط الطفل بكتاب الله عز وجل حفظا وتجويدا وتلاوة ، فهذا عصر الحفظ ، وهذا زمن التلقي وإذا فات الطفل هذا العصر الذهبي وقضاه في الضياع والتلفت والترفيه ندم بعد كبره أعظم ندامة ، وتأسف كل الأسف ولات ساعة مندم.
رابعا : مصاحبة الطفل في عهد الطفولة والصبا ومنعه من مصاحبة الأنذال والأرذال وسقطة الناس وسفلة القوم ، فانهم أضر عليه من الجرب ، وأفسد من كل عدو فلا إله إلا الله كم أفسد الفاسد من صالح ، وكم اثر الجليس في جليسه ، وكم سحب الصاحب من صاحب ، وقد صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال (المرء على دين خليله ، فلينظر أحدكم من يخالل)(1)
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه فكل قرين بالمقارن يقتدي
خامسا: تنشئة الطفل تنشئة عصامية رجولية فتحبب له معالي الأمور وتكره إليه أراذلها،وقد صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال ( إن الله يحب معالي الأمور ويكره سفاسفها)(2) فلا يميع الطفل ولا يترك متشبها بالنساء والسقطة والأرذال فإنها حسرة عليه وعار وشنار.
سادسا: ملاحظة الطفل في زيه ولباسه وهيئته فيقوم بالأدب على منهاج السنة وعلى الطريقة المحمدية الكاملة فلا يتشبه بأعداء الله ، وقد صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال :"من تشبه بقوم فهو منهم "(1) فيجنب الذكر لبس الذهب والحرير والإسبال والميوعة والانكسار في الكلام وكثرة الضحك والعبث والطيش والعجلة والخفة والسخف وضياع الوقت وغير ذلك من المثالب والعيوب .
سابعا: تعظيم أمر الله في قلب الطفل وتعظيم كل ما له علاقة بالدين ، فيقدس الله عز وجل بأسمائه وصفاته وأفعاله، وينزه عن العيوب ويظهر هذا للطفل في تربيته ليغرس في نفسه تعظيم الله عز وجل وكلامه ورسوله صلى الله عليه وسلم .
ثامنا : توجيه الطفل لطلب العلم النافع وتحصيله ، والجد فيه والإخلاص في طلبه وبذلك الجهد في حفظه وتكراره و إشعار الطفل بثمرة العلم العظيمة اليانعة ونتائجه المعسولة عله أن يه من رقدة السبات وسنة الغفلة.
أبا بكر دعوتك لو أجبتا إلى ما فيه حظك لو عقلتا
إلى علم تكون به إماما رئيسا إن نهيت وإن أمرتا
تاسعا : الدعاء له بالتوفيق مع كل صلاة والإلحاح في مسألة المولى تبارك وتعالى أن يصلحه وأن يهديه وأن يأخذ بيده ، والضراعة في السحر ، وفي أوقات الإجابة أن يكتب الله الإيمان في قلبه وأن يؤيده بروح منه قال سبحانه ( والذين يقولون ربنا هب لنا.
عاشرا : رحمة هذا الطفل والشفقة عليه والعطف عليه وتقبيله ومداعبته وممازحته وإدخال السرور عليه وعدم الغلظة والفظاظة معه وعدم تجريحه أمام الناس ، وليفعل المسلم بأطفاله كما فعل رسول الهدى صلى الله عليه وسلم بالأطفال فإن الراحمين يرحمهم الله عز وجل .
اللهم اجعلنا مباركين أينما كنا ، ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما.

!
10-02-20, 02:59 PM
ظاهرة الإسراف في رمضان
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وبعد .
الإسراف من الذنوب والخطايا التي وقعت في الأمم المنحرفة وقد نها الله عنه وذمه فقال تعالى ( ولا تسرفوا.
الإسراف عادة لقوم لا يرجون لله وقارا ، ولا يحترمون نعم الله عز وجل، قال سبحانه ( ولا تبذر تبذيرا. لقد أكثر بعض الناس من الإسراف في رمضان.
فمن صور الإسراف: الإكثار من الطعام فوق الحاجة ، فان من الناس من تعود كثرة المطعومات والمشروبات ، فتراه في رمضان يملأ مائدته في الإفطار والسحور بكل ما لذ وطاب ثم تكون عرضة للإتلاف والرمي .
يا أيها الصائم إياك إياك والإسراف ، إن في المسلمين فقراء ومساكين ومحتاجين ومملقين ففطر عباد الله بما زاد على حاجتك لتكون لك ذخرا عند الله عز وجل ، قال سبحانه عن عباده الصالحين : (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً) (الانسان:8)
.
وقد صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال " يقول عز وجل يوم القيامة : يا ابن آدم استطعمتك ولم تطعمني قال وكيف أطعمك وأنت رب العالمين ؟ قال : أما علمت أن عبدي فلانا استطعمك فما أطعمته ، أما إنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي ....) الحديث (2)
[6]


ومن صور الإسراف : الإسراف في النوم فوق القدر المطلوب ، وخاصة في النهار ، فان بعض الصائمين جعلوا من أيامهم غفلة وسباتا عميقا ، والعجيب أن هؤلاء يسرفون في سهر لا طائل من ورائه ، سهر ضائع في القيل والقال والتوافه، والبعض يسهر في مزاولة أمور محرمة ومكروهة تغضب المولى تبارك وتعالى .
ومن صور الإسراف: الإسراف في الإعداد لعيد الفطر وتكليف النفس فوق طاقتها والتبذير في الإنفاق من لباس وهيئة ولعب ومباهج حتى إنك لترى بعض الفئات من الناس ينفقون الألوف المؤلفة في هذه الترهات بينما هم أبخل الناس في أبواب الخير وفي طرق البر .
فيا من أنعم الله عليه بالمال ، في المجتمع يتيم وفي الناس مسكين ، وفي جوارك فقير ، ألا تطعم جائعا ، ألا تكسو عاريا ، ألا تبني مسجدا ، ألا تواصل منقطعا، ألا تفك كربة مكروب.
ومن صور الإسراف عند بعض الصائمين كثرة الزيارة من غير طائل ولا فائدة والإكثار من الخلطة بالناس لغير مصلحة ، والاجتماع بالآخرين لغير نفع، فيذهب الزمن هدرا والعمر بددا والأيام ضياعا والأوقات لعبا ولسان الحال يقول (يا حسرتا على ما فرطنا فيه.
كذلك كثرة اجتماعات الناس على غير منفعة ، وكثرة المجالس الفارغة.
تعيش الدهر ويحك في غرور بها حتى إذا مت انتهيتا
ومن صور الإسراف : إدمان التسلية والترفيه في اللعب من كرة وتمارين رياضية ، والتنزهات ونحوها على حساب وقت الجد والعبادة والذكر والتلاوة وتحصيل العلم والدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، حتى إن بعض الناس يدفع الوقت دفعا عجيبا وينفقه بيد التبذير وغدا سيعلم إذا بعثر ما في القبور وحصل ما في الصدور أي شئ فعل .
إذا أنت لم ترحل بزاد في التقى ولاقيت بعد الموت من قد تزودا
ندمت على أن لا تكون كمثله وأنك لم ترصد لما كان ارصدا

ولعل صور الإسراف عند كثير من الناس متعددة.
· قوم أسرفوا في المعاصي والذنوب ، فإسرافهم أخطر إسراف وأسوأ تبذير
· وقوم أسرفوا في الوقت فنثروه شذر مذر وهم من أعظم الناس حسرة يوم العرض الأكبر.
· وقوم أسرفوا في الطعام والشراب واللباس فما زادهم إلا تعاسة وقلقا.
· وقوم أسرفوا في المباحات من لعب وتسليات وتنزهات فهم في الحقيقة مغبونون في أعمارهم.

نسأل الله التوفيق وسدادا ورشدا واقتصادا.

!
10-02-20, 02:59 PM
رمضان شهر البر والصلة
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وبعد.
ينكسر قلب الصائم وتذل نفسه وتزداد رحمته وشفقته ، وأحق الناس برحمة الصائم وبره وصلته هم أقاربه وأرحامه.
ورمضان يذكر المسلم بأن له أقارب وأصهارا وأرحاما فيزورهم ويصلهم ويبرهم ويتودد إليهم .
قال سبحانه وتعالى (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ )(محمد: من الآية22).
قطيعة الرحم من أعظم الذنوب وأفظع الخطايا وأجل الرزايا.
وصلة الرحم من أحسن الحسنات ومن أكبر الأعمال الصالحات.
يقول أحد الحكماء وهو يذكر تعامله مع أقاربه وموقفه من عشيرته:
وإن الذي بيني وبين بني أبي وبين بني عمي لمختلف جدا
إذا هتكوا عرضي وفرت عروضهم وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا

ولا أحمل الحقد القديم عليهم وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا

صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال " لما خلقت الرحم تعلقت بالعرش فقالت هذا مقام العائذ بك من القطيعة، قال: ألا ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك، قالت:بلى، قال فذلك لك."(1)
وصح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال " ليس الواصل بالمكافئ ولكن الواصل من إذا قطعت رحمه وصلها "(2).
وصح عنه عليه الصلاة والسلام أن رجلا قال له:"يا رسول الله:إن لي قرابة أصلهم ويقطعونني، وأحسن إليهم ويسيئون إلي: فقال عليه الصلاة والسلام:إن كنت كما تقول فكأنما تسفهم المل ولا يزال معك من الله ظهير"(3). ومعنى تسفهم المل أي تؤكلهم الرماد الحار.
كان أقارب الرسول عليه الصلاة والسلام إلا القليل من أشد الناس عداوة له، أخرجوه من داره ، طاردوه ، شردوه ، آذوه ، حاربوه، فلما نصره الله عليهم عفا عنهم عفوا ما سمع الناس بمثله.
صلة الرحم: تزيد في العمر وتبارك فيه وتزكيه ويكثر به الأجر وتتضاعف به المثوبة.
صلة الرحمن: عنوان على كمال الايمان وخشية الرحمن وامتثال القرآن.
صلة الرحم: تقي مصارع السوء وخزي الدنيا والآخرة وسوء المنقلب.
يروى في الأثر "إن الله أمرني أن أصل من قطعني وأن أعفو عمن ظلمني وأن أعطي من حرمني"
ومن أعظم الصلات وأرفع القربات بر الوالدين والحنو عليهما وإكرامهما والدعاء لهما وطاعتهما في طاعة الله عز وجل ( وقضى ربك الا تعبدوا إلا
جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال "يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي ؟ قال : أمك ، قال ثم من : قال : أمك قال ثم من ؟قال : ثم من ؟ قال : أبوك"(1).
ابن عاق ظلم أباه واستهان به وجحد معروفه وأنكر جميله فبكى الأب وأنشد يقول :
غذوتك مولودا وعلتك يافعا تعلى بما أجري عليك وتنهل
إذا ليلة ضاقتك بالسقم لم ابت لسقمك إلا شاكيا أتململ
كأني أنا الملدوغ دونك بالذي لدغت به من دوني فعيناي تهمل
فلما بلغت السن والغاية التي إليها مدى ما فيك كنت أأمل
جعلت جزائي غلظة وفظاظة كأنك أنت المنعم المتفضل

لعل الصيام أعظم مدرسة للبر والصلة ، فهو معين الأخلاق ورافد الرحمة وحبل المودة ، من صام رقت روحه وصفت نفسه وجاشت مشاعره ولانت عريكته ، لعلنا أن نعود في هذا الشهر إلى اقاربنا فنتحفهم بالزيارة والبذل والأنس والدعاء والصلة . والله لا يضيع أجر من أحسن عملا.
اللهم فقهنا في الدين وثبتنا على سنة إمام المتقين واهدنا سواء السبيل

!
10-02-20, 03:00 PM
رمضان شهر الرحمة بالمسلمين

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه وبعد .
الرحمة فضل من الله يضعه في قلب من يشاء ، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء.
[7]



والله رحمن رحيم يحب الرحماء ويدعو إلى الرحمة ويأمر عباده أن يتواصوا بالصبر والمرحمة، وقد فقد الإنسان الرحمة لأسباب كثيرة منها : كثرة الذنوب والمعاصي فإنها ترين على القلب حتى يعمى ويصبح اشد قسوة من الحجارة ، قال تعالى عن بني إسرائيل( ثم قست قلوبهم.
وقال سبحانه عنهم لما أعرضوا وتمردوا على شرعه ()فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ)(النساء: من الآية155). ومما يذهب الرحمة الطغيان بالمال والتكبر بالغنى. قال سبحانه (كلا إن الإنسان ليطغى. ويوم يهذب القلب بالإيمان والعمل الصالح يمتلئ رحمة وحنانا.
ولعل من الأسباب في ضعف الرحمة كثرة الشبع، فانه يورث الأشر والبطر، ولذلك جاء شهر الصيام ليكسر هذا الجموح ويحطم هذا التفلت.
فالصائم من أرحم الناس لانه ذاق الجوع ووجد الظمأ وعاش المشقة ، فبدأت نفسه تتوق لرحمة المسلمين والحنان إليهم واللطف بهم.
إن الرحمة مطلوبة من كل مسلم لأخيه المسلم ، مطلوبة من المسئول الراعي أن يرحم رعيته ، وأن يشفق عليهم وأن يلين لهم . صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال :" اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به"(1)
[8] وصح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال " من ولاه الله أمرا من امر أمتي فاحتجب دون حاجتهم وخلتهم وفقرهم ، احتجب الله دون حاجته وخلته وفقره يوم القيامة"(2)
والرحمة تطلب من العالم والأستاذ بطلابه فيرفق بهم ويتوخى بهم أيسر السبل وأحسن المسالك ليحبوه وينتفعوا بكلامه، فيجعل الله له أعظم الأجر وأجل المثوبة، واسمع لقوله سبحانه مادحا رسوله عليه الصلاة والسلام (فبما رحمة من الله.
والرحمة تطلب من الامام بالمأمومين فلا يشق عليهم ولا يدخل الضرر عليهم ، بل يكون رفيقا حكيما ، صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال " من أم منكم بالناس فليخفف فإن فيهم الكبير والمريض والصغير وذا الحاجة"(3).
أو كما قال عليه الصلاة والسلام وصح عنه عليه الصلاة والسلام أنه لما أطال معاذ بالناس قال له صلى الله عليه وسلم" أفتان أنت يا معاذ؟ أفتان أنت يا معاذ ؟ أفتان أنت يا معاذ"(4)
وصح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال لعثمان بن أبي العاص الثقفي لما قال : يا رسول الله .اجعلني إمام قومي ، قال :"أنت غمامهم واقتد بأضعفهم واتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرا"(4).
والرحمة مطلوبة من الداعية المسلم بالمدعوين فينصح لهم بلطف ويبين لهم بشفقة فلا يفضح ولا يجرح ولا يشهر بالناس ولا يشنع بالعصاة على رؤوس الأشهاد قال عز وجل موصيا موسى وهارون عليهما السلام في دعوتهما لفروعون الطاغية (فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً)(طـه: من الآية44). وقال سبحانه()ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ )(النحل: من الآية125).
يقول الشافعي :
تعمدني بنصحك في انفراد وجنبني النصيحة في الجماعة
فان النصح بين الناس نوع كم التوبيخ لا أرضى سماعه
فإن خالفتني وعصيت امري فلا تجزع إذا لم تعط طاعة
والرحمة مطلوبة من الوالد بأولاده ، وقد سبق هذا في درس " كيف نربي أطفالنا" ورحمة الوالد والأم بالأطفال له أعظم الأثر في إصلاحهم وفلاحهم وطاعتهم. فإن الصلف والغلظة باب شؤم، وقد صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال " ما كان الرفق في شئ إلا زانه، وما نزع الرفق من شئ إلا شانه"(1).
يا صائما جاع بطنه، إن آلاف البطون جوعى تنتظر لقمة فهل من مطعم؟
يا صائما ظمأت كبده إن آلاف الأكباد ظمأى تنتظر جرعة من ماء فهل من ساق؟
يا صائما يرتدي أجمل اللباس إن آلاف الناس في عري ينتظرون قطعة من قماش فهل من كاس؟
اللهم ارحمنا رحمة واسعة تغفر بها الذنب وتمحو بها الخطيئة وتعفو بها عن الزلل.

!
10-02-20, 03:00 PM
كيف نحي السنة في رمضان

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه وبعد.
إمام الأمة وقدوة الناس هو محمد صلى الله عليه وسلم ، لا سعادة إلا في إتباعه ، ولا فلاح إلا في اقتفاء أثره قال تعالى " )الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ )(لأعراف: من الآية157).
الجنة لا تدخل بعد إرساله صلى الله عليه وسلم إلا من طريقه، سنته كسفينة نوح من ركب فيها نجا ومن تخلف هلك قال الله تعالى (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً)(الأحزاب:21).
صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال :" عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي ، عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمر فان كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة"(2).
وصح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال:"من رغب عن سنتي فليس مني "(3)
وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:"من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد"(4).
ويقول عز وجل()وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً)(الأحزاب:36).
ومنع الله التقدم بين يديه ويدي رسوله عليه الصلاة والسلام فقال.:( )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (الحجرات:1)
وشهر رمضان هو موسم مبارك لإحياء السنة المطهرة في النفس والبيت والمجتمع .
أما سنن الصيام فمر شئ من ذلك في أول الكتاب عن هديه صلى الله عليه وسلم في رمضان.
وأما السنن العامة التي تجب على الصائم المسلم أن يقوم بها في كل وقت فمنها :
ما صح عنه عليه الصلاة والسلام عند مسلم والخمسة أنه قال:" عشر من الفطرة:قص الشارب، وإعفاء اللحية ، واستنشاق الماء ، وقص الأظافر ، وغسل البراجم ، ونتف الإبط، وحلق العانة ، وانتقاص الماء".
وصح عنه عليه الصلاة والسلام أنه نهى عن إسبال الإزار وما في حكمه، فقال كما عند مسلم :"لا ينظر الله إلى من جر ثوبه خيلاء". وصح عنه أنه قال :"ما أسفل من الكعبين فهو في النار".(5).
وصح عنه عليه الصلاة والسلام أنه نهى عن أمور كثيرة منها :نهيه عليه الصلاة والسلام "أن يشرب الرجل قائما ". رواه مسلم وأبوداود والترمذي عن أنس.
ونهيه عليه الصلاة والسلام عن إقامة الرجل والجلوس في مقعده".رواه البخاري عن ابن عمر.
ونهيه عليه الصلاة والسلام "عن أن يمس الرجل ذكره بيمينه، وأن يمشي في نعل واحدة ، وأن يشتمل الصماء، وأن يحتبي في ثوب ليس في فرجه ثوب منه". رواه النسائي بسند صحيح عن جابر.
"ونهى عليه الصلاة والسلام أن ينفخ في الشراب". رواه الطبراني عن سهل بن سعد وهو صحيح.
"ونهى عن الأكل والشرب في إناء الذهب والفضة". رواه النسائي عن أنس وهو صحيح.
"ونهى عليه الصلاة والسلام عن التختم بالذهب". رواه الترمذي بسند صحيح.

[9]
"ونهى صلى الله عليه وسلم الرجال عن لبس الذهب والحرير، وأحله للنساء". رواه النسائي وأحمد بسند صحيح.
"ونهى عليه الصلاة والسلام عن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس وبعد العصر حتى تغرب" متفق عليه.
"ونهى عليه الصلاة والسلام عن الصلاة إلى القبور". رواه ابن حبان عن أنس بسند صحيح.
"ونهى عليه الصلاة والسلام عن النوم قبل العشاء ، وعن الحديث بعدها". رواه الطبراني بسند صحيح.
"ونهى عن النياحة " رواه أبو داود وهو حديث صحيح.
"ونهى عن نتف الشيب" . رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة بسند صحيح.
"ونهى عن صيام يوم الجمعة أي إفراده بالصيام". متفق عليه عن جابر.
"ونهى عن بيع فضل الماء" . رواه مسلم وغيره.
"ونهى عن الوشم". رواه أحمد بسند صحيح.
"ونهى عن الوصال ". متفق عليه إلى غيرها من المناهي المعلومة في السنة الصحيحة .
ومن السنن الصحيحة الثابتة عنه عليه الصلاة والسلام سنة السواك فقد صح عنه أنه قال " لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء".(1) وفي لفظ "عند كل صلاة". وصح عنه أنه قال :"السواك مطهرة للفم ومرضاة للرب".(2)
ومن السنن تحية المسجد ركعتان قبل الجلوس وهذا عند البخاري وسلم والبدء بالرجل اليمنى عند دخول المسجد واليسرى عند الخروج . والبدء بلبس النعل باليمنى والخلع باليسرى، والاستئذان ثلاثا، فإن أذن وإلا فليرجع المستأذن وهذا ثابت بحديث صحيح ، وإنما أشرت إلى السنن العملية اليومية .
اللهم وفقنا لاتباع السنة والعمل بها والمحافظة عليها .

!
10-02-20, 03:00 PM
رسالة إلى المرأة المسلمة بمناسبة رمضان

الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه وبعد .
أختي المسلمة : سلام الله عليك ورحمته وبركاته.
أثنى الله عز وجل على المسلمات المؤمنات الصابرات الخاشعات ووصفهن بأنهن حافظات للغيب بما حفظ الله ، ولما ذكر الله عز وجل أوصاف الصالحين بقوله ( فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع.
وبمناشبة هذا الشهر أزف إليك يا فتاة الاسلام ويا أمة الله التهنئة بهذا الشهر سائلا الله لي ولك المغفرة والتوبة النصوح وتقبلي منا بهذه المناسبة باقة من النصائح أطلعت عشر زهرات:
الأولى : المرأة المسلمة تؤمن بالله عز وجل ربا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا وبالاسلام دينا وتظهر آثار الإيمان عليها قولا وعملا واعتقادا ، فهي تحاذر غضب الله وتخشى أليم عقابه ومخالفة أمره.
الثانية: المرأة المسلمة تحافظ على الصلوات الخمس بوضوئها وخشوعها في وقتها فلا يشغلها عن الصلاة شاغل ولا يلهيها عن العبادة ملهي فتظهر آثار الصلاة فإن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر وهي الحرز العظيم من المعاصي.
الثالثة: المرأة المسلمة تحافظ على الحجاب وتتشرف بالتقيد به فهي لا تخرج إلا متحجبة تطلب ستر الله وتشكره على أن أكرمها بهذا الحجاب وصانها وأراد تزكيتها . قال سبحانه (يا أيها النبي قل لأزواجك.
الرابعة : المرأة المسلمة تحرص على طاعة زوجها فتلين معه وترحمه وتدعوه إلى الخير وتناصحه وتقوم براحته ولا ترفع صوتها عليه ولا تغلظ له في الخطاب.
وقد صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال :" إذا صلت المرأة خمسها وصامت شهرها وأطاعت زوجها دخلت جنة ربها "(1).
الخامسة :المرأة المسلمة تربي أطفالها على طاعة الله تعالى ، ترضعهم العقيدة الصحيحة، وتغرس في قلوبهم حب الله عز وجل وحب رسوله صلى الله عليه وسلم وتجنبهم المعاصي ورذائل الأخلاق ، قال سبحانه( قوا أنفسكم.
السادسة : المرأة المسلمة لا تخلو بأجنبي وقد صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال : ما خلت امرأة برجل إلا كان الشيطان ثالثهما"(2). وهي لا تسافر بلا محرم ولا تجوب الأسواق والمجامع العامة إلا لضرورة ، وهي متحجبة محتشمة متسترة.
السابعة: المرأة المسلمة لا تتشبه بالرجال فيما اختصوا به ، وقد قال عليه الصلاة والسلام "لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال"(3) .حديث صحيح . ولا تتشبه بالكافرات فيما انفردن به من أزياء وموضات وهيئات . وقد قال عليه الصلاة والسلام :"من تشبه بقوم فهو منهم "(4) .حديث صحيح.
الثامنة : المرأة المسلمة داعية إلى الله عز وجل في صفوف النساء بالكلمة الطيبة ، بزيارة جاراتها ،بالاتصال بأخواتها بالهاتف، بالكتيب الإسلامي ، بالشريط الإسلامي، وهي تعمل بما تقول وتحرص على أن تنقذ نفسها وأخواتها من عذاب الله تعالى، صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال :"لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم "(5)
[11]

التاسعة: المرأة المسلمة تحفظ قلبها من الشبهات والشهوات وعينها من الحرام وأذنها من الغناء والخنا والفجور وجوارحها جميعا من المخالفات ، وتعلم أن هذا هو التقوى ، وقد صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال :"استحيوا من الله حق الحياء ومن استحيا من الله حق الحياء حفظ الرأس وما وعى والبطن وما حوى ومن تذكر البلى ترك زينة الحياة الدنيا"(1).
العاشرة: المرأة المسلمة تحفظ وقتها من الضياع ، وأيامها ولياليها من التمزق فلا تكون مغتابة نمامة سبابة لاهية ساهية قال سبحانه ) )وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا)(الأنعام: من الآية70).
وقال تعالى عن قوم ضيعوا أعمارهم أنهم يقولون ()يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ)(الأنعام: من الآية31).
اللهم أهد فتاة الإسلام لما تحبه وترضاه واعمر قلبها بالإيمان.

!
10-02-20, 03:00 PM
هموم العالم الإسلام في شهر رمضان
الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه وبعد.
فيقول الله عز وجل()إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) (الانبياء:92) ) وقال سبحانه ()إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ )(الحجرات: من الآية10).
وصح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال:"مثل المسلمين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر" (2).
المسلمون يعيشون هذا الشهر وهم في مآس وأزمات.
· شيوعية حمراء تأكل الأخضر واليابس وتسحق المسلمين بالحديد والنار وتغرس الإلحاد في قلوب الأجيال وتبث أفكارها في عالم الاقتصاد والمال والنظريات العلمية.
· والرأسمالية تطفح بالشهوات فهي تكيد للعالم الإسلامي بالغزو الفكري وسيلتها في ذلك المرأة والكأس ومفاتن الحياة من لهو وترف وترفيه محرم ومجون وإغراء.
· وعلمانية تدعو إلى الفصل بين الدين والدنيا وإقصاء الإسلام عن مسرح الحياة بحجة أن الدين يفرق بين الشعوب ، والعلمانية فكر ملحد كافر لا يقر الديانات كلها ولا يرضى بالإسلام جملة وتفصيلا في شئون الحياة .
· وماسونية أنتجها اليهود جاءت لهدم الأديان بما فيها الإسلام وهي في ظاهرها تدعو لتوحيد الأجناس ولها وسائل وطقوس وشارات وأحزاب وهي سرية العمل عالمية التأثير صهيونية النشأة.
العالم الإسلامي مثخن بالجراح :
· سلبت منه فلسطين ، والمسجد الأقصى في الأسر ، والشيوخ والنساء والأطفال يذبحون صباح مساء ، ولن يعيد فلسطين إلى بلاد المسلمين إلا الإسلام بغضبة عمر بن الخطاب ، وإقدام صلاح الدين وصدق ابن تيمية .
المرأة المسلمة تحارب في حجابها وسترها وعرضها ودينها وعفافها .
الشباب يفتنون بوسائل الهدم واغراءات الشيطان وملذات الهوى .
التنصير يجوب العالم الإسلامي شرقا وغربا وشمالا وجنوبا.
فرقة المسلمين إلا من رحم ربك ، وهذه الفرقة توهن الصف وتفرق الكلمة وتفت في العضد.
فما موقف المسلم من ذلك ؟ لعله أن يتذكر إخوانه المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها .
إن المطلوب من المسلم أن يعيش لهذه القضايا الكبرى بمشاعره بماله وبدعائه بتوعية إخوانه المسلمين أمام هذه الأخطار ، بجمع كلمة المسلمين ليكونوا صفا واحدا ولا تنازعوا فتفشلوا بأخبار الناس بهذه المصائب التي يعيشها العالم الإسلامي لتكون هي قضايا الساعة ولا يحتقر المسلم نفسه ففي كل مسلم خير .
والمطلوب من المسلم أن يجاهد إن تمكن وانتفت المعاذير ، أن يجاهد بنفسه وماله ، ، وإلا بماله يساند إخوانه يهب بدرهمه وديناره لنصرة الإسلام .
وأن يكثر من الدعاء في أدبار الصلوات وفي السحر وساعات القبول للمسلمين بالنصر والتمكين في الأرض.
وأن يدعو إلى تقوى الله عز وجل فما أصبنا به من كوارث ومصائب ودواهي إلا بذنوبنا وتقصيرنا ()َوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)(آل عمران: من الآية165).
تعودت الأمة الإسلامية أن تعيش رمضان انتصارات وفتوحات لكنها في السنوات الأخيرة لما ضعفت في حمل الرسالة وانغمست في الدنيا أصبحت تعيش رمضان هما وحزنا وتقتيلا وتشريدا وإبادة.
ولكن إذا عدنا إلى الله نصرنا () إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ)(محمد: من الآية7). () وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ)(آل عمران: من الآية126). ()إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ )(آل عمران: من الآية160).
اللهم إنا نسألك نصرك الذي وعدتنا، اللهم ثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين.

!
10-02-20, 03:01 PM
رمضان يدعو إلى حفظ الوقت

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه وبعد.
فما أسرع انصرام العمر ومرور الأيام وتعاقب الليالي.

دقات قلب المرء قائلة له إن الحياة دقائق وثواني
فارفع لنفسك قبل موتك ذكرها فالذكر للإنسان عمر ثان
وصف الله جواب اللاعبين والمفرطين يوم القيامة فقال تعالى (قال كم لبثتم.
قال أحد الصالحين : العمر قصير فلا تقصره بالغفلة ، وهذا حق ، فإن الغفلة تقصر الساعات وتستهلك الليالي.
وصح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس ، :الصحة والفراغ "(1)
فكثير من الناس صحيح معافى فارغ وعمره يمر أمامه لا يستفيد منه ولا يستثمره.
وقد صح عنه عليه الصلاة السلام أنه قال " لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن اربع وذكر عمره فيما أبلاه"(2)
العم كنز من أنفقه في طاعة الله وجد كنزه يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم ، وإن أنفقه في الغفلة والمعاصي واللهو واللعب ندم ندامة ما بعدها ندامة ، وقال : يا حسرتنا على ما فرطنا فيها .
[12]
الليل والنهار مطيتان تنقلان الانسان إلى السعادة الأبدية أو إلى الخسران.
كان السلف يبادرون أنفاسهم في حفظ أوقاتهم ولهم في ذلك قصص عجيبة ، منهم من كان يقرأ القرآن وهو في سياق الموت كالجنيد بن محمد فقال له ابناؤه :أجهدت نفسك ، فقال : ومن أحق الناس بالاجهاد إلا أنا .
وكان الأسود بن يزيد التابعي يصلي أكثر الليل فقال له بعض أصحابه: لو ارتحت قليلا، قال: الراحة أريد . يعني الآخرة
وجلس سفيان الثوري في الحرم مع قوم يتحدثون فقام من بينهم فزعا وهو يقول : نجلس هنا والنهار يعمل عمله.
ومن السلف من قسم نهاره وليله إلى ساعات ، فساعات صلاة وتلاوة وذكر وتفكر وطلب علم وكسب حلال ونوم ، لم يكن للعب عندهم وقت .
أما المتأخرون فأصيبوا بمصيبة ضياع الوقت إلا من رحم ربك ، كثرة نوم وبطالة وغفلة وشرود وإسراف في المباحات والملهيات ، وجلسات لا فائدة فيها ، واجتماعات إن لم تكن معصية كانت طريقا إلى المعصية وسببا لها .
من أعظم ما ينظم الوقت ويرتب الأعمال الصلوات الخمس ، يقول عز من قائل ( إن الصلاة كانت .
فبعد الفجر وهو زمن الحفظ والتلاوة والذكر والتأمل ، ومن ارتفاع الشمس إلى الظهر هو وقت العمل والكسب والتجارة وطلب العلم والسعي في الأرض ، وبعد صلاة الظهر خاصة لطلبة العلم هو وقت قراءة المجاميع العامة وكتب التاريخ ، وبعد العصر هو زمن المكتبة والتحصيل الجاد وتحقيق المسائل ، وبعد المغرب لزيارة الإخوان واستقبال الأصحاب ، وبعد صلاة العشاء الأهل ثم النوم فقيام آخر الليل ، ويوم الخميس زمن نزهة وراحة مباحة ، ويوم الجمعة يوم عبادة وتلاوة وذكر واستعداد للجمعة بغسل وسواك وطيب ولباس وتبكير.
وشهر رمضان مدرسة لتنظيم وقت المسلم واستثمار هذا الوقت فيا يقرب من الله عز وجل .
الصائم في النهار متفرغ للعبادة إذ هو معافى من تهيئة الطعام وإعداده وتحضيره والتشاغل به وهذه الأمور التي تأخذ وقتا طويلا وقد توفر هذا الوقت للصائم فزاده في وقت العبادة والعمل الصالح .
من الناس من لا يدري معنى الصيام فهو في غفلة كبرى وفي سبات عميق ، قطع نهاره نوما وقطع ليله سفرا ضائعا :
يا مذهبا ساعات عمر مالها عوض وليس لفوتها إرجاع
أنفقت عمرك في الخسار وإنه عمل ستأتي بعده أوجاع

اللهم أحفظ علينا أعمارنا وثبت أقدامنا واستعملنا في طاعتك يا رب العالمين

!
10-02-20, 03:01 PM
في رمضان تتجلى صور الحب والتآخي بين المسلمين

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه وبعد.
فالمسلمون يد واحدة وقلب واحد وكيان واحد ، المسلمون كما وصفهم عليه الصلاة والسلام بأنهم كالجسد الواحد ولم يجمع شتاتهم إلا الإسلام، ولن يؤاخي بينهم إلا الإسلام. ()وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ )(لأنفال: من الآية63).
ليس عند المسلمين وحدة لغة أو دم أو لون أو جنس أو وطن ، عند المسلمين وحدة دين ، تجمعهم مظلة لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
المسلمون يتمايزون بالتقوى ويتفاضلون بالعلم () إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)(الحجرات: من الآية13)
لما دعا محمد عليه الصلاة والسلام إلى الإسلام جاء المؤذن من الحبشة يقول لبيك اللهم لبيك ، وخرج لسان الحال بسلمان الفارسي ليقول :"سلمان منا آل البيت". وهب صهيب الرومي ينادي الله أكبر ، الله أكبر ، وتخلف أهل التمييز العنصري : الوليد بن المغيرة وأبو جهل وأبو لهب.
صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال : " يا بني هاشم ليأتين الناس يوم القيامة بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم ". وفي الصحيح عنه أنه قال صلى الله عليه وسلم "ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه"(1)
قال الأول :
إذا فاخرت بآباء لهم كرم نعم صدقت ولكن بئس ما ولدوا
وقال الآخر:ليس الفتى من يقول كان أبي إن الفتى من يقول ها أنا ذا
المسلمون جمعية كبرى ، عضوها كل بار مؤمن راشد، والإسلام ليس لأمة دون أخرى ، فالإسلام للعرب والهنود والأتراك والباكستان والأفارقة بل لكل العالم ، أبو بكر الصديق رضي الله عنه قرشي وبلال حبشي وصهيب رومي وسلمان فارسي ومحمد الفاتح تركي وإقبال هندي وصلاح الدين كردي جمعتهم جميعا لا إله إلا الله محمد رسول الله .
وفي رمضان تظهر هذه الوحدة العظيمة ، فشهر واحد وصيام واحد وقبلة واحدة ، ومنهج واحد .
نصلي جميعا وراء إمام واحد والله يقول لنا :(وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ)(البقرة: من الآية43)وقال سبحانه()وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ)(البقرة: من الآية238).
خاطبنا الله بالصيام جميعا فقال ()يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)(البقرة:183)
حجنا واحد في زمن واحد على صعيد واحد ()فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ)(البقرة: من الآية198.
دعانا الله إلى الاعتصام بحبله ونبذ الفرقة فقال (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا و)(آل عمران: من الآية103).
نهانا سبحانه عن الفرقة فقال ()َلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ)(آل عمران: من الآية105).
وصح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال : "إن الله أوحي إلي أن تواضعوا حتى لا يبغى على أحد على أحد ولا يفخر ولا يفخر أحد أحد على أحد.
إن يختلف ماء الوصال فماؤنا عذب تحدر من غمام واحد
أو يفترق نسب يؤلف بيننا دين أقمناه مقام الوالد
وصح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال :" المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا"(2)
وفي الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال " المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره بحسب المسلم من الشر أن يحقر أخاه المسلم ، كل المسلم على المسلم حرام ، دمه وماله وعرضه"(3)
من لوازم الأخوة السؤال عن حال أخيك المسلم زيارته في الله ، عيادته إذا مرض ، السلام عليه عند اللقاء ، البشاشة في وجهه ، تشميته إذا عطس ،إجابة دعوته ، تشييع جنازته ، الدعاء له بظهر الغيب ، الذب عن عرضه ،سد حاجته ، الوقوف إلى جانبه ، نصره إذا ظلم ، نصيحته وتوجيهه، إلى غير ذلك من الحقوق ، كل مسلم في الأرض أخ لك أخوة إيمانية قرآنية شرعية كتب عقدها الله وجاء بصفتها محمد صلى الله عليه وسلم .
اللهم ألف بين قلوبنا واجمع شملنا ووحد صفوفنا يا أكرم الأكرمين.

!
10-02-20, 03:02 PM
شهر رمضان موسم مبارك للدعوة الإسلامية

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه أجمعين وبعد.
فالدعوة الإسلامية مهمة الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام ، ما من نبي إلا قام داعية ومعلما كلهم يقول :"اعبدوا الله ما لكم.
ويقول الداعية منهم لقومه " وما أسألكم عليه من أجر
يقول عز من قائل ()ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ)(النحل: من الآية125). ويقول تبارك اسمه :" )قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ)(يوسف:108).
والبصيرة هي العلم النافع والعمل الصالح. ويقول تعالى": )َمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ)(فصلت: من الآية33)الدعوة إلى الله لها آداب خمسة مع خمس وسائل وخمس نتائج:
أما آدابها الخمسة فهي:
أولا : الإخلاص لله والصدق مع الله وطلب ما عند الله تعالى ، يقول تعالى :"(وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)(التوبة: من الآية31) . وقد أخبر المعصوم عليه الصلاة والسلام أن من أول من تسعر بهم النار ثلاثة ومنهم: عالم تعلم العلم ليقال عالم وقد قيل . وهو حديث صحيح (1)
ثانيا العمل بما يدعو إليه فإن مخالفة الفعل للقول فضيحة وعار ، قال سبحانه ( أتأمرون الناس بالبر.
يقول الشاعر:
يا أيها الرجل المعلم غيره هلا لنفسك كان ذا التعليم
تصف الدواء لذي السقام وذي الضنا كيما يصح به وانت سقيم
ابدأ بنفسك فانهها عن غيها فإذا انتهت عنه فأنت حكيم
ثالثا: اللين في تبليغ الدعوة (فقولا له قولا لينا) ويقول سبحانه (فبما رحمة من الله لنت لهم.
وصح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال ""يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا"(2)
رابعا: التدرج في الدعوة والبدء بالأهم فالمهم، كما فعل عليه الصلاة والسلام في دعوته للناس ، وكما قال لمعاذ لما أرسله إلى اليمن فقال :" إنك تأتي قوما أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة ألا إله إلا الله وأني رسول الله ، فإن هم أجابوك لذلك فأخبرهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة ".الحديث متفق عليه.
خامسا : مخاطبة كل قوم بما يناسبهم وما يحتاجونه فلأهل المدن خطاب ، ولأهل القرى خطاب ، ولأهل البوادي خطاب ، وللمتعلم مقام وللجاهل مقام ، وللمجادل أسلوب وللمذعن أسلوب( ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثير"
ووسائل الدعوة خمس :
أولها : الدعوة الفردية وهي مخاطبة المدعو منفردا عن الناس إذا كانت المسألة تخصه.
ثانيها : الدعوة العامة في هيئة محاضرة ، أو موعظة وهي تنفع العامة وجمهور المسلمين.
ثالثها: الدرس الخاص بطلبة العلم كل في فنه وهذه مهمة العلماء القائمين بفنونهم.
رابعها: الدعوة بالمكاتبة والمراسلة والتآلف والهدايا وتقديم النفع للمدعو.
خامسها : الدعوة بالوسائل الحديثة الإعلامية واستغلالها في رفع كلمة الحق .
[14]
أما نتائجها فخمس
أولها : إحراز منصب ورثة الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام فهم الدعاة الأوائل والمنائر السامقة في عالم الدعوة .
ثانيها :استغفار المخلوقات لمعلم الناس الخير حتى الحيتان في البحر كما صح به الحديث.
ثالثها : كسب أجور عظيمة بقدر أجور المدعوين فقد صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال :"من دعا إلى سنة حسنة كان له من الأجر مثل أجور من تبعه دون أن ينقص من أجورهم شيئا"(1)
رابعها : انتقال الداعية من منزلة المدعو إلى منزلة الداعي فيؤثر في غيره ويتأثر بغيره من دعاة السوء.
خامسها: إمامته في الناس والاقتداء به ، فان الله عز وجل وصف الصالحين وذكر أنهم يدعون ويقولون ( واجعلنا للمتقين إماما)
وفي رمضان تهيج مشاعر الدعاة وتنطلق ألسنتهم وتجود أقلامهم وترحب بهم المنابر لسماع دعوتهم وكلامهم فهل من داعية يجود بالعلم في هذا الشهر لينفع الله به.
اللهم زدنا علما نافعا وعملا صالحا وفقها في الدين.

!
10-02-20, 03:02 PM
للصائم دعوة لا ترد
الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه وبعد.
فقد صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال :"للصائم دعوة لا ترد"، لماذا ؟ لان الصائم منكسر القلب ضعيف النفس ، ذل جموحه وانكسر طموحه واقترب من ربه وأطاع مولاه، ترك الطعام والشراب خيفة من الملك الوهاب ، كف عن الشهوات طاعة لرب الأرض والسموات ، صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال :"الدعاء هو العبادة"(2)، إذا رأيت العبد يكثر من الإلحاح في الدعاء فاعلم انه قريب من الله واثق من ربه .
قال الصحابة يا رسول الله :"أربنا قريب فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ فأنزل الله عز وجل( وإذا سألك عبادي عني.
وقد صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال :"إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا وإنما تدعون سميعا بصيرا أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته"(3).
الدعاء حبل مديد وعروة وثقى وصلة ربانية ، صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال :"لن يهلك أحد مع الدعاء".
الله ينادينا أن ندعوه ويطلب منا أن نسأله ()ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً)(لأعراف: من الآية55).
)وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ )(غافر: من الآية60).
لو لم ترد نيل ما أرجو وأطلبه من جود كفك ما علمتني الطلبا
صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال :" ينزل ربنا إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول : هل من سائل فا‘طيه ، هل من داع فاجيبه ، هل من مستغفر فأغفر له ".
وشهر رمضان هو شهر الدعاء وشهر الإجابة وشهر التوبة والقبول.
فيا صائما قد جفت شفته من الصيام وظمأت كبده من الظمأ وجاع بطنه أكثر من الدعاء وكن ملحاحا في الطلب وصف الله عباده الصالحين فقال : (إنهم يسارعون في الخيرات.
وللدعاء يا صائمون آداب ينبغي على الصائم معرفتها ، ومنها:
عزم القلب والثقة بعطاء الله عز وجل وفضله ، صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال :"لا يقل أحدكم اللهم اغفر لي إن شئت ولكن ليعزم المسألة فإن الله لا مكره له "(4)[15]
ومن الآداب الثناء على الله تعالى والصلاة على رسوله صلى الله عليه وسلم في أول الدعاء وأواسطه وآخره ، ومنها توخي أوقات الإجابة كالثلث الأخير من الليل وفي السجود وبين الأذان والإقامة وفي أدبار الصلوات وآخر ساعة من يوم الجمعة وبعد العصر ويوم عرفة ، ومنها تجنب السجع في الدعاء والتكلف والتعدي فيه ، ومنها الحذر من الدعاء بإثم أو قطيعة رحم.
أيها الصائم قبل الغروب لك ساعة من أعظم الساعات ، قبل الإفطار يشتد جوعك ويعظم ظمؤك فأكثر الدعاء وزد في الإلحاح وواصل الطلب ، ولك في السحر ساعة فجد على نفسك بسؤال الحي القيوم فإنك الفقير وهو الغني وإنك الضعيف وهو القوي وإنك الفاني وهو الباقي :
يا رب عفوك ليس غيرك يقصد يا من له كل الخلائق تصمد
أبواب كل مملك قد أوصدت ورأيت بابك واسعا لا يوصد.
دعا إبراهيم عليه الصلاة فقال:(رب اجعلني مقيم الصلاة.
ودعا موسى عليه السلام فقال:(رب اشرح لي صدري. ويسر لي أمري)
ودعا سليمان عليه السلام فقال:(رب اغفر لي وهب لي ملاك لا ينبغي لأحد من بعدي)
ودعا محمد صلى الله عليه وسلم فقال كما في الصحيح:"اللهم رب جبريل وميكائيل واسرافيل فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم"(1).
للدعاء أربع فوائد:
الأولى:عبودية الله عز وجل وتذلل وثقة به ، وهي مقصود العبادة وثمرتها.
الثانية: تلبية الطلب إما لاعطاء خير أو دفع ضرر، وهذا لا يملكه إلا الله عز وجل.
الثالثة: ادخار الأجر والمثوبة عند الله إذا لم يجب الداعي في الدنيا، وهذا أنفع وأحسن.
الرابعة:إخلاص التوحيد بطريق الدعاء وقطع العلائق بالناس والطمع فيما عندهم.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب.

!
10-02-20, 03:02 PM
هدايا للصائمين

الحمد، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه وبعد.
لا أجد أحسن هدية ولا أعظم تحفة ولا أجل عطية، من أن أقدم للصائم هدايا من رسول الهدى عليه الصلاة والسلام يهديها لكل مسلم ، إنها تلك الأحاديث العملية التي ذكرت مقرونة بالأجر والثواب ،إنها تلك الأحاديث التي هي من أبواب السعادة ومن طرق الخير في الدنيا والآخرة.
أيها الصائم دونك الأحاديث وأحرص على العمل بها .
يقول عليه الصلاة والسلام :" من قال إذا اصبح :لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، وهو على كل شئ قدير كان له عدل رقبة من ولد إسماعيل وكتبت له بها عشر حسنات ، وحط عنه بها عشر سيئات ، ورفع له بها عشر درجات ، وكان في حرز من الشيطان حتى يمسي ، وإذا قالها إذا أمسى كان له مثل ذلك حتى يصبح". رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة وسنده صحيح.
وقال عليه الصلاة والسلام :"من قال حين يصبح أو حين يمسي :"اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني ، وأنا عبدك ، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت ،أعوذ بك من شر ما صنعت ، أبوء لك بنعمتك علي ، وأبوء بذنبي ،فاغفر لي ،إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ، فمات من يومه أو ليلته دخل الجنة ". رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة وابن حبان والحاكم بسند صحيح وهو عند البخاري بلفظ آخر .
وقال عليه الصلاة والسلام :" من قال حين يصبح وحين يمسي :سبحان الله العظيم وبحمده ، مائة مرة ، لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به إلا أحد قال مثل ذلك وزاد عليه". رواه مسلم وأحمد وأبو داود والترمذي.
وقال عليه الصلاة والسلام :" من قال رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا وجبت له الجنة". رواه أبو داود وابن حبان والحاكم وهو حديث صحيح.
وقال عليه الصلاة والسلام :"من قال سبحان الله العظيم وبحمده ، غرست له نخلة في الجنة ". رواه الترمذي وابن حبان والحاكم وهو حديث صحيح.
وقال عليه الصلاة والسلام :"من قال سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة حطت خطاياه ، وإن كانت مثل زبد البحر". متفق عليه.
وقال عليه الصلاة والسلام :" من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين، ومن قام بمائة آية كتب من القانتين، ومن قام بألف آية كتب من المقنطرين". رواه أبو داود وابن حبان وهو حديث صحيح.
وقال عليه الصلاة والسلام:" من قال حين يمسي : بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شئ في الارض ولا في السماء ، وهو السميع العليم، ثلاث مرات ، لم يصبه فجأة بلاء حتى يصبح ، ومن قالها حين يصبح ثلاث مرات، لم يصبه فجأة بلاء حتى يمسي ". رواه ابو داود وابن حبان والحاكم وهو حديث صحيح.
وقال عليه الصلاة والسلام :" من قال حين يمسي ثلاث مرات :أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضره لدغة حية في تلك الليلة".رواه الترمذي وابن حبان والحاكم وهو حديث صحيح.
وقال عليه الصلاة والسلام :" من قال إذا خرج من بيته، بسم الله توكلت على الله ، ولا حول ولا قوة إلا بالله، يقال له :كفيت ووقيت ، وتنحى عنه الشيطان". رواه الترمذي وأبو داود وابن حبان وابن السني وهو حديث صحيح.
وقال عليه الصلاة والسلام :" من قال حين يسمع المؤذن : وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، رضيت بالله ربا وبمحمد رسولا ، وبالإسلام دينا ، غفر الله له ما تقدم من ذنبه". رواه مسلم والخمسة.
وقال عليه الصلاة والسلام :" من قرأ قل هو الله أحد عشر مرات بنى الله له بيتا في الجنة ". رواه أحمد عن معاذ بن أنس وسنده صحيح.
وقال عليه الصلاة والسلام :"من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين". رواه الحاكم والبيهقي بسند صحيح.
وقال عليه الصلاة والسلام :" من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة مكتوبة ، لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت". رواه ابن حبان والنسائي وهو حديث صحيح ولم يصب من ضعفه.
وقال عليه الصلاة والسلام :" من قرأ قل هو الله أحد ، فكأنما قرأ ثلث القرآن ". رواه أحمد والنسائي والترمذي وهو حديث صحيح.
وقال عليه الصلاة والسلام :" من قرأ بمائة آية في كل ليلة كتب له قنوت ليلة". رواه أحمد والنسائي بسند صحيح.
هذه باقة عطرة من محمد صلى الله عليه وسل نزفها إلى كل صائم.
اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك . آمين.

!
10-02-20, 03:02 PM
العيد غدا

الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه وبعد.
فغدا العيد والعيد غدا فما معنى العيد وكيف يكون العيد .
ليس العيد لمن لبس الجديد ، ولمن تفاخر بالعدد والعديد ، وإنما العيد لمن خاف يوم الوعيد ، واتقى ذا العرش المجيد.
ليس العيد نغمة ووتر ، ولا مباهج فارغة ولا مظاهر وفوضى ، بل العيد شكرا للمنعم عز وجل واعتراف بفضله وإظهار نعمته والمسيرة في موكب من المؤمنين إعزازا للدين وكبتا لأعداء المسلمين.
في العيد قضايا عديدة منها :
الأكل في صباح عيد الفطر قبل الصلاة وذلك بتناول تمرات لنمتثل أم الله في الإفطار كما امتثلناه في الصيام .
ومنها زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث وإسعادا للفقير وإحياء لروح التعاون والتراحم بين المسلمين وتزكية للنفس وقهرا للشح.
ومنها لبس الجديد من الملابس والتطيب اعترافا بجميل صاحب الجميل تبارك وتعالى وتزينا له فهو سبحانه جميل يحب الجمال، ثم هو إظهار لنعمة الله عز وجل ، ففي حديث حسن عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال :"إن الله يحب أن يرى اثر نعمته على عبده "(1)
والعيد أن يعود بعضنا على بعض بالزيارة والسلام والصفاء والحب.
والعيد صلة للأرحام وبر بالوالدين وعطف على الفقير والمسكين ورحمة بالجار.
العيد عند المسلمين تتجلى فيه الأفراح الإيمانية المنضبطة بضوابط الشرع المحفوفة بسياج الأدب ، ففي العيد المزح الوقور والدعابة اللطيفة والنكتة البريئة والبسمة الحانية والنزهة المباحة والقصص البديع
العيد يذكر بيوم العرض الأكبر جمع حاشد وألوف مؤلفة ، غنى وفقير وكبير وصغير وأمير ومأمور وسعيد وشقي ومسرور ومحزن .
العيد يوم الجوائز فمن صام وقام إيمانا واحتسابا فبشراه بالجائزة الكبرى والفوز العظيم والثواب الجسيم.
ومن فجر في صيامه وتهاون في أمر ربه وتعدى حدوده فيا ندامته ويا اسفه ويا حسرته .
يعود الناس من المصلي وهم فريقان:
فريق مأجور مشكور . يقول الله تعالى لهم :انصرفوا مغفور لكم فقد ارضيتموني ورضيت عنكم.
وفريق خاسر خائب يعود بالخيبة والخسران والأسف والحرمان: مر أحد الصالحين بقوم يلهون ولغون يوم العيد فقال لهم : إن كنتم أحسنتم في رمضان فليس هذا شكر الإحسان ، وإن كنتم أسأتم فما هكذا يفعل من أساء مع الرحمن .
رأى عمر بن عبد العزيز الناس يسرعون على جمالهم وخيولهم من عرفات مع الغروب ، فقال ليس السابق اليوم من سبق جواده أو بعيره ، ولكن السابق من غفر ذنبه .
يا أيها المسلم تفكر فيمن صلى معك بالأعياد الماضية من الآباء والأجداد والأحباب والأصحاب، أين هم ؟ أين ذهبوا ؟ أين ارتحلوا ؟
قال أبو العتاهية الزاهد:
فكم فجع الموت من والد وكم سكت الدهر من والده
وكم قد رأينا فتى ماجدا تفرع من اسرة ماجدة
يشمر للحرب في الدارعين ويطعم في الليلة الباردة
رماه الفراق بسهم الردى فأصبح في التلة الهامدة
فمالي أرى الناس في غفلة كأن قلوبهم سامدة
شروا برضا الله دنياهم وقد علموا أنها بائدة
إذا اصبحوا أصبحوا كالأسود باتت مجموعة حاردة
مظاهرهم تعجب الناظرين ونياتهم بالردى فاسدة
غدا تنال الجائزة ، وغدا توفى أجرك مكتوبا في سجلات الأعمال فاحرص أن يكتب فيه خير ، وانتظر عيك الأكبر يوم تفوز إن شاء الله برضى الله وعفو الله () فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ )(آل عمران: من الآية185).

ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم .
وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم

!
10-02-20, 03:03 PM
الخاتمة

أيها الصائمون سلام عليكم ورحمة وبركاته ، وأستودعكم الله الذي لا تضيع تضيع ودائعه ، طاب صيامكم وقيامكم وهنيئا لكم ما فعلتم بأنفسكم . قال تعالى )إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ) (الانبياء:101)
جعلنا الله وإياكم منهم وتقبل منا ومنكم سائر أعمالنا والله أعلم وصلى الله وسلم على محمد وآله وصحبه .

عائض بن عبد الله القرني

!
10-02-20, 03:04 PM
والان كتاب مجالس المؤمنين

للدكتور عائض القرني

!
10-02-20, 03:05 PM
مقدمة الناشر

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد..
فإن للمؤمنين مجالس يذكر فيها بعضهم بعضا، وقد كان بعض الصحابة إذا التقي بأخيه المؤمن قال له: اجلس بنا نؤمن ساعة!.
ألم يكونوا مؤمنين..؟ بلي! ولكن لابد من تعاهد هذا الإيمان ، وتفقده ، والتذكير بمعانيه وحقائقه.
لذا فإن هذه المجالس ضرورية للمؤمنين، بل هي صفة من صفاتهم (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) (العصر:3) .
ونحن اليوم نعيش في زمن كثرت فيه الفتن، واشتدت فيه الغربة، فما أحوجنا إلى من يذكرنا، ويحيي فينا ما قد مات أو ذبل.
وبين يديك ـ أخي القارئ ـ في صفحات هذا الكتاب وقفات للذكري، يمكنك أن تقرأها بمفردك ومع نفسك، ويمكنك أن تقرأها مع إخوانك وزملائك ، وفي أي مجلس يجتمع فيه المؤمنون ؛ لذا فإنها سميت ب(( مجالس المؤمنين)).

!
10-02-20, 03:05 PM
المجلس الأول
واصبر نفسك

يقول تبارك وتعالى (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً)
غذاء القلوب ذكر علام الغيوب ، وقد نادي منادي حي على الفلاح ، فأجابته الأرواح الصحاح.
جلس أهل الشهوات يدنسون ألسنتهم بانتهاك الأعراض، والوثوب على المحرمات، واقتحام أستار المؤمنين، شادوا دورهم، وخربوا قبورهم، زخرفوا برودهم، وهدموا لحودهم.
عندما هب أهل الإيمان على بريد التوفيق مجيبين بلال العزم في سحر الأيام، فأما قلوبهم فمطمئنة بذكر ربهم، وأما ألسنتهم ففي زجل بمدح ربهم، وأما عيونهم فجارية بماء الحب، باعوا دماءهم فهم ينتظرون الذبح في سبيله، وأرخصوا أنفسهم في خدمته فكل تعب في مرضاته راحة، وكل سهر في عبادة أنس، وكل جوع لأجله غنيمة.
إذا رأيت خدام الدنيا يلوحون بالدنانير الطلس، ويتهافتون كالذئاب العلس، فاصبر نفسك.
وإذا دعاك الناكثون في السهرات، الغافلون في الخلوات، المتثاقلون عن الطاعة، المتفلتون عن صلاة الجماعة، فاصبر نفسك.
إذا سمعت نغمة الوتر، وصولة أهل البطر، وجموح المترفين، واستفزاز المرجفين ، فأصبر نفسك.
أيها المؤمنون! هل شممتم مسكاً أزكى من أنفاس التائبين؟ هل سمعتم بماء أعذب من دموع التائبين؟ هل رأيتم لباساً أجمل من لباس المحرمين؟ هل رأيتم زحفاً أقدس من زحف الطائفين؟

يا ساري البرق خذ بالله من خلدي دمع المحبة مجتازاً إلى أضم
فالعين ساكبة والطـرف مكتمل من السهاد وذو الأشواق لم ينم

يا مسلماً هل من ركعتين ودمعتين ، فالحياة بلا ركوع دمار، والعمر بلا دموع خسار.
خلا رسولنا صلي الله عليه وسلم في الغار فهبطت عليه الأنوار، فأتت من الغيب بشري النبوة تتنفس في السحر كالشذى ، وشقت صمت العالم وأنسام التوفيق تحملها السكينة من دار إلى دار، فاستفاقت مكة على هدهدات أنامل الرسالة فإذا بشمس الوحي المبادئ وسمار المجد، وفي كف اليتيم شعل من طور سناء الفتوح، وفي دمعة عقيدة حارة تتحدي الطواغيت والجبابرة، وفي ملامحه وعد يقرؤه أتباعه من القراء والآيبين.
شب اليتيم ونجم سعوده يهوي في بادية بني سعد والملحمة تنادي: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَ مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى) ، فأشرقت شمسه فكل أرض لم تسعد به فهي شقية، وكل عين لم تشاهده فهي عمياء، ذلك بأن الله يهدي برسوله من يشاء، ويضل من يشاء: )وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إليكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (52) .

!
10-02-20, 03:05 PM
المجلس الثاني
وأتممت عليكم نعمتي

نزلت هذه الكلمة في عرفة، وظن بعضهم أن النعمة في الأسكنة والدور والدراهم والقصور والموائد الشهية والمراكب الوطية فأين هذه النعمة إذا من النبي الأمي، وهو الذي ما شبع ثلاث ليال متواليات من خبز الشعير، فهل هو المقصود بقوله : وأتممت عليكم نعمتي والحصير يؤثر في جنبه؟! وأتممت عليكم نعمتي وبيته في قامة الإنسان بني من لبن الطين؟! فأين النعمة؟
ألا إنها تلك المبادئ الخالدة التي جاء بها هو، وعاشها في روحه وضميره ودمه.
ألا أنها أخلاقه العامرة الزكية التي سرت في قلوب أتباعه إلى يوم الدين.
إلا أن النعمة ذلك النور الذي يحمله إلى المتخبطين في الظلام يخرجهم من الظلمات إلى النور والوحي الذي تشرف بتبليغه للعالم: ) وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عليكَ عَظِيماً) (113) ، لقد بعث عليه الصلاة والسلام بهذه الرسالة الربانية التي لم يطرق العالم رسالة مثلها ولم يصدع الكون صوت أنبل منه.
بعث عليه الصلاة والسلام والجزيرة العربية شحيحة الموارد، شاحبة الكنوز، مثقلة الخطا بالتبعات، مبعثرة في دروب التاريخ.
بعث عليه الصلاة والسلام والجزيرة العربية تحتاج إلى دور للرعاية، وملاجئ للعناية، ومستشفيات لمحاربة أمراض الإنسان ، وقلاع عسكرية لحماية الأمة.
بعث عليه الصلاة والسلام في أمة تأكل الميتة، وتقدس الحجر، وتؤمن بالكهانة، فكانت مهمته أعظم من عمارة دار، أو بناء مدرسة، أو تعمير مستشفي أو إقامة قلعة: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (107)
فصاغ العقول بمعدن الفطرة السليمة، وغذي الأرواح بقوت الوحي، وأيقظ الأنفس من سبات الغافلين، وأخبر العالم أن هناك عالماً ثانياً، وحياة أخري، وميعاداً يقوم فيه الناس لرب العالمين، فيا لخسارة الغافل كم يقتل بسكين الهوى وما علم المسكين!، وكم يشنق في حبال الدنيا وهو مستكين، يضحك والموت ينادي ويحك، ويلعب والفناء أطمع في بقائه من أشعب:
ليتنا يوم ولنا المنحني ومررنا بالفضي زرنا ثمد
عسي الله أن يركبنا سفينة محمد صلي الله عليه وسلم، فقد نادانا حادي السيرك اركب معنا ولا تكن من الغافلين،وأذن فينا بلال الإنذار: لا عاصم من أمر الله إلا من رحم.
فالبدار البدار قبل موت الأهل وخراب الدار.

هذا وأيامك الأولي غدت أسفاً
وعمرك الفذ أضحى في الهوى ندما

!
10-02-20, 03:05 PM
المجلس الثالث
ذبح لمرضات الله عز وجل

العظماء يذبحون في سبيل العظيم سبحانه؛ لأنهم باعوا له أنفسهم نقداً وقبضوا ثمن الأرواح في مجلس العقد على معاهدة: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ ).
والمفلسون تخرج أنفسهم غصباً ؛ لن الثمن نسيئة وعقد البيع بلا شهود مكتوب فيه: (ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) .
أما عمر بن الخطاب أبو حفص شيخ الشيوخ وقرة عيون الشباب فأتاه الموت في صلاة الفجر ليعظم الأجر ، ليبدأ يومه في الجنة من نسيم الصباح، وليتهيأ للنزول بعد الرواح أتته منية على رأس الخنجر فضجت دماءه بلا إله إلا الله تتفجر، سال دمه في محراب المسجد يفوح الدم كالمسك ويقطر كالعسجد:

لله درك كل قطرة مسلم حيث دماءك ليلة المحراب
لم تبق عين بعد عينك في الضحى إلا استهلت ثم بالأسباب
حج الفاروق فدعا في الأبطح اللهم إني أسألك شهادة في سبيلك وميتة في بلد رسولك، فأجاب الله دعوته، وذبح في مرضاته مهجته.
فما أحسن المصرع بين المنبر والروضة، ومزق أديمه وبكي جريمه، وكفنت سعادة الإسلام في أكفانه، وحنطت عدالة الملة في أردانه.
يا صاحب الدرة التي أطرت بها النوم من عيون الخونة الناكثين.
يا صاحب الثوب المرقع الذي حقرت به الدنيا في عيون الناسكين.
يا صاحب الصوت الجهوري الذي أخفت به المارقين.
تا الله لقد صرت إكليلاً على هامة العدالة.
وشهيداً ترويه مجالس السمار لرواد الشجاعة والبسالة.
من لعين شفها طول النوى ولقلب شفة طول السهـد

جسد لفف في أكفـــانه رجمة الله على ذاك الجسد
(وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً).

!
10-02-20, 03:06 PM
المجلس الرابع
لا تحزن إن الله معنا

هذه العبارة صاغها رسولنا صلي الله عليه وسلم في لحظة من لحظات معاناته تنفس بها في زمن أحاطت به الدنيا وهو في الغار، يستتر من أعدائه ، فيلاحقونه من كل جانب، ويرصدون عليه الطرق، ويغلقون عليه المنافذ، ويوصدون في وجهه الأبواب ، لكنهم ما استطاعوا أن يغلقوا باباً واحداً ، أو يرصدوا طريقاً واحداً أو يقطعوا حبلاً واحداً.
هنا باب الله المفتوح لمن أراد القرب ممن أدناه.
وهناك حبل الله الممدود لأوليائه المتصل بأحبابه.
هتف عليه الصلاة والسلام للصديق وهما في الغار: لا تحزن إن الله معنا، معنا يرانا ويرعانا، معنا يحوطنا ويحفظنا، معنا يدافع عنا ويقبل منا، معنا بحفظه ورعايته، معنا بحمايته وكفايته، معنا فلا نخاف ولا نهزم ، معنا فلا نخزي ولا نندم، معنا ولو كانت الدنيا معهم.
أنت القوي فقد حملت عقيدة أما سواك فحاملو أوزار
يتفاخرون بهذه الدنيا وقد طبعت على الإراد والإصدار
دنيا وباعوا دينهم في حبها ياذلة المشرى وقبح الشاري
سبحان من حمي رسوله من الحساد والأضداد والأوغاد.
سبحان من جعل العاقبة له وجعل الدائرة على أعدائه.
سبحان من شرح صدره ورفع ذكره وأعلى قدره وأعظم أجره.
سبحان من أراه ألوية الكفر تتمزق، وقلاع الباطل تتحرق، وكتائب الإيمان تتدفق.
(إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عليكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً) .

!
10-02-20, 03:06 PM
المجلس الخامس
إني أوعك كما يوعك رجلان منكم

هذه كلمة المعصوم عليه الصلاة والسلام يبوح بها والحمي ملء إهابة تصارعه على فراشه كما صارعته الأحداث والمصائب من كل جانب.
أبنت الدهر عندي كل بنت فكيف نجوت أنت من الزحام
بذلت لها المطارف والحشايا فعافتها وباتت في عظامي
هذا الجسم البريء ، هذا الكيان الطاهر، هذا الجناب الشريف يرتعد من الحمي ويرتجف من الألم ، ليحصل على أعظم منزلة حصل عليها محموم وأرفع درجة تبوأها مريض.
البلاء على قدرة المحبة، والأجر على مقدار الصبر ، وأعظم حبيب للمولى جلت قدرته هو رسولنا عليه الصلاة والسلام ، والله إذا أحب عبداً ابتلاه ليري صبره، لا يسبقه في مضمار الصبر أحد، وكان قدوة الشاكرين ، لا يتقدمه في باب الشكر مخلوق، فجمع الله له المنزلتين والدرجتين: الصبر في منتهاه، والشكر من أعلاه.
يفديه أصحابه بالآباء والأمهات ، وهو طريح الفراش، كال الطرف، مسهد الأعضاء ، فاتر النظرات، ملتهب الإرهاب ، فيقول : (( ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه)).
إذاً هناك رب يكفر ، وإيمان يعصم ، وحسنات تعطي، وأجر ينتظر، فهنيئاً لمن اتبع هذا الرسول صلي الله عليه وسلم.

!
10-02-20, 03:06 PM
المجلس السادس
تغبير القدم ساعة

لما تهيأ أسامة بن زيد خارجاً بجيشه في سبيل الله بعد وفاة الرسول صلي الله عليه وسلم ودعه الخليفة الأول، والصديق الكريم، أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ.
أسامة راكب وأبو بكر ماش!! فهم أسامة بالنزول ليركب الخليفة فقال الصديق: لا تنزل والله لأركب، وما على أن أغبر قدمي ساعة في سبيل الله!!
وأنا أقف وإياك أمام هذه الكلمة متسائلين:
يا تري هل هذه أول ساعة يغبر فيها الصديق قدمه؟
أما سبق له أن غبرها كثيراً؟
أما غبرت قدمه في مكة يوم قل الناصر وتوتر القريب وتنكر المعرفة وكثر الشامت؟
أما غبرت قدمه يوم بدر والموت يزحف والكفر يغلي وأرواح المؤمنين تتطاير إلى جنة عرضها السموات والأرض؟
أما غبرت قدمه وهو يزرع صحراء الجزيرة إلى تبوك ، والجوع يقطع أحشاءه ، والظمأ يعصر كبده، والحر يصل إلى كل ذرة في جسمه والغبار يداعب خياشيمه؟
أما غبرت قدمه في الغدوات والروحات والظلمات إلى الجمع والجماعات؟
هذا هو ما فعله أبو بكر الصديق فماذا فعلنا نحن!

متي تغبرت أقدامنا، متي جاهدنا، أين غزواتنا، أين تضخياتنا؟
دع المدح للصديق يشرق في الدجي
ودع كل ذكر في معاليه يكتب

!
10-02-20, 03:07 PM
المجلس السابع
فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون

إذا فرح الناس بالمال والجاه فافرح بلا إله إلا الله.
إذا سعدوا بالدرهم والدينار فاسعد بحب الواحد القهار.
إذا نسوا بالأهل والخلان فأنس بذكر الملك الديان.
مساكين هذا الحي ماذر شارق
من البين إلا أمطروا بالمحاجر
يقول رسولنا صلي الله عليه وسلم: (( لأن أقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر : احب إلى مما طلعت عليه الشمس)).
فكيف يفرح المؤمن بعد هذا الخطاب بأهل أو أحباب أو مال أو أصحاب. (وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفي) .
من خدعته منزلته وأعجبه سلطانه فليتذكر يوم تهدم في القبر أركانه، وتسلط في اللحد أسنانه، ويتقطع في الطين لسانه:
سلاطينهم سل الطين عنهم والرؤوس العظام صارت عظاما
عجباً للموت ذهب بعقول الألباب ومزق ألسنة الخطباء وكسر أقلام الأدباء.
كل شيء يذوب في التراب إلا العمل الصالح، وكل شيء يذهب إلا الذكر الجميل.
(مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ )
وإنما المرء حديث بعده فكن حديثاً حسناً لمن وعي

!
10-02-20, 03:07 PM
المجلس الثامن
يا ضعيف العزم


لا تعيش المبادىء إلا مع التضحيات.
هل علمت أن رسول الله صلي عليه وسلم وضع السلا على رأسه، وأدميت عقباه ، وكسرت ثنية ،وشج رأسه ، وقتل أحبابه، وربط الحجر من الجوع على بطنه ، وغلب في بعض المواقف، ونيل من جنابه الطاهر، وحبس في شعب أبي طالب، وسمع السب بأذنيه ورأي المكائد بعينه ، وطرد من دياره، ورمي بالجنون والسحر والكهانة؟!
أما علمت أن أحمد بن حنبل رمي في الحبس، وضرب ضرباً مبرحاً، ومنع من التدريس، وخوف بالقتل!
وهذا ابن تيمية يرمي في السجن، ويهدر دمه، ويسب في عرضه ، ويتهم في دينه!
عمر نحر في المحراب، ومزق جسمه بالحراب.
وعثمان سالت مهجته بسيف الثوار على المصحف وهو في الثمانين.
وعلى ضرب جبينه بسيف الخوارج حتى سال دم رأسه من رأس لحيته.
كيف تنبت أشجار المبادئ والأفكار بلا مواقف؟
كيف تعشق القلوب جباناً يعيش لبطنه؟
كيف تحب الأمة حقيراً ليس له في التضحية تاريخ، وفي البطولة قدم ، ولا في الإقدام منبر؟
يا صاحب المثل العليا وهل حملت
روح الرسالات إلا روح مختار

!
10-02-20, 03:07 PM
المجلس التاسع
ورفعنا لك ذكرك


أين من حارب الرسل عليهم الصلاة والسلام؟ أين ذكرهم؟
ما عاقبتهم؟
أين من نصب العداء للمعصوم؟
ذهبت ريحهم، وسفلت كلمتهم، وقطع دابرهم، وعاشت مبادؤه، وانتشرت رسالته، وانتصرت كتائبه، نسخ تاريخهم من القلوب، وكتب تاريخه بمدح علام الغيوب. اسمه يدوي فوق المنابر، وتعاليمه تجلجل في كل مجمع.
اين من سجن أحمد بن حنبل وجلده : ) هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً) ، أحمد بن حنبل معنا دائماً بذكره ، وعلمه، وسيرته، وفضله، وهم ، لا نعرفهم، ولا نذكرهم ، ولا نحبهم.
أين خصوم شيخ الإسلام ابن تيمية؟ مات تاريخهم معهم وفتاويهم وأقوالهم، هم نكرات في العالم ، وهوامش في الدواوين، منسيون في ذاكرة الزمن، وهو ملء السمع والبصر، ذكره يشنف الآذان، وصوته يجلجل في الأزمان، وعلمه يوزع في الشيوخ والشبان: (كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ).
سري ذكرهم كالمسك ينشر في الورى
وذكر سواهم زكمة في الخياشم
أشرق التاريخ بنور ربه يسجل اللامعين، وغربت شمس عبيد الدنيا بأسمائهم، ( وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ).

!
10-02-20, 03:07 PM
المجلس العاشر
أليس الله بكاف عبده


أرض بكفاية الله يكفك عن كل كافية، فإنه غالب على أمره، ولا يغلبه أحد، وتوكل عليه فإنه حي لا يموت ، وسواه ميت .
أما كفي إبراهيم الخليل وقد ألقي في النار فصيرها له برداً وسلاماً؟
أما أنجي نوحاً من الطوفان يوم صارت الأرض كوكباً في بحر الماء؟
أما شق البحر لموسى ودمر عدوه وفجر له الصخر بالماء العذب؟
أما حملا رسولنا صلي الله عليه وسلم في كل معترك، أما أنقذه من الويلات؟
أما نجاه من الاغتيالات ، أما نصره في الغزوات، أما آنس قلبه من الوحشة ، وثبت فؤاده في الهول ، وشد أزره في النازلات؟
من الذي دعاه فما لباه؟ ومن هو الذي اطرح على عتباته فما أجاب دعواه؟ ومن الذي سأله فما أعطاه؟ ومن الذي لجأ إليه فما كفاه؟ (يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) يغني ويفقر، ويحيي ويميت ، ويولي ويعزل، ويملك ويخلع، ويمرض ويشافي، ويبتلي ويعافي.
النواصي بيده ، والمقاليد في قبضته، والخلائق في تصرفه.
الجأ إليه إذا دهتك مهمة واقصد جناب الواحد القهار
واعلم بأن الله جل جلاله هو كاتب الأرزاق والأقدار
بالله عليك يا مسلم أن تقرع بابه وأن تقصد جنابه، وأن تتدبر كتابه، وأن تصاحب أحبابه، عندها سوف تجد اليسر والفلاح وتغنم الأجر والنجاح: ( كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإليه تُرْجَعُونَ)

!
10-02-20, 03:08 PM
المجلس الحادي عشر
ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون


الأعلون عقيدة، فهي بيضاء راسخة الجبال، صادقة صدق الفجر، كالمة كمال حاملها صلي الله عليه وسلم.
الأعلون عبودية، فالرب والإله والناصر والكافي والرازق هو الله رب العالمين.
والأعلون مثلاً ، فهي صفوة التعاليم وخلاصة قيم الأمم وغرة ما وصلت إليها الكتب المقدسة.
والأعلون كتاباً فهو وحي يوحى، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، لا يمل على كثرة التردد، ولا تنفي عجائبه، ولا تنقضي عبره.
والأعلون رسالة، فهي ربانية عالمية شاملة كاملة، فهي سر إنقاذ العالم، ومكنون فلاح الإنسان، ومصدر نجاة البشر في دنياهم وأخراهم.
والأعلون قائداً؛ فهو معصوم، مؤيد بالوحى، ظاهر بالحجة، متكلم بالبرهان، حاكم بالعدل ، حامل للحق، ناشر للفضيلة، قدوة للأنام.
والأعلون تاريخاً ،ففي القائمة الصديق والفروق وذو النورين وأبو السبطين وسيف الله وحواري رسول الله صلي الله عليه وسلم وأمين الأمة وهلم جرا..
والأعلون تضحية فسلو بدرا واحدا والقادسية وإليرموك وحطين وعين جالوت، سلوا جماجم الشرفاء في روابي الدنيا لماذا قطعت؟ وسلوا دماء الأبطال في أودية المعمورة لم سفكت؟ وسلوا المهج الطاهرة وقد سئلت على أي مبدأ قتلت؟
والأعلون تراثاً ، فليس حكايات ألف ليلة، ولا أكاذيب حمورابي وهوس أفلاطون، ولا أحلام شكسبير ، ولكنه كتاب يتلى، وسنة تتبع ، وآيات وعظات، وسلطان وبرهان، ونور وهداية ، وشفاء لما في الصدور.

!
10-02-20, 03:08 PM
المجلس الثاني عشر

إن الله اشترى

عقد مكتوب، وميثاق موقع، وسلعة تعرض، ومهج تباع.
المشتري هو الله جل جلاله: ( وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً) ، والباعة المؤمنون رواد بدر وأحد وتلك المواقف المأثورة والمشاهد المذكور، والسلعة جنة عرضها السموات والأرض من دخلها لا يهرم ولا يندم، ولا يبلى شبابه، ولا تذبل ثيابه، والثمن مهج المصلين طارت من الصدور على رؤوس السيوف وتناثرت من الأحشاء على صدور وأكمل وأشرف وألطف.

أمضاه أحمد عن أبطال أمته والله أنزله عهداً وميثاقا
في مجلس فيه جبريل شهادته تملى فعش هذه الأيام أشواقا

الأموال والأنفس والأعراض والجماجم والدماء كلها لمن خلقها، وإنما هي عندنا عارية وصاحب العارية أحق بها، (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً) .
ليس لنا شيء ولا معنا شيء، ولا منا شيء ، العطاء والهبة والمنح والأيادي من الله عز وجل، خلق ورزق ، وعافي وستر ولطف وتكفل.
من بخل بمهجته في سبيل الله خرجت منه غصباً وسالت رخيصة وذهبت ذليلة:
نفوس تذوق الموت قتلا ولا تري سوي القتل للمجد المبجل مكسباً

!
10-02-20, 03:08 PM
المجلس الثالث عشر
إن هؤلاء يحبون العاجلة

عبيد الدرهم والدنانير أذيال الدنيا، الحقراء التافهون لا هم لهم ولا مقاصد ، مطالبهم في الحياة كساء وغذاء ولذة.
بخلاء جبناء، ألسنتهم والغة في أعراض الأوفياء، وأيديهم مقبوضة عن العطاء، وقلوبهم قاسية مليئة بالبغضاء، يحبون العاجلة فيعملون لها، ويتحابون من أجلها، ويرتاحون لذكرها، ويحبون العاجلة فيخدمونها فهم قيام في ليالي الهوى على أقدام الطمع، فقراء ولو جمعوا، جوعي ولو شبعوا:
ومن يتق الساعات في جمع ماله
مخافة فقر فالذي صنع الفقر
يحبون العاجلة وهي عاجلة في سعادتها فلا تدوم، عاجلة في راحتها فلا تبقي، عاجلة في عمرها فلا تستمر.
ذنبهم أنهم يحبون العاجلة وسيئتهم انهم يعشقون العاجلة.
نسوا ذكر الله، وهجروا بيوته، وصدوا عن سبيله؛ لأنهم يحبون العاجلة.
حاربوا أولياء الله، وتعدوا حدوده، وانتهكوا حرماته؛ لأنهم يحبون العاجلة.
يستعجلون شهواتهم، ويبحثون عن رغباتهم، وهم سكارى في غفلاتهم، ويكفي انهم يحبون العاجلة.

!
10-02-20, 03:10 PM
والان كتاب الأمة الوسط

للدكتور عائض القرني

!
10-02-20, 03:10 PM
المقدمة
الحمد لله و الصلاة والسلام على رسول الله وعلى اله وصحبه ومن والاه وبعد:
فان الأمة المرضية التي جعلها الله شهيدة على الناس و هي أمة وسط بين من غلا ومن جفا، بين من افرط وفرط، فهي أمة قائمة معتدلة مقتصدة : ()وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ علىكُمْ شَهِيداً )( البقرة143).
و التوسط هو مذهب أهل العلم والإيمان من أصحاب الرسول- عليه الصلاة والسلام – ومن بعدهم من أئمة الإسلام، لان الحسنة بين سيئتين والطريق الأسلم بين متلفتين، ومن اطلع على نصوص الشريعة كتابا و سنة عرف أن الوسط هو المحمود في مسائل الإيمان و العبادة والأخلاق والآداب.
و هذه الرسالة تبين لك هذا المنهج المبارك (منهج الوسطية) ، مع إيراد الأدلة في كل مسالة ، وقد حرصت على وضوح العبارة وتسهيل الجملة وتقريب المعني حسب الطاقة.
و الله المسئول وحده أن ينفع بها و أن يجعلها خالصة لوجهه الكريم.

د. عائض القرني
وسط نحن:
وسط نحن لا غلاة غلاظ
أو جفاة من فرقة الشيطان
وسط بين ما يكفر بالذنب
وبين الأرجاء في الإيمان
وسط بين من يسب عليــا
أو غبيا عدوه الشيخان
وسط بين من يري القضاء هراء
أو حفيا بالجبر غير مصان
وسط بين من يري التعصب دينا
يحسب النص مذهب النعمان
وبليد يري الأئمة صفرا
موغل في الإيذاء و النكران
و على منهج الرسول مشينا
و مع صحبه أولي الرضوان

!
10-02-20, 03:10 PM
1- الأنبياء
أهل العلم والإيمان وسط في قضايا الدين و عبادة رب العالمين، فهم وسط في مسائلة الأنبياء بين الذين قتلوا أنبياء الله و حاربوهم وكذبوهم كاليهود الذين قتلوا النبيين كزكريا و يحي و غيرهم، و بين من عبد النبيين والصالحين كغلاة اليهود والنصارى كما قال سبحانه وتعالى :(اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ )( التوبة31) ، و كما فعل النصارى في عيسي بن مريم فانهم ألهوهو جعلوه ابنا لله – تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا-، فاهل العلم والإيمان وسط في ذلك فانهم صدقوا أنبياء الله- عز وجل - ، و رسله و اتبعوهم و أحبوهم ووالوهم و ناصروهم، و لكنهم اعتقدوا انهم بشر لا يضرون ولا ينفعون إلا بمشيئة الله – عز وجل - ،و انهم مبلغون عن ربهم فلم يكذبوهم يقاتلوهم كما فعل اليهود و لم يغلوا فيهم ويرفعوهم إلى منزلة الألوهية كما فعل النصارى، بل آمنوا بالجميع و أنزلوهم المنزلة اللائقة بهم عليهم الصلاة والسلام.

!
10-02-20, 03:11 PM
2- الرسول صلي الله عليه وسلم
و أهل العلم والإيمان وسط في الرسول صلي الله عليه وسلم بين من غلا في حبه- صلي الله عليه وسلم- حتى اثبت له شيئا من صفات الألوهية، كان يشافي عليه الصلاة والسلام أو يعافي، أو انه في قبره يسمع دعاء الغائب ويقضي الحاجات، ويتشفع به عند قبره، و هذا شرك اكبر، حتى أن بعض هؤلاء الغلاة أتي إلى قبر الرسول صلي الله عليه وسلم وقال :
يــا رسول الله يــا مــن ذكـــره
في نـــهار الحشـــر رمــزا و مقـــامــا
فــاقلنــي عثـــرتــي يــا سيـدي
فــي اكتســـاب الـــذنــب في سبعين عامـا
و كان بعض الغلاة يقول : يا رسول الله جئتك من البلد الفلاني فاجرني واقضي ديني وشافني و عافني، وهذه الحوائج لا ترفع إلا إلى الله سبحانه وتعالى.
و أناس آخرون قابلوهم فجفوا في حق الرسول- عليه الصلاة والسلام-، إما ردوا بعض ما جاء به أو لم يعترفوا بشيء من خصائص نبوته صلي الله عليه وسلم كما فعل غلاة المعتزلة، حتى أنكروا بعض علم الغيب للرسول عليه الصلاة والسلام و أنكروا المعجزات التي جرت على يديه صلي الله عليه وسلم وكذبوا بعض الأحاديث الصحيحة القاطعة كالتي في صحيح البخاري ومسلم، و استهزئوا ببعض الأحاديث كحديث : ( يا أبا عمير ما فعل النغير).
و توسط أهل العلم و الإيمان في ذلك فاتبعوا رسول الله صلي الله عليه وسلم و صدقوا و آمنوا بما جاء به، و ناصروه ونشروا دعوته، و أحبوه و أنزلوه منزلة العبد الرسول صلي الله عليه وسلم، و لكنهم لم يغلوا في حقه ولم يجفوا ، وقد قال صلي الله عليه وسلم : ( لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم إنما أنا عبد الله ورسوله فقولوا عبد الله ورسوله) صلي الله عليه وسلم.

!
10-02-20, 03:11 PM
3- الوعـــد و الوعيـــد
و أهل العلم والإيمان وسط في الوعد و الوعيد فهم وسط بين من كر بالذنب وقال إن الكبيرة مكفرة مخرجة من الملة فعندهم أنه من ارتكب الزنا أو شرب الخمر أو السرقة أنه خارج من الملة مرتكب لمكفر، و هؤلاء هم الخوارج وقد خالفوا أهل الإسلام و أهل الملة في هذه المسائل فأتوا بشيء ليس عليه دليل، و عارضوا النصوص في مثل أن الله سبحانه وتعالى ذكر الطائفتين قال سبحانه وتعالى: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا )( الحجرات 9) ،فسماهم مؤمنين مع انهم متقاتلون و قال صلي الله عليه وسلم : ( إذا التقي المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار) فسماهم صلي الله عليه وسلم مسلمين، و منها حديث أبى ذر قال : ( و إن زنا و إن سرق قال: و إن زنا و إن سرق على رغم انف أبي ذر) إلى غير ذلك من النصوص الكثيرة.
فهؤلاء غلاة في هذا الباب يكفرون الناس بالذنوب و يركبون الصعب والذلول في إخراج الناس من الملة .
و قابلهم أناس جفوا في هذا الباب في مسائل التكفير فقالوا : لا يضر مع الإيمان معصية لا كبيرة و لا غيرها، و يرون أن اصل الإيمان عند الناس جميعا متفق، فان أحد أفراد الناس عندهم كابي بكر الصديق في الإيمان، بل إن أحد المؤمنين عندهم في الإيمان كإيمان جبريل عليه السلام، و هؤلاء هم المرجئة ، ومنهم من فصل العمل عن الإيمان و قال يكفي في الإيمان الاعتقاد والقول ولا يهم العمل إن جاء و إن ذهب، وهو زيدة خير عندهم ولكنه لا يؤثر في اصل الإيمان و هؤلاء أيضا خالفوا النصوص فان هناك نصوص تكفر من ترك عملا كمن قال بتكفير تارك الصلاة على قول قوي عند أهل العلم لقوله صلي الله عليه وسلم: ( من تركها فقد كفر)، وقوله صلي الله عليه وسلم : ( بين المسلم والكافر ترك الصلاة).
و توسط أهل العلم و الإيمان في ذلك فقالوا بان الإيمان قول وعمل واعتقاد، و أن الكبيرة مفسقة تنقص الإيمان ولكنها لا تخرج من الملة، فهي مؤثرة في اصل الإيمان و فاعلها فاسق بكبيرته و مؤمن بأصل إيمانه، فلم يتبعوا الغلاة الذين أخرجوه من الملة ولم يتبعوا الجفاة الذين قالوا: لا يضره الذنب و ما عليه إذا ارتكب هذه الكبائر.

!
10-02-20, 03:11 PM
4- القضاء والقدر
و أهل العلم والإيمان وسط في باب القضاء والقدر فان الناس في هذه المسالة غلاة وجفاة ووسط، فمن غلا في باب القدر وقال انه لا قضاء ولا قدر و لا علم سابق و إنما الأمر أنف، فقال بعضهم إن الأمور تقع بدون علم سابق من الله- عز وجل- ، وبعضهم قال بدون تقدير وهؤلاء خالفوا النصوص الصحيحة الصريحة في قوله سبحانه وتعالى: (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) (القمر:49)، و قوله صلي الله عليه وسلم: ( كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة) و قوله صلي الله عليه وسلم: ( و أن تؤمن بالقدر خيره وشره) و قوله صلي الله عليه وسلم: ( و اعلم أن ما اخطأك لم يكن ليصيبك و ما أصابك لم يكن ليخطئك).
و قابلهم جفاة فقالوا إن الإنسان مجبور و انه لا اختيار ولا مشيئة للإنسان، فهو مجبور على فعل المعصية فكأنهم يعتذرون له فهو مقهور عندهم على أداء هذه المعصية و هؤلاء هم الجبرية.
و توسط أهل العلم والإيمان في ذلك فقالوا: بل الصحيح أن كل شيء بقضاء وقدر، بعلم وكتابة وتقدير سابق من الله عز وجل ، ولا يقع في الكون شيء إلا بإذنه تبارك في علاه، و العبد له مشيئة تحت مشيئة الله- عز وجل – وله اختيار تحت اختيار الله- سبحانه- و الله هداه النجدين: سبيل الخير وسبيل الشر، ليفرق بين هذا و هذا فخالفوا الغلاة والجفاة.

!
10-02-20, 03:12 PM
5- أهــل البيـــت
و أهل العلم والإيمان وسط في أهل بيت الرسول عليه الصلاة والسلام بين من غلا في حبهم وجعل العصمة لاهل بيته صلي الله عليه وسلم كالإمام على أمير المؤمنين وابنه الحسن والحسين، و ادعوا لهم من المنازل التي ليست إلا للأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام ، ووضعوا لهم الأحاديث وسبوا الصحابة من اجل ذلك، وتبرؤا من الشيخين.
و قابلهم أناس جفاة جفوا في أهل بيت الرسول عليه الصلاة والسلام و سبوهم على المنابر وناصبوهم العداء، و أنكروا مناقبهم،و كذبوا ما لهم من خصائص، وردوا الأحاديث الصحيحة في فضلهم، كما فعل بعض خلفاء بني أمية ومن سار مسارهم.
و توسط أهل العلم والإيمان في ذلك فقالوا :إن بيت الرسول عليه الصلاة والسلام لهم حق ولهم منزلة، وخاصة أهل العلم والإيمان منهم الذين نصروا الدين ، فحقهم واجب، ومحبتهم واجبة، وتعظيمهم ومعرفة قدرهم واجب، لكن لا نغلوا فيهم ولا ننزلهم منزلة الأنبياء و لا ندعي عصمتهم و لا نضع لهم أحاديث لا اصل لها، و أيضا لا نجفو في حقهم ولا ننالهم ولا نتعرض لمكانتهم- رضوان الله عليهم- فهم الصفوة المختارة، و هم الأسرة الطاهرة، و هم الذرية الطيبة، و هم الدوحة المباركة.

!
10-02-20, 03:12 PM
6- الصحــابــة
و أهل العلم والإيمان وسط في باب حب الصحابة بين من غلا في الصحابة، حتى أن بعضهم يدعي العصمة في بعض الصحابة و يرفعهم فوق منازلهم، و يري انهم لا يذنبون ولا يمكن أن يحصل منهم الذنب، و انه لا يحصل في افرادهم خطيئة، و إن العلم يؤخذ منهم فقط و لا يؤخذ من غيرهم، وان قول الصحابي إذا خالف قول إمام من أئمة المسلمين من بعده فان قول الصحابي مقدم ولو كان خطأ.
وجفا أناس فقالوا : الصحابة رجال ونحن رجال ، و أما الصحبة فشيء عارض قد تحصل لكل إنسان ، ولا ميزة لهم ولا فرق بينهم وبين أي قرن من قرون أهل الإسلام ، بل إن منهم من سبهم و شهر بما شجر بينهم ، ونشر أخطاءهم.
وتوسط أهل العلم والإيمان في ذلك وقالوا: إن أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام لهم ميزة فضل الصحبة، والله قد زكاهم ورضي عنهم في الجملة، ولكنه قد يقع منهم أخطاء- رضوان الله عليهم- وقد يرتكبون ذنوبا، وقد يغلطون وقد يسيئون، وهذه الأغلاط و الإساءات نزر يسير ونقط تنغمر في بحار محاسنهم. فالصحيح التوسط والاعتدال في حبهم ، فلا نجفو ولا نغلو بين هاتين الطائفتين المخالفتين.

!
10-02-20, 03:12 PM
7- العبــــادة
و أهل العلم والإيمان في مسالة العبادة بين من غلا في العبادة وتكلف فيها و شدد على نفسه وخالف النصوص في ذلك وتنطع، وقد نهي صلي الله عليه وسلم عن ذلك في أحاديث كثيرة ونهي القرآن عن ذلك-أيضا- قال تعالى: (وَمَا جَعَلَ عليكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ )(الحج: من الآية78)و قال تعالى: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا)(البقرة: من الآية286)و قال:( طه مَا أَنْزَلْنَا عليكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى)(طـه:1-2)
و قال: (رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا )(البقرة: 286) وقوله صلي الله عليه و سلم : (إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه) ، و قوله صلي الله عليه وسلم :القصد القصد تبلغوا)، وقوله صلي الله عليه وسلم ( بعثت بالحنفية السمحة)، وقوله صلي الله عليه وسلم: (إن الدين متين فأوغل فيه برفق)، أو كما قال صلي الله عليه وسلم . ودلت وصاياه ونصائحه صلي الله عليه وسلم على يسر الدين، كاعتراضه على عبد الله بن عمرو لما كان يختم كل ليلة و يقوم الليل كله و يصوم النهار ويعتزل النساء ، و قوله صلي الله عليه وسلم للثلاثة الذين اعتزلوا النساء وقاموا الليل كله وصاموا النهار: (لكنني أتزوج النساء، و أقوم و أنام، و أصوم وافطر، فمن رغب عن سنتي فليس مني). إلى غير ذلك من النصوص التي دلت على يسر الدين و سماحة الملة ورفق الدين بحامله، فهؤلاء الغلاة ذمهم عليه الصلاة والسلام في ركوبهم الشطط كقوله: ( إن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا ابقي) ، وقوله صلي الله عليه وسلم: (ليصل أحدكم طاقته فإذا فتر فليرقد)، و قد قال تعالى: (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عليهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا)(الحديد: 27)
و قابل هؤلاء أناس جفاة جفوا في الدين فتخلفوا عن الجماعات، تركوا النوافل، و هجروا القرآن والذكر، فذمتهم النصوص كقوله سبحانه وتعالى: (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ،الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ) (الماعون:4-5)، وقوله سبحانه وتعالى : (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً) (مريم:59)، و قول الرسول صلي الله عليه وسلم – في حديث صححه بعض أهل العلم-: (من سمع النداء فلم يأت فلا صلاة له إلا من عذر) . وتهديده صلي الله عليه و سلم لمن ترك صلاة الجماعة: ( لقد هممت إن آمر بالصلاة فتقام ثم أخالف إلى أناس لا يشهدون الصلاة معنا فاحرق عليهم بيوتهم بالنار) ، و قوله صلي الله عليه وسلم : (القلب الذي ليس فيه شيء من القرآن كالبيت الخرب) و ذمه سبحانه وتعالى من غفل عن ذكره: () وَلا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ)(لأعراف: 205)، وقوله صلي الله عليه وسلم: ( مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه كالحي والميت)، وذم من تكاسل عن الصدقات و الإنفاق ووصفه في البخل كرجل عليه درع كلما بخل ضاقت عليه، و قال سبحانه وتعالى: (مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ )(محمد: 38)، و ذم من تخلف عن الحج وهو مقتدر ، وغير ذلك من النصوص التي ذمت التهاون بمسائل العبادة، من صلاة و زكاة و صيام وحج قراءة قرآن وذكر، وورد الذم لمن نام الليل كله ، وورد أن الشيطان يبول في أذنه و انه يصبح خبيث النفس كسلان، إلى غير ذلك.
و توسط أهل العلم والإيمان في ذلك فكانوا وسطا بين الفريقين في مسائل العبادة، فاقتصدوا فيها، و اتبعوا السنة وقاموا بما يناسب قدراتهم و استعداداتهم و مواهبهم ، فداوموا على ما قدروا عليه وسلكوا الجادة، كما قال صلي الله عليه وسلم: ( احب العمل إلى الله ادومه و إن قل) فداموا واخذوا بالقليل، ومن استطاع منهم أن يكثر فعلى حسب قدرته، و توسطوا في هذا الباب واعتدلوا على ميزان قوله صلي الله عليه وسلم : ( إن لنفسك عليك حقا، و إن لأهلك عليك حقا، فأعطى كل ذي حق حقه) ، فهم متوسطون في باب العبادة، ، و قس على ذلك بقية أبواب العبادة و نوافل الطاعة.

!
10-02-20, 03:12 PM
8- مــع الحـاكــم المســلم
و أهل العلم والإيمان متوسطون في معاملتهم للحاكم المسلم بين فريقين : غلاة وجفاة، بين من اتبع السلطان في كل ما يأمر به و زكاه و مدحه، واثني عليه، واقر بباطله، وسكت عن منكراته، ورضي بظلمه، و سلم له الأمر، ودافع عنه، و اعتذر عن كل خطأ، و دخل عليه و أرضاه بالباطل، و قد ورد الذم في النصوص لمن فعل ذلك كقوله سبحانه وتعالى: (اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً )(التوبة: 9)، وقيل لحذيفة: إنا ندخل على هؤلاء فنصدقهم بكذبهم ونسكت عن منكرهم، قال كنا نعد ذلك نفاقا على عهد رسول الله صلي الله عليه و سلم، وقوله صلي الله عليه وسلم لمثل هؤلاء : (فمن كره فقد برئ ومن أنكر فقد سلم و لكن من رضي وتابع)، و قابلهم أناس جفاة فتعاملوا مع الحاكم المسلم بغلظة وفظاظة، فأنكروا محاسنه و عدوا عليه معايبه، وكبروا خطاياه ، وكفروه بالذنب، و طالبوا بالخروج عليه،و حرضوا الناس على عصيانه، واستدلوا بأدلة في غير مواطنها، وقد نهي صلي الله عليه وسلم عن طريقهم كقوله صلي الله عليه وسلم في الخروج على الحاكم المسلم: (إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم فيه من الله برهان).
و توسط أهل العلم و الإيمان في هذه المسالة،فأطاعوا الوالي المسلم في طاعة الله و لم يطيعوه في المعاصي، و أنكروا عليه برفق، وكرهوا ما يأتيه من منكرات، وجمعوا أمر الأمر عليه وصلوا وراءه و لو كان له ذنوب، وجاهدوا معه، و لم يشقوا عصا الطاعة، وهذا فعل أصحاب الرسول صلي الله عليه وسلم مع ولاة السوء من بني أمية ابن عمر صلي وراء الحجاج وحج معه، وصلي كثير من أئمة الإسلام وراء كثير من بني أمية كما سلف ذكره، و هذا الذي دلت عليه النصوص كقوله سبحانه وتعالى: (أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ )(النساء: 59)، وقوله صلي الله عليه وسلم : (من فارق الجماعة فمات مات ميتة جاهلية) ، وقيل له صلي الله عليه وسلم إلا نخرج عليهم؟ قال : (لا ، ما أقاموا فيكم الصلاة) و أحاديث أمره صلي الله عليه وسلم بالسمع والطاعة والصبر على الأذى من الحاكم المسلم و لو جار وظلم معلومة مقررة عند أهل العلم والإيمان .

!
10-02-20, 03:13 PM
9- الرجــاء والخــوف
و أهل العلم والإيمان وسط في مسالة الرجاء والخوف ، ففي هذه المسالة غلا قوم وجفا قوم، فمنهم من اخذ بنصوص الخوف فلم يذكر رحمة الله عز وجل و خوف عباد الله حتى قنطهم من رحمة الله، و أيسهم من مغفرته و سد عليهم أبواب التوبة، فعاشوا قلقين خائفين، فكان يأخذ أحاديث الوعيد في الكفار و يطلقها على عصاة المؤمنين، حتى توهم الجهلة انه لا مغفرة ولا توبة ولا رحمة، و حتى بلغ ببعضهم اليأس إلى أن قال: فما نفع أن أتوب و أن استغفر و قد اغلق الباب، فيزداد في ركوب المعاصي و انتهاك حرمات الله يأسا و إحباطا منه، والله سبحانه و تعالى يقول: ( إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ)(يوسف:87) و قوله سبحانه وتعالى( وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ)(الحجر: 56)، فهؤلاء غلاة في باب الخوف و قد حملوا النصوص غير محاملها.
و قابلهم قوم جفوا فأتوا بأحاديث الرجاء فحملوحا محملا آخر، ووعدوا المذنبين و المرتكبين للكبائر بالمغفرة و سهلوا لهم طريق المعصية و الذنب و الخطأ وقالوا: لا يضركم مع الإيمان ذنب ولا كبيرة و لا سيئة و لا فاحشة، فأمنوهم من مكر الله- عز وجل- و طمأنوهم في هذا الباب حتى ركبوا المعاصي والسيئات اتكالا على المغفرة وعلى انهم لا يؤاخذون، و أن اصل الإيمان معهم، و إنما هذه أمور تحصل من البشر، و فتحوا لهم أبواب المعاذير.
و توسط أهل العلم والإيمان في هذا الباب فقالوا بأحاديث الخوف في بابها و أحاديث الرجاء في بابها فقالوا: الكبائر تضر بقدرها ، و يفسق صاحبها، و يخشي عليه من الذنب، و الواجب عليه أن يتوب، والصغائر لها اثر أيضا فان اجتمعت قد تكون كبيرة وقد يصر الإنسان على الصغيرة فتصبح كبيرة، و لكنه يرجي للمذنب التوبة ويخاف ليه من العقوبة، و أبواب التوبة مفتوحة، و رحمة الله قريبة، و هناك مكفرات كالتوحيد و ما يكفره من الذنب ، والمصائب المكفرة، والحسنات الماحية، ودعوات المؤمنين،و ما يحصل للعبد من عذاب القبر ومن روعة الموقف يوم العرض، ثم شفاعة سيد الخلق صلي الله عليه وسلم، ثم رحمة ارحم الراحمين.

!
10-02-20, 03:13 PM
10- الطيبـــات
و أهل العلم والإيمان وسط في مسائل الطيبات بين من غلا وجفا، فمن الناس من غلا في مسالة الطيبات من الطعام والشراب والزواج، فمنهم من ترك هذه الطيبات زهدا وورعا منه حتى اضر بنفسه و اضر بعبادته و حرم ما أباح الله له سبحانه وتعالى-، وبعضهم كان يمتدح انه ما أكل التمر في حياته، وبعضهم اثني على نفسه انه ما آكل اللحم، و بعضهم اقسم إلا يتزوج، فخالفوا سنة النبي عليه الصلاة والسلام وسيرته العطرة صلي الله عليه وسلم، فلبسوا الخشن، وتركوا ما احل الله لهم من الجميل ، و من الطيب، ومن المباح الحلال، و الله سبحانه وتعالى يقول:(يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً)(المؤمنون: 51)و قال تعالى(قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) (لأعراف:32) ، وقال صلي الله عليه وسلم: ( إن الله جميل يحب الجمال) و أنكر عليه الصلاة والسلام على رجل لما رآه شعثا متبذلا غير متطيب، و كذلك نهي صلي الله عليه وسلم رجلا كان يقوم في الشمس ولا يتكلم لا يأكل الطعام، فأمره صلي الله عليه وسلم أن يجلس في الظل، و أن يتكلم، و أن يتم صومه.
و أتي أناس فجفوا في هذا الباب فبذروا و أسرفوا و خالفوا النصوص في ذلك، فلبسوا افخر واغلي الملابس، و تفننوا فيها وافنوا أعمارهم في التأنق و التلذذ في أنواع المطاعم ، و التوسع في المساكن ، و الله سبحانه وتعالى يقول: ( وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً( 26)إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ )(الإسراء: 27)وقال سبحانه وتعالى: ( وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ)(الأنعام: 141) و نهي صلي الله عليه وسلم عن الإسراف في ذلك في أحاديث كثيرة، و قد صح عنه عليه الصلاة والسلام انه قال: ( البذاذة من الإيمان) وهو القصد والتقشف وسلوك الوسط.
و توسط أهل العلم والإيمان في هذه المسالة فاخذوا ما أباح الله لهم وما احل ، و أكلوا بقصد، و لبسوا بقصد، و اخذوا بحديث الرسول صلي الله عليه وسلم: ( كل واشرب والبس من غير سرف ولا مخيلة)، وهذه هي سيرة الرسول صلي الله عليه وسلم و أصحابه فانهم كانوا لا يتكلفون مفقودا، ولا يردون موجودا، ويلبسون ما أباح الله لهم ، ويتجنبون ما يضر بالجسم في الطعام واللباس، و ما يشهر صاحبه بالزهد، وهما لباس الشهرتين الغالي الثمين الملفت للنظر و الرخيص المزري بالإنسان، و اجتنبوا أيضا ما حرم الله للرجال من الذهب والحرير، والإسراف و الانهماك في ملاذ الجسم التي تعطل صاحبها عن مراقي الصعود في سلم العبودية، و عن السير في طريق الربانية، واخذوا ما احتاجوا إليه تحت مظلة الحلال، فالحلال ما احل الله، والحرام ما حرم الله، و الحلال بين والحرام بين، فتركوا المشتبهات وتركوا ما يقدح في الدين و جانبوا ما يشهرهم، سواء في مسالة السكن أو اللباس أو الطعام، و توسطوا في هذا الباب، وخير الأمور أوسطها (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً )(البقرة: 143).

!
10-02-20, 03:13 PM
- التقليــد و الاجتهــاد
و أهل العلم والإيمان وسط في التقليد و الاجتهاد في كتاب الله عز وجل وفي سنة رسوله صلي الله عليه وسلم بين الغلاة والجفاة، فالغلاة في هذا الباب غلوا في أقوال الأئمة و أخذوها كأنها نصوص، و عدوا كلام علمائهم وأئمتهم أقوالا قاطعة لا تقبل النقد، فدرسوا كتب المذاهب كأنها وحي منزل فحفظوها طلابهم، و أفتوا بها بلا دليل و لو خالفت الدليل فنشأ من ذلك التح-والتعصب بالباطل، و اغرقوا في تقديس أئمتهم كابي حنيفة و مالك والشافعي و احمد غفر الله لهم ، فصار في ذلك فرقة وخلاف بين المسلمين و شتات بين المؤمنين.
و جفا في هذا الباب أناس فعطلوا أقوال هؤلاء الأئمة وبخسوهم حقوقهم، و قالوا نأخذ بظاهر الدليل و ما علينا من جهود السابقين ولا آرائهم أو اجتهاداتهم، حتى الصغير في العلم و القليل في المعرفة منهم يري انه رجل وأبو حنيفة ومالك و احمد والشافعي رجال- و هذا من حيث الذكورية صحيح – ثم يلغي أقوال هؤلاء ولا يحترمهم ولا يري قدرهم، بل إن منهم من تعرض للائمة وسبهم و هذا خطأ وغلط، بل هؤلاء علماء محترمون، لهم قدم صدق في الإسلام و سابقة محمودة، وجهاد معروف، و مقام مشهود.
و توسط أهل العلم والإيمان في هذا الباب فاخذوا النصوص على إنها وحي من عند الله عز وجل كتابا وسنة، و استنبطوا منها وتفقهوا فيها، واستضاءوا بكلام أئمة الإسلام، واستفادوا من أقوالهم ومؤلفاتهم على انهم علماء يصيبون ويخطئون، وإصابتهم اكثر من خطئهم ، فلم يقلدوا تقليدا عقيما ، كما فعل بعض المقلدة المتعصبة لمذاهبهم، و لم يجفوا مع الأئمة جفاء كما فعله أهل الظاهر أو غلاة أهل الظاهر، بل كانوا على هذا السبيل الذي سلكه أئمة الحديث كأحمد والبخاري و أبي داود ومن سار على منهجهم من أئمة الإسلام.

!
10-02-20, 03:14 PM
12- الجهــــاد
و أهل العلم والإيمان وسط في باب الجهاد بين الغلاة والجفاة فمن غلا في هذا الباب وسع مسائل الجهاد و ادخل أبوابا في الجهاد ليست من الجهاد ، والجهاد في سبيل الله برئ منها، فحمل السلاح بغير حق وتأول بعض النصوص ، و كفر بعض المسلمين، و أفتى بجواز قتلهم، و يري الجهاد بدون ولاية أو عودة إلى وإلى الأمر في هذا الباب ، فحصل من فعله ومن ممارساته خطأ عظيم وجرم كبير، و فساد في الأرض، وسفك للدماء و استحلال للحرمات، وتهديد للأمن، لأنه لم يتفقه في هذه المسائل، ولم يعد المسائل لأهلها من أهل الاختصاص كما قال سبحانه وتعالى: (فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ)(النحل: 43)، وقوله سبحانه و تعالى:(وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ)(النساء: 83)، فهؤلاء مخطئون بلا شك، و قد غلوا في باب الجهاد غلوا مخالفا لمنهج أهل العلم والإيمان.
و قابلهم أناس- و هم الجفاة- عطلوا أبواب الجهاد، و أنكروا كثيرا من النصوص و حملوها على غير محملها بحجة أن الإسلام دين رحمة وتسامح، و انه لا قتال فيه ولا جهاد، و كأنهم يتكلمون عن النصرانية، بينما في الجهاد اكثر من مائتين و أربعين آية، ومئات الأحاديث النبوية الصحيحة، وهو ذروة سنام الإسلام ، وبوابته العظمي لرضوان الله سبحانه وتعالى، و به ينصر الدين ، وتعز الملة، وتحفظ الحرمات، وهو جهاد الكفار إذا كان بشروطه و بضوابطه التي هي موجودة في كتب أهل العلم.
و أهل العلم والإيمان توسطوا في هذا الباب ، فقالوا: الجهاد فريضة لازمة في وقتها وفي زمانها و مكانها الذي يقرره أهل العلم والإيمان، و اقروا بنصوصه وبينوا أن الجهاد عز وحصن لهذا الدين، و ذكروا قوله سبحانه وتعالى: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عليهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفي بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (التوبة:111)، وقوله صلي الله عليه وسلم فيما صح عنه :( و الذي نفسي بيده لوددت أنني اقتل في سبيل الله ثم أحيا ثم اقتل ثم أحيا ثم اقتل)، إلى غير ذلك من النصوص الصريحة، و ذموا الغلاة و أنكروا عليهم تصرفاتهم المخالفة للجهاد، و ذموا من جفا عن الجهاد، و أنكر فضله ومشروعيته، و أول النصوص فيه ، فهذا هو الوسط في هذه المسالة.

!
10-02-20, 03:14 PM
الــولاء والبــراء
و أهل العلم والإيمان وسط في باب الولاء والبراء بين الغلاة والجفاة ، فالغلاة في ذلك على غير المسلمين وبخسوهم حقوقهم بحجة انهم أعداء الله- عز وجل -، و لم يحسنوا لهم الخطاب، و لم يرفقوا بهم، و لم يعطوهم حق الإنسان على الإنسان، ولم يكونوا حلماء معهم ولا رفيقين بهم، و نسوا في ذلك قوله سبحانه وتعالى لموسى وهارون لما أرسلهما إلى فرعون:(فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً)(طـه: الآية44)، وقوله سبحانه وتعالى وهذا عموم :(وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً)(البقرة: الآية83) و فعله صلي الله عليه وسلم مع بعض اليهود لما الآن لهم الخطاب عليه الصلاة والسلام وترفق بهم، و زار جاره اليهودي فاسلم على يديه- صلي الله عليه وسلم- ثم لما مات قال صلي الله عليه وسلم(الحمد لله الذي أنقذه بي من النار)، فهؤلاء ركبوا الصعب و الذلول في إيذاء غير المسلمين حتى من المعاهدين و المستأمنين، فأقلقوهم و أزعجوهم وهددوا حياتهم وعرضوا لهم الإسلام عبر فوهات البنادق وأزيز الرصاص.
و جفا أناس في هذا الباب فوالوا غير المسلمين و أحبوهم واعجبوا بهم وتعلقوا بهم وتشبهوا بهم، و قد خالفوا قول الرسول صلي الله عليه وسلم(من تشبه بقوم فهو منهم) ، وقوله تعالى:(وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ )(المائدة: من الآية51)و رضوا بأفعالهم، و وأكلوهم و شاربوهم وزاروهم واستزاروهم، و ذكروا مناقبهم، و اولعوا بعجائبهم و غرائبهم، و نشروا محاسنهم في الناس، فليس لهم أي إنكار على هؤلاء لا في أفعالهم ولا أقوالهم ولا تصرفاتهم، بل اصبح الإيمان والكفر عندهم واحد، و المؤمن والكافر واحد، فخالطوهم وهم يشربون الخمر ويمارسون معاصيهم، ويسبون الدين، وهم ساكتون، فهم منهم، وهؤلاء ارتكبوا أمرا فظيعا ومخالفة عظيمة لمنهج أهل العلم والإيمان.
و قد توسط أهل العلم والإيمان فانزلوا النصوص منازلها في هذا الباب، فابغضوا من ابغض الله، واحبوا من احب الله، و تولوا من تولي الله، و تبرءوا ممن تبرأ الله منه، و لكنهم في المقابل لم يجفوا مع هؤلاء، بل دعوهم بالتي هي احسن و باللين، كما قال سبحانه وتعالى لرسوله صلي الله عليه وسلم:(فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ )(آل عمران: من الآية159)، و قال سبحانه وتعالى:(وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (القلم:4)، و غير ذلك من النصوص الدالة على انه ينبغي على المسلم أن يكون رفيقا لينا في غير ما يخدش الدين و لو كان ذلك مع أعداء المسلمين إذا كان بقصد دعوتهم إلى دين الله عز وجل.
و بالمقابل لم يذب أهل العلم والإيمان في علاقات شخصية وودية مه هؤلاء، و لم يتخلوا عن مبادئهم من اجل هؤلاء، و لم يعجبوا بصنيعهم و لم يقدموهم على المسلمين، أو يتولوهم أو يناصروهم أو يظاهروهم على المؤمنين، أو يفرحوا بما عندهم من الدنيا، أو ينشروا فضائلهم في الناس، أو يستحسنوا ما يأتون به لو كان مخالفا للإسلام، فهذا هو الوسط الذي دلت عليه نصوص الكتاب والسنة.

!
10-02-20, 03:14 PM
العلــــم
و أهل العلم والإيمان وسط في باب العلم بين الغلاة والجفاة، فمن غلا في هذا الباب قضي عمره وليله ونهاره منهمكا في المعرفة حتى عطل أوامر الله عز وجل، وترك العبادة الواجبة بحجة طلب العلم و اكتشاف الحقيقة، حتى أن بعض العلماء المعاصرين يري أن العلمانية قدمت العلم على الإيمان فجعلوا العلم وثنا يعبد من دون الله عز وجل، فحياتهم وليلهم ونهارهم في طلب الحقيقة كما يقولون، و في اكتشاف المخبوء، و في البحث عن المعرفة، و مع ذلك تركوا مسائل الإيمان لما انهمكوا في ذلك، و قد يطلق على مثل المكتشفين و المخترعين الذين كفروا بالله و ألحدوا ولكنهم وجهوا طاقاتهم إلى العلم فقط، قال سبحانه وتعالى:(يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ) (الروم:7) فلم يؤتوا مع العلم إيمانا، و الله إنما مدح العلم والإيمان في قوله تعالى:(الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْأِيمَانَ)(الروم:الآية56)، فهؤلاء ليس منهجهم بصحيح ولا مقبول، مهما قدموا للبشرية فسيبقي عليهم إثم الكفران بالله عز وجل و الأعراض عن دينه سبحانه وتعالى.
و قابلهم الجفاة الذين تنكروا للعلم، و لم يطلبوا المعرفة ولم يبحثوا عن الحقيقة، و لم يجهدوا أنفسهم في التحصيل، سواء في علم الآخرة أو علم الدنيا، و هؤلاء مذمومون جفاة جهلة، و مهما كان عندهم من الثراء، و مهما جمعوا من الأموال، فان الجاهل جاهل، و الله سبحانه وتعالى يقول:(قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ)(الزمر: من الآية9)، و هؤلاء ينكروا على من اسهر ليله في طلب العلم أو اكتشاف الحقيقة، لعدم معرفتهم بفضائل العلم، و الإنسان عدو ما جهل.
و توسط أهل العلم والإيمان في ذلك، فطلبوا العلم وحققوا الإيمان، و رأوا إن العلم طريق إلى الله سبحانه وتعالى، كما قال صلي الله عليه وسلم: ( من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة)، و حملوا نصوص فضائل العلم على انه العلم الذي ينفع صاحبه في الدنيا والآخرة، و هؤلاء العلماء الربانيون، و هم الناصية في الباب والذروة في هذه المسالة، قال سبحانه وتعالى :(شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ)(آل عمران:الآية18) ، وقال سبحانه وتعالى:( يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ)(المجادلة: من الآية11) ، و أوجب الإسلام طلب علوم الدنيا التي لا تخالف الدين من طب وهندسة و أعمار للأرض و بحث عن خيراتها وإخراجا لكنوزها، كل ذلك مع ما يوافق ما انزل الله على رسوله صلي الله عليه وسلم، وكما قال على رضي الله عنه: قيمة كل امرئ ما يحسن، فهؤلاء هم المحسنون في باب العلم، لانهم جمعوا بين العلم والإيمان كما قال عليه الصلاة والسلام: (مثل ما بعثني الله به من الهدي والعلم)، فالهدي هو العمل الصالح و العلم هو العلم النافع، فعمل بلا صلاح ضلال وعلم بلا عمل غضب، فالضلال الحال على النصارى لانهم عملوا بلا علم، والغضب الحال على اليهود لانهم تعلموا ولم يعملوا ، فنجانا الله منهم ومن عملهم و امرنا أن نستعيذ من أفعالهم، قال سبحانه وتعالى:(غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عليهِمْ وَلا الضالين)(الفاتحة: الآية7) و هم اليهود والنصارى.

!
10-02-20, 03:15 PM
الدعــــوة
و أهل العلم والايمان وسط في الدعوة بين الغلاة والجفاة، بين من غلا في مسائل الدعوة فأعطاها كل وقته حتى عطل بعض الواجبات من اجلها ونسي أهله وتربية أبنائه، و خرج من بيته بحجة انه يدعو إلى الله عز وجل، فانهمك في دعوة البعيد ونسي القريب ، واشتغل عن النوافل والعبودية التي تورث له الخشية و الورع والمراقبة المحاسبة، و جعل فضول المباحات التي يقضيها في الجلسات والمخيمات والمراكز الصيفية و الأندية والوادي دعوة، ولان نفسه اشتهت هذا الوضع تذرع بحجة انه يدعوا إلى الله عز وجل، ليريح نفسه من اللوم، ومنهم من فعل ذلك حتى ترك زوجته و أهله ينتظرونه الأيام والليالي و هو هائم على وجهه بحجة انه ينشر دين الله على الأرض، و هو لا نشر دينا ولا أدى حقا، و إنما يشكر له الجهد الذي يبذله في الدعوة، و أما فضول الأوقات التي عطل بها بعض الواجبات فهو ملوم بلا شك و مذموم على تقصيره.
و أما الجفاة في هذا الباب فهم الذين تركوا الدعوة ولو كانوا من أهل العلم أصلا، فلم يتشاغلوا بوعظ ولا بتدريس ولا بعلم ولا بفتيا ولا بتعليم ولا بأمر بمعروف ولا نهي عن المنكر ولا خطابة ولا تأليف، وإنما تعلم أحدهم علما كثيرا ثم كدسه في صدره، وكتم ما عنده من العلم و الحكمة و جلس في بيته و انزوي واشتغل بخاصة نفسه، وهو مقتدر على التبليغ و التعليم و انهمك في جمع الدنيا وفي الاشتغال ببيوته و مزارعه ومتعه الخاصة فهذا ملوم مذموم ، و سوف يسأله ربه عن ذلك.
و توسط أهل العلم و الإيمان في هذا الباب فبذلوا العلم والدعوة ، و اعطوا كل ذي حق حقه ،فمرة للتعليم، ومرة للأهل، و مرة للتزود من العلم، ومرة للتحقيق و التأليف، فكانوا احسن الناس في هذا الباب، كما كان عليه الصلاة والسلام و أصحابه فانه صلي الله عليه وسلم مرة مع أهله يداعبهم ويلاعبهم، ومرة على المنبر خطيبا، ومرة في الميدان مجاهدا، ومرة أمرا ناهيا، ومرة يزور القبور و يحضر الأفراح و الأعراس بابي هو و أمي صلي الله عليه وسلم، فهو المسدد المعصوم الذي هداه ربه، أسال الله أن يهدينا لسبيله :(لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ واليوم الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً) (الأحزاب:21).

!
10-02-20, 03:15 PM
الشجاعـــة
و أهل العلم و الإيمان وسط في باب الشجاعة بين الغلاة والجفاة، فالغلاة الذين تهوروا في باب الشجاعة، فاقدموا على أمور لا يستحب فيها الإقدام ولا يحبذ، فاهلكوا أنفسهم واهلكوا غيرهم، فنجد أحدهم يضحي بنفسه لأتفه الأسباب، ويغضب على أمور لا توجب الغضب، لان عنده نفسا غضبية سبعية، فهؤلاء مذمومون لانهم خالفوا المنهج الحق وميزان القسط الذي أنزله الله عز وجل للأديان وللأعمال وللأخلاق وللآداب.
و جفا أناس فكانوا جبناء لا يأخذون حقا ولا يعطون حقا، ولا يغضون إذا انتهكت محارم الله، فلا يغضبون لدينهم ولا لأعراضهم ولا أموالهم، ولا يحمون أحدا ولا يحمي بهم أحد، فهم خائفون وجلون، قلوبهم طائرة وأفئدتهم هواء، فهم أهل جبن و خور لا خير فيهم. و أهل العلم والإيمان شجعان يؤدون حق الله ويطلبون حقوقهم ولا يرضون الضيم على ميزان(وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَ)(الشورى: الآية40) فهم يغضبون لدين الله عز وجل إذا انتهك، أو مست كرامتهم، أو نيل شرفهم، فهؤلاء هم المعتدلون في هذا الباب.

!
10-02-20, 03:15 PM
الجــــود
و أهل العلم والإيمان وسط في باب الجود والكرم بين الغلاة والجفاة، بين من غلا فأسرف وبذر أمواله وانفق ما عنده رياء وسمعة و اكثر من الإنفاق على محبوباته و ملذاته وشهواته ومطامع نفسه، فكلما دعته نفسه إلى شيء أخذه فدفع الغالي والنفيس من اجل النفس الأمارة بالسوء، مع العلم أن مثل هؤلاء يعطلون الحقوق، فما صرف مال في باطل إلا بجانب حق مضاع يعادله.
وقابلهم قوم جفاة فبخلوا بما أعطاهم الله عز وجل، فحرموا أنفسهم وحرموا غيرهم من المال الذي عندهم، و صاروا خزانا للمال، وعبيدا للثروة، لم يستنفعوا بها لا في الدنيا ولا في الآخرة، عاشوا مذمومين مقبوحين، لا خير فيهم ولا ذكر حسنا لهم، ولا قبول لهم، تلعنهم القلوب وتسبهم الألسن، وتنفر منهم الأرواح.
و توسط أهل العلم والإيمان ، فكانوا كرماء يبذلون المال في حقه وفي موجبه، فيعطون المسكين والفقير، ويقرون الضيف ويصلون القريب، ويتمتعون بالحلال المباح، ويعطون كل ذي حق حقه على باب الاقتصاد والتوسط و الاعتدال، وهو منهج الله سبحانه وتعالى فيقول سبحانه وتعالى :(وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً) (الفرقان:67)، وقوله سبحانه وتعالى:(وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً) (الإسراء:29).

!
10-02-20, 03:16 PM
الخـلــــــق
و أهل العلم والإيمان وسط في باب حسن الخلق بين الغلاة والجفاة، اكثروا من الضحك والمزاح والعبث و اللهو، يضحكون مع كل أحد، و يمزحون مع كل بشر،و يحبون التبذل مع أصناف الناس، فليس لهم ضابط في الخلق لا في المسجد ولا في الشارع ولا في السوق ولا في المجلس، فهم كالمهرجين والممثلين والمستهزئين، ليس لهم وقار ولا قيمة ولا هيبة، فقهقهات ضحكهم مرتفعة، ونكاتهم كثيرة، سقطاتهم وفيرة، وهزلهم بين لا نسبة ولا تناسب مع جدهم، عطلهم المزاح و اللهو والعبث عن السير على منهج الخير والإصلاح.
وقابلهم جفاة مكشرون عابسون ، لا بسمة تعلو محياهم، ولا خفة روح عندهم، لا ظرافة فيهم، لا رقة في طباعهم، لا انس في القرب منهم، لا راحة في مجالستهم،جباههم عابسة، ووجوههم مكفهرة، دائما لا يوحون لك بأمل، ولا تبشر طلعاتهم بخير، ولا يجد من اقترب منهم فرحا وسرورا.
و توسط أهل العلم والإيمان في هذا الباب فتبسموا بلا قهقهة لقوله صلي الله عليه وسلم: ( و تبسمك في وجه أخيك صدقة) ولكنهم لم يوغلوا في ذلك ولم يكثروا، لقوله صلي الله عليه وسلم: ( كثرة الضحك تميت القلب)، و كان مزاحهم بقدر، ولم يكذبوا في مزاحهم، و لم يستهزئوا بشيء من شعائر الدين أو الصالحين، ولم توصلهم النكتة والطرفة إلى التعرض لأعراض المؤمنين، إنما مزاحهم لطيف شريف خفيف، و أرواحهم ظريفة سهلة لينة هينة، و في مواطن الجد تلقاهم يبدعون وينتجون ويعلمون ويعملون، فالناس في سلامة منهم، وهم في سلامة من أنفسهم ومن الناس، لقوله صلي الله عليه وسلم: ( المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده و المؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم) ، وقس على ذلك أبواب الأخلاق جميعها تجد أن أهل العلم والإيمان- وهم عباد الله وصفوته من خلقه- وسط بين الغلاة والجفاة سواء في باب الإيمان، أو في باب الأخلاق، أو في باب الآداب ، أو في باب السلوك، أو في المسائل الاجتماعية المتفرقة، فهم قائمون بالميزان الذي أنزله الله سبحانه وتعالى على رسله عليهم السلام.

!
10-02-20, 03:17 PM
والان كتاب وصيتي

للدكتور عائض القرني

!
10-02-20, 03:17 PM
المقدمة

الحمد لله، والصلاة والسام على رسول الله، وعلى اله وصحبه أجمعين ، وبعد:
فلا احسن من الوصايا، و لا اجمل من النصائح، خاصة إذا كانت من محب، يمليها الرشد، ويعضدها البرهان، تثومها التجربة، وهذه وصيتي اجتهدت فيها حسب قدرتي، علها أن تصادف قلبا قابلا لها، و أذنا صاغية إليها، فتقع موقعها، و تؤتي أكلها ولو بعد حين.
و الله – سبحانه – أسال أن ينفع بها، و أن يجعلها خالصة لوجهه الكريم، و أن يجعلها من العمل النافع الباقي بعد الموت.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى اله ومن والاه وبعد:
فهذه رسالة بعنوان ( وصيتي) ،و أول ما أوصى به توحيد الله سبحانه وتعالى فأقول: اشهد أن لا اله إلا الله، و أن محمدا عبده ورسوله، رضيت بالله ربا ، و بالإسلام دينا، وبمحمد صلي الله عليه وسلم رسولا.
ثم اعلم- أيها القارئ الكريم- أننا خلقنا لعبادة الله و طاعته و امتثال أمره واجتناب نواهيه،فليكن أهم ما يهمك مراقبته سبحانه وتعالى و تقواه،ثم لتعلم أن سر الحياة وسر الوجود إنما هو في إفراد الله بالعبودية و اتباع رسوله عليه الصلاة والسلام، والعمل بطاعته، ثم أوصيك بالصلاة – عمود الإسلام- محافظة على أوقاتها، وعلى أدائها في الجماعة،و على تعلم فرائضها وواجباتها وسننها ، و أدائها على اكمل وجه، من حيث الخشوع والتذلل و التضرع لله سبحانه وتعالى، ومراقبته، و تأديتها في أول الوقت جماعة، فان من اعظم علامات المؤمن أن يحافظ على الصف الأول وتكبيرة الإحرام، و ما وجدت أحدا أخل بصلاة الجماعة إلا أصيب بخذلان في طاعته ، و غي في تصرفاته، و انحراف في أموره.
ثم أوصى بكتاب الله عز وجل، هذا الكتاب العظيم المقدس المبارك، أن يتلي على الوجه الذي يليق به، و حبذا لو كان جزءا في اليوم، و هذا الجزء يقرأ بتدبر و بوقوف عند أوامره ونواهيه، و أوصى أن يكون هناك اطلاع على السنة مهما قل، في اليوم حديث أو حديثان أو ثلاثة، و اقترح في الأحكام كتاب ( بلوغ المرام)، و في الأخلاق والآداب والسلوك كتاب (رياض الصالحين) .
و أوصى بان يكون لسان المؤمن رطبا بذكر الله سبحانه وتعالى، مداوما على التهليل، والتكبير، و التحميد، و التسبيح، و الأدعية المأثورة، و الكلمات الشرعية المعلمة من خير الخلق صلي الله عليه وسلم ، و انبه على انه لا يمكن أن يكون الإنسان جديا في حياته ولا عمليا حتى يعيش في حدود يومه، فإذا اصبح فلا ينتظر المساء، و إذا أمسى فلا ينتظر الصباح، و ليجعل له مخططا في اليوم منذ أن يصلي صلاة الفجر، فيبتدئ بالأذكار، ثم ما استطاع من حزبه من الجزء الذي ذكرته، ثم أن كان طالبا فليتهيأ لدراسته، و أن كان موظفا فليتهيأ لأداء عمله على اكمل وجه، و أن كان تاجرا فليطلب الرزق، فان الرسول صلي الله عليه وسلم قال: ( بارك الله لأمتي في بكورها) فاعظم وقت للقراءة و الحفظ و طلب الرزق بعد الفجر، لمن لم يكن ساهرا أو متعبا.
ثم أوصى أن يكون المسلم متوازنا في أموره، لا يطغي جانب من جوانب حياته على جانب آخر، فللوالدين حق عظيم، فرب قبلة على كف والد أسقطت تبعات من الذنوب و الفواحش من الآثام.
فأوصي ببر الوالد والوالدة، و أن يكون العبد خادما لهما طائعا لأوامرهما ، يلتمس رضا الله برضاهم.
و أوصى بحسن الخلق مع المؤمنين، وليعلم أن الله سبحانه من حقه أن يرجي في عباده ، وان يخاف وينفع فيهم، لانهم عياله، فاحب الخلق إلى الله انفعهم إلى عياله، وليلن كلمته، وليبسط وجهه لعباد الله، وليكف عن أخطائهم، يصبر على زلاتهم، ويخالطهم في نفعهم، و يجتنب فضول مبيحاتهم أو ما يخالفون فيه الشرع.
ثم أوصى بان تكون أعمال العبد خالصة لوجه الله، ولا يتم إلا باستحضار النية في كل عمل، و في كل طاعة، و في كل تصرف، فيجدد نيته في كل وقت، وفي كل عام، فإذا أراد أن يقوم بعمل سال نفسه هل هو لله أو لغيره سبحانه وتعالى؟ ، ثم يبدأ بتحديث نفسه بهذا الشعور، وهذا هو المقام الذي فرق بين الأولياء والعصاة، فكم من عمل حولته النية إلى طاعة لله قربة، و كم من طاعة تحولت بسوء النية إلى مخالفة لا يؤجر عليها العبد.
وليعلم العبد انه من تراب، وليتذكر نسبه ومن أين أتي، ولينظر في اصل خلقته و ضعفه ومسكنته وقلة حيلته، و قصور علمه، و محدودية قوته، ثم ليخضع ولينكسر بجبروت الله عز وجل، وليأسف و ليتذكر- إذا غرته نفسه- ذنوبه وتقصيره ومعاصيه.
ثم أوصى بنزع الحسد من القلب بحيث يكون صدر المؤمن سليما، خاليا من الغل، و من الغش، محبا لعباد الله المؤمنين كبيرهم وصغيرهم، ناصحا لهم، شفوقا عليهم، عطوفا بهم، رحيما بالمؤمنين.
و أوصى بحسن مظهر المؤمن، فان الله طيب لا يقبل إلا طيبا، والله جميل يحب الجمال، فليعتن بظاهره كما يعتني بباطنه، و ليكن حسن الثياب، و أن كانت بيضا فهي احسن، وليلبس ما يلبسه الناس، فلا يلبس لباس المترفين الذي يلفت الأنظار إليه ويدعو الأبصار إلى رؤيته، ولا يلبس لباس المبتذلين المترمقين الذي يزري به و بين أقرانه وإخوانه، ويشهر به، فيقال له هذا عابد، أو زاهد، أو متقشف، بل عليه بالوسط الذي يلبسه أوساط المسلمين بحيث لا يلفت النظر إليه، ولا يدعو إلى استغراب، و لا إلى عجب من لباسه، و عليه بالآداب العامة في حياته، و ليكن قدوة في الخير مرتبا منظما، كل شيء عنده بنظام منذ أن يصبح،بتنظيم أوراقه ووضع كل شيء في موضعه، و دقة وقته، واستيقاظه، و نومه، وتناوله للطعام، و قراءته، وممارسة ما باح الله له سبحانه وتعالى، فليكن في نظام، وفي حسن هيئة، و حسن رائحة ، وحسن مظهر، مع الاقتصاد وعدم الإسراف، و ترك التبذير و المخيلة.
و عليه أن يراعي الآداب الدقيقة الشرعية، كطرق الباب عند الاستئذان، فلا يزيد على ثلاث، ولا يقف أمام الباب فيكون نظره إلى البيت بحيث إذا فتح صاحب الدار فاجأه بالنظر، و إذا دخل فليسلم، و ليخلع حذاءه في مكانه الخاص به، و ليدخل بهدوء، وليجلس حيث أجلسه صاحب المنزل، ولا يذكر أعراض الناس ولا يعرض بهم، و لا يكثر من الحديث، و لا يأتي في وقت لا يزار فيه كبعد صلاة العشاء، أو قبل الفجر، أو بعد صلاة الظهر، إلا بإذن صاحب المنزل، و لا يطيل المكث إلا لمصلحة، أو إذا علم من صاحب البيت الأنس، و ليترك فرصة لمن يحاوره بالكلام فلا يستأثر بالمجلس، ولا يمدح نفسه، و يذكر إنجازاته و أعماله، و لا يهون من شان الآخرين، ولا يكثر من الضحك، ولا يسرف في المزاح، وإنما بقدر، و ليحرص أن يكون في المجلس فائدة أما بآية أو حديث ، و ليذكر الناس بذكره سبحانه وتعالى، و بنعمه، و الصلاة على رسوله، ولا ينسي كفارة المجلس، و حبذا إذا رأي في المجلس حديثا غير مناسب أن يغيره بهدوء و برفق، كان يدخل في قصة أو يجر الحديث برفق إلى موضوع مهم، ويحفظ لسانه فلا يتعرض لسلطان ولا عالم ولا داعية ولا كبير ولا صغير إلا بالخير، وليحترس من جلسائه ولا يأمن الناس على دينه أو يستأمنهم عليه، بل يفوض أمره إلى الله عز وجل، و أن يكون قصير الأمل مقتصدا، و يعلم أن الخطوة التي يمشيها ربما لا تتم بخطوة أخرى، و أن الأمر أسرع من ذلك، و أن الموت قد يفاجئه، فليستعد بتوبة، و ليجدد إيمانه دائما، و أن يقضي الديون التي عليه للناس، و يتحلل من الإساءات التي ألحقها بالآخرين، فيطلب العفو إلا في الغيبة فإنها قد تثير عليه وتوغر صدر من اغتابه فليستغفر له ويكفي.
و أوصى بان يكون للمسلم مكتبة فيها من احسن الكتب، من التفسير والحديث والفقه والأدب الراشد و الثقافة الواعية ما يجعلها أنسا له وبديلا طيبا عن كل جليس، فانه علم بالاستقراء والتجربة انه مهما جلست مع إنسان و استأنست به و برحلة أو بنزهة أو بوسيلة من الوسائل، فانك لن تجد أمتع – بعد طاعة الله تعالى – من الكتاب، و خير جليس في الزمان كتاب.
و أوصى بحفظ الوقت حيث يكون للثانية أو الدقيقة ثمن باهظ عند المسلم، فلا يصرفها إلا في طاعة، فان الدقيقة الواحدة قد تسعده وتسكنه بجوار الله سبحانه في جنات الخلد، وتحل رضوان الله عليه فلا يفرط في وقته فهو اعز من الذهب والفضة، و ليكن شحيحا بساعاته و دقائقه و ثوانيه، و ليصرفها في ذكر أو تدبر أو قراءة أو صلاة أو تأمل أو نفع مسلم أو شفاعة أو مباح يعين على طاعة الله، و على المسلم أن يكون له جلسة مع نفسه في اليوم و لو لنصف ساعة أو اكثر أو اقل ، و يعد لمستقبله، و يقدم على ربه، و ينكر علاقته بالناس، فان العزلة فيها من التفكر و اصطياد الخاطر و جلاء الذهن ما الله به عليم.
و أوصى المسلم باعتزال الشر وفضول المباحات، فما بقي إلا حاسد أو شامت أو متلمس لغلطة أو ثقيل أو بغيض أو متربص أو من ينقل الكلام أو أحمق أو متكبر أو سيئ الأدب، و حل ذلك في عزلة، و لكن عزلة نافعة مع القرآن، أو مع دواوين السنة والفنون الأخرى، أو مع الأهل، أو مع الصالحين، و يوجد من الناس من فيهم خير و طاعة وتقوي، يزيدك الجلوس معه إيمانا بالله عز وجل ، و طاعة له، و قربا منه سبحانه وتعالى.
و أوصى بالقيام على أهل البيت من الزوجة و الأبناء والمحافظة على تقواهم، واتقاء الله فيهم، والقيام بالرعاية الشرعية الصحيحة، و الإشراف على تربيتهم، و تخصيص وقت لازم لهم في تناول الطعام و الجلوس والإفادة و النزهة، ولا يغفل عن بيته فان بعض الناس عندهم من الشرود و الانشغال بالفضول وترك الأصول ما يتسبب في فساد عريض في الدنيا و الآخرة، فليخصص وقتا لا بد منه، و ليكن خلوقا مع أهله ضحاكا بساما مزاحا، قريبا منهم مؤنسا لهم، فانهم أحق الناس به، و حق الأهل مقدم على حق الآخرين، و الأقرب فالأقرب، و الاقربون أولي بالمعروف.
و أوصى المسلم أن يتقي الله فيما يقول، فلا يكون عيافا ولا سبابا، ولكن عليه بتطهير لفظه وانتقاء كلماته، ولا يعرف بجماعة ولا جمعية ولا عالم ولا مسئول، ولا داعية ولا كبير ولا صغير، بل يكون مصلحا في كلامه، ملتمسا رضا الله عز وجل في قوله، يشيد بالخصال الحميدة في الناس، و الجوانب المشرقة فيهم، ويتغافل عن زلاتهم و أخطائهم، كما قال الأول:
ليــس الغنـــي بسيــد في قومــه
لكــــن سيــد قومـه المتغــابـــي
و أحذر من ضياع الوقت، والانهماك في المعاصي، و رؤية الأفلام الخليعة، و المشاهد المضرة، و الأغاني الماجنة، و الانهماك في لذائذ النفس ولو كانت مباحة، لان الإسراف فيها يعطل الحقوق، ويمنع الواجبات، و يضعف النفس، و يغضب الرب، و يقتل الوقت، ويذهب المال، وينسف الجاه، ويذل الرقبة، و يرغم الأنف. فالله الله في تقواه سبحانه وتعالى في السر و العلن، فان ذنوب الخلوة يكشفها سبحانه وتعالى للناس ولو بعد حين. ومن اسر سريرة رده الله سبحانه وتعالى إلى تلك السريرة، أن خيرا فخير، و أن شرا فشر.
و ليجتنب المؤمن الكتب الضارة التي فيها الدعوة إلى الكفر والإلحاد، أو التشكيك في الإيمان، أو ضياع الأزمان، أو القصص الواهية الموضوعة المكذوبة،و الغرائب و العجائب التي لا سند لها ولا صحة، وليجتنب كتب الأدب التي أسرفت في الفاحشة و الهوى وذكر الغرام، و الهيام، و المجون، و الإعراض عن طاعة الله، والعشق، و نحو ذلك، فإنها تفسد القلب فسادا عظيما لا يرجي شفاؤه، إلا أن يشاء الله، إذا تاب العبد و أناب وعاد إلى الله. فان حب الغناء وحب الزور و حب الفواحش لا يجتمع مع الإيمان والقرآن في قلب واحد، و المحظوظ من وفقه الله.
و أوصى بقراءة سيرة الرسول عليه الصلاة والسلام و مراجعتها، و لو بقراءة جزء يسير منها في اليوم، حيث انه القدوة والأسوة الحسنة، فليطالع المسلم أخباره، و غزواته، و هديه في عبادته، و صلاته، و صومه، وحجه، وذكره، و تعامله، ويقظته و نومه، و ليقرأ أحوال أصحابه معه حيث يكتشف أسرار حياة الرسول صلي الله عليه وسلم و دقائقها، وتفصيل عمره، حتى لا تخفي عليه خافية من حياة هذا الرسول العظيم صلي الله عليه وسلم ، لان قراءة السيرة- خاصة من المصادر الموثقة- فيها من زيادة الإيمان، و توضيح الرسالة، و شرح هذا الأصل المتين والنبأ العظيم، الذي ما طرق العالم نبأ اعظم منه و هو مبعثه عليه الصلاة والسلام، و لا يكتفي بالخطوط العريضة في حياته صلي الله عليه وسلم ، بل يدرس حتى أدق الدقائق، و تفاصيل التفاصيل في حياته عليه الصلاة والسلام، ليكون على بصيرة من كيفية نزول الوحي، و كيفية بعثته صلي الله عليه وسلم ، و ما لقي من أعدائه، و ما أمر به، و ما فعلهن و ما اجتنبه، مكتشفا أخلاقه و آدابه و رضاه وغضبه، و حربه و سلمه، و جوده وشجاعته، و مواقفه العظيمة، و أخلاقه الكريمة، و صفاته المستقيمة، فإنها و الله من اعظم الدروس، ومن اجل العبر، لمن كان له قلب أو القي السمع وهو شهيد.
و ليطالع أحوال أصحابه ويقرأ أخبارهم و صفاتهم الجليلة، و مواقفهم العظيمة في نصرة الدين، وخشيتهم، وزهدهم، وعبادتهم، وتفانيهم في نصرة ربهم، و بذلهم النفس والنفيس في طاعة مولاهم، و مواقفهم المشهودة في المعارك، و دفعهم لدمائهم و تقديم أرواحهم و التضحية برؤوسهم، والصبر على الألم والجوع والسهر والسب و الضرب والجراح و الهجر والتشريد و المعاناة، كل يطالعه بقلب محب لهم، لان الله سيحشره معهم.
و ليجتنب وليحذر كل الحذر من الاستهزاء بما يتعلق بالدين من كتاب ، أو رسل أو سنة، أو أنبياء عليهم الصلاة والسلام، أو الملائكة، أو شان الآخرة من جنة أو نار، ولا يرفع صوته ولا يعترض ولا يشكك ولا يمزح، بل يكون راغبا فيما عند الله ، مخبتا متأدبا في محراب العظمة، ساكتا ساكنا، وان نطق لا ينطق إلا بخير، معتقدا أن هذه المقامات جليلة عظيمة، تستوجب التقديس والتكريم و التعظيم و الاحترام كل الاحترام.
و علي المسلم أن يتوسط في أموره، فان الدين وسط، و الإسلام وسط بين الملل، و أهل السنة وسط بين الفرق، فانهم بتوفيق الله لهم- أي أهل السنة- وسط بين الروافض والنواصب، ووسط بين المرجئة و الخوارج، ووسط بين الجبرية والقدرية. فهم وسط في الأسماء والصفات، ووسط في المعتقد، ووسط في الوعد والوعيد، ووسط في الحب البغض، ووسط في الولاء والبراء، ووسط في الأخلاق، فيكون كريما لكن يجتنب الإسراف و التبذير كما يجتنب البخل وليكون سخيا جوادا. ووسط في الشجاعة فيكون شجاعا مقداما لكن يجتنب التهور والجبن. ووسط في البسمة فلا ينهمك في الضحك حتى يموت قلبه، ولا يعبس حتى يبغضه إخوانه، فليتوسط في جميع أموره و مسالكه، فان القصد و الوسط اصل عظيم.
و على المسلم أن يهتم بأمر السنن الدقيقة الغالية الثمينة كسنة السواك، وإعفاء اللحية، وقص الشارب، و القيام بخصال الفطرة الأخرى، كتقليم الأظافر، و حلق العانة، و نتف الإبط، و مداومة الطيب، و النوم على طهارة، ولبس الطاهر الجميل، و مداومة أذكار الصباح والمساء، و أذكار المناسبات كدخول المسجد و الخروج منه، و دخول المنزل و الخروج منه، و غيرها من المناسبات، وعليه أن يصبر للناس فلا يفتر من مطالبهم، ولا يسام من خدمتهم، كل ذلك في حدود طاقته، بحيث لا يعطل طاعة اعظم منها، و لا يواجههم بما يكرهون، ولا يتعالى عليهم، ولا يعبس في وجوههم، ولا يترفع بالألفاظ عليهم، ولا يصادر جهودهم، ولا يحرجهم، ولا يكلفهم شططا، بل يكون رحيما رقيقا سهلا لينا قريبا منهم.
وليهتم بطعامه، وليكن وسطا في ذلك، فيأكل الحلال الطيب مقتصدا، مجتنبا الإكثار إلى درجة التخمة، و مجتنبا- كذلك- قتل النفس، بحيث لا يأكل الطيبات أو يكثر من الصيام حتى يضعف جسمه، فلا يؤدي الطاعة على اكمل وجه، أو يجتنب ما أباحه الله من لباس. وليلزم السنة التي هي سفينة نوح، فمن ركب فيها نجا، ومن تخلف عنها هلك.
و إذا ذكر الرسول عليه الصلاة والسلام فليصل عليه، و يحترم كلامه،و يوقر حديثه، وليتأدب معه، وعليه أن يترضي عن الصحابة رضوان الله عليهم، و يجتنب النيل منهم، ويدافع عنهم، ويزكيهم كما زكاهم الله، ويعتقد ولايهتم، و انهم خير منا، و أسد طريقا، و احسن نهجا، و ارفع منزلا، وليقدر لهم جهادهم وتضحياتهم وبذلهم في سبيل الله.
و إذا ذكر الأئمة فعليه أن يترحم عليهم، و يعتقد ولايتهم وحفظهم، و لو خالف الواحد منهم، فعليه بالأدب، وليعتصم في كل مسالة بدليل من الكتاب و السنة، فلا يقلد ولا يكون متعصبا للمذاهب، إنما عليه بالدليل إذا كان طالب علم، و ليبحث عن البرهان في الكتاب والسنة، ثم يذهب مع الحق حيثما ذهب في المسائل، سواء كان مع الأحناف أو الحنابلة أو المالكية أو الشوافع، وعليه أن يحسن الظن في الجماعات الإسلامية، ولا يتعرض يسددهم، و يرفق بهم، وينصحهم بالتي هي احسن، ولا يتعرض لهم، و لا يجمع زلاتهم، و لا يفرح بأغلاطهم، ولا يلتمس عثراتهم، فانهم يعملون للإسلام ومن اجل الإسلام، و إذا اخطأ منهم أحد فلا يقره على خطئه، بل يبين لهم الحق أوضح بيان، بأحسن طريقة، و ارجح وسيلة، عليه أن يعيش هموم المسلمين، ويسال عن أخبارهم في مشارق الأرض ومغاربها، و يتأسف و يندم لما حصل لهم، ويحزن لحزنهم، ولا يعيش لنفسه بل يعيش للمسلمين جميعا، و أن يقدم ما يستطيع من دعم من مال، أو جاه، أو دعاء، أو شفاعة، ولا يكون قاصر الهمة، فان بعض الناس يعيش لبيته ولا بنائه و لوظيفته، فليس له همة عالية توصله إلى ما يحبه الله عز وجل، من تذكر هموم المسلمين و ما يمرون به من أزمات، ومن مصاعب، بل إذا سمع بمسلم وقع عليه شر كأنما وقع على نفسه أو ابنه، فهذا من تمام النصح لله ، و لرسوله، ولكتابه، ولائمة المسلمين و عامتهم.
و أوصى المسلم أن يكثر من الاستغفار ليلا ونهارا، بحيث يكون على لسانه أسرع من الهواء واجري من النفس، فان مع الاستغفار كثرة الرزق والذرية الطيبة، و انشراح الصدر، و تفريج الهموم، و زوال الغموم، و تسهيل الحاجات، و حصول المنافع ، وتكفير السيئات، و غفران الذنوب، ورفع الدرجات، و كتابة الحسنات وفي الحديث: ( من اكثر من الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا، ومن كل ضيق مخرجا، ورزقه من حيث لا يحتسب) ، و ليكثر من ( لا حول ولا قوة إلا بالله) خاصة عند اشتداد الأمر، أو حمل الأثقال، أو صعود الجبال المرتفعات، أو ضيق الخاطر، فإنها كنز من كنوز الجنة، وعليه بكلمتين خفيفتين على اللسان، تقيلتين في الميزان، حبيبتين إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم، أما احسن كلمات الذكر فهي ( لا اله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير) ، فأوصي أن تقال مائة مرة في اليوم، فليحافظ عليها، ويلزمها، ويداوم على تكرارها حتى يسعد بها، ويموت عليها، ويدخل الجنة بها.
و أحذر من أكل الحرام، فان الكسب الحرام خبيث ،يفسد العبادة و يخل بالطاعة، و يكون مردوده على الصحة عكسيا، من الأمراض و الأوبئة، كما يفسد الأبناء فتخرج تربيتهم معوجة، فان الجسد الذي نبت بالحرام ينشأ فيه القلب خاويا غاويا، فليحرص المسلم على دخله وكسبه ولو قل، وليجتنب الربا، و ما حصل من غش في المعاملات، أو الرشوة ، وما حصل من تزوير وخداع، أو اخذ لمال من غير وجه شرعي صحيح.
و ليحذر المسلم من الذنب العظيم الذي انتشر وهو الغيبة و تقفي الناس بالسب في غيبتهم، فان الغيبة مفاسدها عظيمة، فهي تورث البغضاء و الشحناء، وتذهب الأجر، و تعظم الوزر.
و علي المسلم أن يعيش بين الرجاء والخوف، فلا يحمله الخوف أن يقنط عباد الله من رحمة الله ويؤيسهم من مغفرته و يحملهم على العنت في الدين، و يخوفهم إلى درجة أن يصابوا بالإحباط فيستمر العاصي على عصيانه، فان بعض الناس إذا علم انه يغفر له، و أن الرحمة عنه بعيدة، و أن دخول الجنة مستحيل، ة كذلك لا يركب الناس مركب الرجاء وحده، فيامنهم مكر الله، فيجترئون على ركوب المعاصي و انتهاك المحرمات وجمع السيئات، فان كثيرا من الناس إذا وسع لهم وفتح لهم الباب ومد لهم الحبل ، ظنوا انهم لا يحاسبون ولا يعاقبون فيستمرون على عصيانهم، متمسكين بعموميات من ذكر الرحمة، فينزلونها على أنفسهم. فليكن المسلم وسطا في نفسه و في وصيته لإخوانه بين الخوف من الله والرجاء في رحمته. و إذا حضرت الوفاة فليغلب جانب الرجاء وحسن الظن بالله جل في علاه.
و على المسلم إلا يتحدث للناس إلا بما تدركه عقولهم، فلا يتشدق في كلامه، ولا يتفيهق، ولا يتعمق، ولا يظهر الثقافة في ألفاظه، فان بعض الناس يصاب بالعجب فيدمج ألفاظا عالية مرتفعة على جلسائه، و يأتي بمصطلحات غريبة، و بجمل عجيبة، يقلب بها الألباب، ليقال انه مثقف، و انه مطلع، فبئس المطلب، و بئس هذا المسلك، بل عليه أن يتحدث بما يناسب أفكارهم وما ينفعهم ويفيدهم، و يجتنب الجدل أو الكلام بأمور ضارة، أو التحدث في مسائل لا تنفع، أو النطق بجمل يستحي منها، من الفحش والمجون مما يسلب المروءة، فان مردود هذا وخيم على عقبه، و على نفسه و أدبه، وهو قادح في استقامته وفي رشده وفي وعيه.

!
10-02-20, 03:18 PM
و على العبد أن يهتم بالأخلاق الإسلامية الشريفة من إكرام الضيف، و حسن استقباله و خدمته، و القيام عليه، و إكرام الجار، و كف الأذى عنه وستره، و تفقد أحواله، وحفظه في غيبته، و اكرم العلماء و التواضع لهم، و الاستفادة منهم، و تبجيلهم وتوقيرهم و الذب عنهم، و مثل توقير السلطان المقسط العادل و الذب عنه، و عدم تقفيه بكلام لا مصلحة فيه، و مثل رحمة المسكين و البائس، و الفقير، و اليتيم، والمرأة، و السعي في مصالح المسلمين كالشفاعة في الكتابة أو الشفاعة بالمواجهة، أو التوسط في خير بين المتخاصمين حتى لو أدى إلى أن يسهر أو يتعب أو يسافر، فان هذا من الجهاد في سبيل الله، ومن التضحية في مرضاته، ومن العمل الصالح الذي ترجي بركته وبره واجره.
و علي المسلم أن لا يغفل عن الصدقة، فإنها تطفي غضب الرب ولو كانت شربة من ماء أو تمرة، فلا يحتقر من المعروف شيئا، فان الكلمة الطيبة صدقة، و تبسمه في وجه أخيه وذبه عن عرضه صدقة، فليكثر من الصدقة حتى يكثر الله رزقه، و يوسع عليه، ويجعل دخله مباركا، و ليصدق النية لوجه الله عز وجل، لا رياء، ولا سمعة، و ليتصدق على المحتاجين بماله أو بطعامه أو بدقيقه أو بلباسه أو بأي شيء يوصل الخير إليهم، ولا يكن أنانيا بخيلا شحيحا، فيمنع الله عنه الخير، ويخفف عنه منابع الفضل والرزق، ويحرمه بركة العيش، ويسلب عنه الصحة و العافية، فان الجزاء من جنس العمل.
و عليه أن يهتم بأقاربه و أرحامه بزيارتهم، فان القريب له حق، خاصة النساء من الأخوات، والبنات، و العمات، و الخالات، فإنهن ضعيفات، فيصلهن ويبرهن، و يهدي لهن، يسال عن أخبارهن، ويقف معهن، ليصل الله سبحانه وتعالى حبله به، يرحمه يتولاه في الدنيا و الآخرة. و ليجتنب فضول الكلام وفضول الأعمال، كالجلوس في الطرقات، و دخول السوق بلا حاجة، و الوقوف مع الفضوليين، و الذهاب إلى المنتديات التي لا خير فيها، ورؤية المشاهد التي تضيع الوقت وليس فيها مصلحة شرعية، وكذلك السهر الطويل مع العابثين و اللاهين المعرضين، فعليه أن يحرص على النوم مبكرا، و أن يغتنم آخر الليل ولو بركعتين خفيفتين، فانهما خير من الدنيا وما فيها، وليوتر قبل أن ينام إذا علم انه لا يصحو، و لينم على طهارة وعلى ذكر، و على تجديد توبة، و على نية صالحة للخير، و على عفو لجميع المسلمين، متملقا له سبحانه وتعالى، ملحا عليه في الدعاء، فانه لا خير هناك إلا ما سهله الله، ولا شر إلا ما صرفه. و من أراد العز فمن الله، ومن أراد الرزق فمن الله، ومن أراد العلم فمن الله، ومن أراد المغفرة فمن الله، ومن أراد النجاة من النار فمن الله، فكل شيء من الخير لا يطلب إلا منه سبحانه وتعالى، فحقيق بمن هذا هو شانه أن يسترضي و أن يطلب و أن يرجي، و أن يستعان به، و أن يسال في كل حين.
ولا يكن هم المسلم الدنيا، ولا يأسف على شيء ذهب منها، ولا يكن عبدا لها، ولا يشغل فكره بها ليلا ونهارا، ولا يفرح بها إذا كثرت، ولا يندم عليها إذا ولت، ولا يكن هدفه و غاية همه ومنشوده وقضيته الكبرى بيتا يسكنه، أو سيارة يركبها، أو حديقة يتنزه فيها، أو مالا يجمعه، فان الدنيا أهون على الله من جناح بعوضة، و ما صرف الصالحين عن الخير إلا هي، و ما فتك بالأبرار إلا هي، وما قطع الأرحام إلا هي، وما سفك الدماء إلا هي، فويل لها و لمحبيها وعابديها.
دار متـي مــا أضــحكت في يومــها
أبكـت غـــدا قبـــحا لهـا مــن دار
و على المسلم أن يتفكر في القرون الغابرة، و الأجيال التي سبقت، والأمم التي خلت، ينظر في مصارعهم و يتفكر أين اصبحوا وكيف صاروا إلى القبور، تاركين الدور والقصور؟ ، و ليتفكر كم كانوا فيه من ملذات، ومن رفعة وعز، ومن بهجة وسلطان وهيلمان، ثم تركوا ذلك،و فارقوا الأصحاب و الأحباب، وجردوا من الثياب، ووسدوا في التراب، هل تحس منهم أحد أو تسمع لهم ركزا؟ فليطلب العز من الله عز وجل، وليطلب المكانة عنده سبحانه و القرب إليه، وليعلم انه مهما علا منصبه أو ارتفعت وظيفته أو كثر ماله وأبناؤه وحشمه وخدمه، فانه تارك ذلك لا محالة، موليا عن ذلك متخليا عنه في اقرب الأوقات، ذاهبا لاكفانه، متجردا حتى من ابسط شيء، من ساعته، من ثوبه، من غترته، من سواكه:(وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ )(الأنعام: 94) فيا لها و الله من وقفة تستوجب منا التفكير مليا. ومن طالع التاريخ وجد العجاب حتى من الخلفاء والملوك، فانك لو طالعت دولة بني أمية وبني العباس، و رأيت كيف سلبوا الملك، فمنهم من قتل، ومنهم من نشر، ومنهم من نحر، ومنهم من حبس، ومنهم من سلمت عيناه، ومنهم من قطع في مجلسه، ومنهم من اغتيل خلسة، ومنهم من خلع، ومنهم من عزل، ومنهم من ضرب ضربا مبرحا، ومنهم من جلد جلدا عظيما، كل ذلك وجيل يأتي بعد جيل، فلا قرار ولا راحة ولا أمن إلا في جنات النعيم، كما قال احمد لابنه عبد الله لما سأله: متى يرتاح المؤمن يا أبتاه؟ قال : لا راحة له حتى يضع رجله في الجنة.
فهذا الصحيح عند أهل العقول والعارفين بالله عز وجل، فدار كتب الله عليها الشقاء و المرض على أهلها، و الفرقة، والقتال، والحروب، وانزل فيها الهموم و الغموم، و الأحزان، و الجوع، و الظمأ، و النصب، و السلب، و النهب، و الوسق، و التعب، دار هذا وصفها لا تستحق الاهتمام، بل على العبد أن يزهد بما فيها ويكتفي منها بالقليل كما قال صلي الله عليه وسلم : (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل) ، و كان بن عمر يقول : ( إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح)، كما يروي عنه في الحديث، كما قال: ( كف عنك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك)، ( ازهد في الدنيا يحبك الله، و ازهد فيما عند الناس يحبك الناس).
وعلى المسلم أن ينظر إلى الجانب الذي يجيده ويحسنه و يتعبد الله به، فان الإنسان له طاقات محدودة ومواهب معينة لا يمكن أن يحوي كل شيء، فما فتح الله عليه فيه فليعبد الله به بعد أداء الفرائض، فان فتح عليه بالفتيا فليشتغل بذلك و ليحقق الفتوى، و ليسال عنها، وليراجع كتبها، وليسال أهل العلم. وإن فتح عليه بالوعظ فليتمكن من ذلك، و ليدرس أساليبه، و مواطن التأثير، و يتخصص في هذا الباب.
و إن فتح عليه بعبادة خاصة من التلاوة فليكثر من تلاوة القرآن وليستنبط منه، ويتفقه في معانيه.
و إن فتح عليه في الرزق فلينفق وليجود النفقة، وليقصد بها وجه الله، وليلتمس المساكين.
و إن فتح عليه في الإصلاح بين الناس فليسع بذلك ويخصص لهم جزءا من يومه، ولا يكل ولا يمل من هذا الباب، لأنه باب إيصال إلى جنات النعيم.
و إن فتح عليه بالجهاد بحيث رزقه الله جسما قويا وصحة وعافية فليحدث نفسه دائما بالغزو وليتهيأ له ويستعد، فانه من اعظم الأعمال، و لينظر إلى أحوال الصحابة رضوان الله عليهم، فقد احسن كل في بابه، فتجد المجاهد منهم قدم دمه في سبيل الله، متلذذا بالنكايات و النكبات التي وقعت له، مقدما رأسه، جوادا بنفسه وماله. وتجد المقرئ قضي عمره في تعليم كتاب الله عز وجل، والعمل به، ودراسته و الدعوة إليه، وتجد المحدث منهم حافظا لكلام الرسول ، ضابطا لألفاظه، متسننا به. وتجد المفتي منهم يفصل في القضايا ويبذل الدليل والبرهان بعقل راجح. وتجد الواعظ منهم مبشرا ومنذرا، يدعو إلى طاعة الله عز وجل وتقواه، محذرا من معصيته سبحانه، وتجد المنفق منهم قد دفع أمواله في سبيل الله وهو منشرح الصدر فرحا بذلك مسرورا، فرضوان الله عليهم واحسن عاقبتنا، و جمعنا بهم في جنات النعيم.
و على المسلم أن ينسي ما مضي له من الأزمات والنكبات و الماسي فيدفن الماضي ليسعد بالحاضر ويستعد للمستقبل، فما مضي فات، فليطهر ما مضي بتوبة، و ليتخلص من ماضيه فلا يكون أسيرا له، بل عليه أن ينطلق مجددا لحياته، يعيش في حدود يومه، مقبلا على ربه، متفائلا، كما كان رسوله ومعلمه صلي الله عليه وسلم منشرح الصدر ذا همة عالية، وذا نفس وثابة، وذا عزيمة ماضية، يعلم أن الله مع عباده المؤمنين، و أن العزة لله و لرسوله وللمؤمنين، و أن النصر للإسلام، و أن البقاء للحق، و أن الله يتجاوز ويرحم، وهو جواد كريم جل في علاه. ولا يقلق المسلم نفسه بتذكر المستقبل و الاهتمام به، فان بعض الناس يظل في يومه متذكرا غدا مفكرا في أيامه المقبلة، وهو لا يدري هل يعيش أو يموت، فهذا من الإخلال ومن طول الأمل، ولكن ليعش في حدود يومه فيكون مواظبا على الفرائض، محافظا على السنن، قائما بحقوق الله عليه في نفسه و أهله ووالديه وقرابته، متزودا بالعلم النافع ، والمطالعة المفيدة الراشدة، و الثقافة المستقيمة. فانه إذا اصلح يومه غفر له أمسه و صلح غده، ولا يهتم المسلم بكلام الحساد ولا بألفاظ الأنذال مهما خبث هذا اللفظ ، فان اللفظ الخبيث لا يضر إلا صاحبه المتكلم به. أما من تكلم فيه واكثر من نيله فهو دليل على مكانته وعظمته، و على انه اصبح شيئا مذكورا كما قالوا: النقد الموجه إليك يساوي قيمتك.
وليكن عند المسلم قناعة بما أتاه الله فيقنع بصورته، ويقنع بمسكنه، ويقنع بزوجته، ويقنع بسيارته، ويقنع بما عنده من مال ليجد السعادة، فان القناعة مع السعادة. و أما من انفتحت شهيته للدنيا فلن يقنع بما رزقه الله. ولا يكن المسلم مطاردا للدنيا لاهثا وراءها، فان هذا لا يسد جوعته ولا يقنع نفسه، بل يتمدد في أودية الدنيا، ويكون شذر مذر، ويكون نكدا شقيا عبوسا غضوبا ناقما.
وعلى المسلم أن يكون راضيا بقضاء الله عز وجل، مسلما له سبحانه وتعالى، مفوضا الأمر إليه، فان أصابته سراء شكر ، و أن أصابته ضراء صبر، فيصبر على أقدار الله المؤلمة، ويجعل مضضها حلاوة، ويتلذذ بها في سبيل الله، لأنها كفارة ورفعة وطريق إلى رضوان الله عز وجل، فيصبر للمرض ويعتقد انه مكفر للسيئات، وانه مزيل لاثار الخطايا، وانه مطهر للجسم، وانه مدرسة للذكري، و انه الطريق إلى تذكر نعم الله عز وجل، و انه استعداد للقائه.
ويصبر على الفقر، ويختار ما اختار الله له، وليحمد ربه على ما أنزله فيه وما اهبطه إليه، فاختيار الله اعظم من اختياره لنفسه، فربما أن الله صرف عنه الغني و ما فيه من عجب وكبر وتيه، فان الولي حقيقة راض عن ربه سبحانه وتعالى، حامدا لمولاه، شاكرا لخالقه، متعبدا لالهه، معتقدا أن الله عز وجل قد اختار له الخيرة الطيبة، و أن الله عز وجل قد أراد به خيرا و منقلبا سعيدا، فليبشر وليثق في كرم الله و رضوانه ، لان الدنيا أصلا لا تساوي أن يهتم لها، و أن يحزن على فواتها.
ولا تكن غيرة المسلم على إخوانه لما اخذوا من الدنيا، أو لما عندهم من المناصب، أو ما أدركوه من الوظائف، بل يكون غابطا من عنده تقوي، ومن لديه اهتمام بالقرآن وحفظه و إنفاق في سبيل الله،وقيام لليل، فيغبط صاحب العلم و العامل به الداعي إلى الله القائم بأوامره، و يغبط حسن الخلق، ولكنه لا يغبط من آثر دنياه، و عظم جاهه، و ارتفع منصبه، لأنه قد يكون الهلاك في هذا الطريق، فان هلاك فرعون كان في منصبه، وهلاك أبي جهل كان في جاهه، وهلاك أمية بن خلف كان في ماله، فما دام أن الدنيا قد توصل إلى الهلاك فكيف يغبط أصحابها بها، إلا من اتقي الله فشكر على عطاء الله و أدى حقوق الله، فهو مأجور، سواء كان غنيا شاكرا، أو فقيرا صابرا.
و على المسلم أن يتذكر نعم الله عليه فينظر فيما أودعه الله عليه من صحة وعافية، و أمن، و حسن صورة، وقلب، وسمع، وبصر، و إسلام، وكيف أن الله أطعمه الطعام و اسقاه الماء، وسهل له السكن والوظيفة، و السيارة، و الأبناء، و حماه و دافع عنه و أبقاه حتى يتوب، قبل منه الحسنة، ومحا عنه السيئة بالتوبة، وانزل عليه كتابا، و بين له الهدي، و حذره من الضلال، وحببه إلى كثير من المسلمين، و منحه أمورا في التوبة كالحسنات الماحية، والمصائب المكفرة، وكيف أن الله سبحانه وتعالى سهل له العبادة، وحبب إليه المسجد، وزين له الإيمان في قلبه، و صانه من الكفر، و حماه من الإلحاد، و أكرمه بان جعله مسلما في البلاد الإسلامية، و لم يجعله شيوعيا أو بوذيا أو نصرانيا أو يهوديا أو مجوسيا، وينظر في بقية الناس ممن ابتلوا، فكم سجين مرت عليه سنوات لم ير الشمس، و كم مريض على السرير الأبيض لا يتحرك حركة، وكم من أصيب بسل وسرطان أو أمراض متلفة مهلكة، وكم من هو محبوس في دين، وكم منا من ذهب أولاده، أو ترك بيته، أو افتقر، أو أتته مصيبة، أو حلت به كارثة. وكم من دم مسفوك، وكم من عرض مهتوك، وكم من عقل منهوك، وكم من مال مسلوب، و أنت في أمن وعافية(يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ) (النحل:83) .
وليتفكر المسلم في عظمة القرآن، وليعش في عجائبه، ويسمع غرائبه، وينزل في منازله، ويتلذذ بإعجازه، و بروعة بيانه، و جميل خطابه وما فيه من إشارات، و ما فيه من قصص، فهو احسن القصص، و احسن الحديث، و احسن المواعظ. و ليكن له ورد من القرآن، وليأخذ منه مواعظه وخطبه و دروسه وثقافته و أحكامه وإيمانه، وليكن متمثلا به مستنا به متخلقا بأخلاقه، متأدبا بآدابه، وليجعله على طرف لسانه، ويستشهد به، و يضرب به الأمثال، ويقص منه ويصدر الأحكام منه، ويعود إليه ، و يتباكى عند قراءته،ويتحاكم إليه، ويفرح بما فيه من ترغيب، ويخاف بما فيه من ترهيب، ويستأنس بوعظه، ويحذر من وعيده، و يتأنى في تلاوته، ويسعد في قراءته، ويرتاح لسماعه، ويأنس بآياته، ويتلوه كلمة كلمة، و يتدبره سطرا سطرا، و يقف عنده آية آية، و يتامله حرفا حرفا ، فانه و الله عجيب، و انه و الله كنز، و انه والله حياة، و انه والله روح، وانه والله سعادة، و انه والله نجاة(وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلونَ) (الزخرف:44) فليعكف عليه، وليوطن نفسه به، و ليصل قلبه به، وليستغن به عن كل شيء، و ليخل به ويتباكى عند سماع آياته و عبره و عظاته، و لينظر في بديع هذا الكلام وحسن ترتيبه، و جمال نظامه، و دقته و حكمته، و انسياقه، و انسيابه، وروعة هذا الحديث ، و إعجازه، وإيجازه، و براعته، وفخامته، وإشراقه، و أصالته، فليستشف به، و ليهتد بأوامره، وليحذر من نواهيه، و ليعالج أمراض قلبه وجسده بدواء القرآن، و ببلسم هذا الذكر الحكيم، وليأخذ أدبه من القرآن و محاضراته وندواته ودروسه.
و على المسلم أن يتعلم الحديث، فلنه علم- و الله – شريف، و أهل الحديث هم خير الناس، و هم اسلم طريقة، و هم الفرقة الناجية و الطائفة المنصورة، فعليه أن يقرأ الحديث، و يجتنب الضعيف و الواهي، ويطالع دواوين السنة، و يكون له قراءة و اهتمام بسير المحدثين الأبرار كالأئمة الأربعة ومن قبلهم كالحسن البصري، وسفيان، والاوزاعي، و يحي بن معين ، والبخاري، ومسلم و أصحاب السنن، ومن سار على منهجهم كابن تيميه ، وابن القيم، ومحمد بن عبد الوهاب، وأئمة الإسلام.
و أوصى المسلم والمسلمة بصرف الحب لله عز وجل ، فلا يكون أحد احب إليه من الله ومن رسوله صلي الله عليه وسلم لا ابن ، ولا والد، ولا أم، ولا زوجة، ولا عقار، ولا دار، ولا منصب، ولا وظيفة. و يتعلم هذا الحب و يتدبره ويعيشه و يؤدي العبادة به، حينها تصبح الأعمال الشاقة خفيفة لطيفة، ويسهل الله أمره، ويرفع منزلته. فان ميزة أصحاب الرسول صلي الله عليه وسلم حبه سبحانه وتعالى وعدم إشراكه في مسالة الحب.
و أوصى المسلم والمسلمة بالخوف من الله عز وجل، فلا يكون ارهب ولا أخوف لديهم من الله، وليكن لديهم رقابة في الانتهاء عما نهي الله عنه، يخافون عقابه و أليم عذابه، ويحذرون كل الحذر مما يسخط الله جل وعلا، فان بعض الناس صرف خوفه لغير الله ، فعظم غير الله اعظم من الله(يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ)(النساء: 108) . فجدير بالمسلم إلا يفارق الخوف قلبه، و الخوف المحمود ما حجزه عن المعاصي ودله على طريق الطاعة.
و أوصى المسلم والمسلمة برجاء الله عز وجل، و الطمع في فضله، والرغبة فيما عنده، و إحسان الظن به، بأنه ارحم الراحمين، و انه يغفر الذنوب جميعا، و انه يتجاوز عمن تاب و أناب إليه، و انه يقبل التوبة، و انه يعفو عن السيئات، فليطمع العبد فيما عند الله عز وجل، ولا يصاب بالقنوط مهما عصي، ولا الإحباط ولا اليأس من روح الله.
و أوصى المسلم والمسلمة بشكر الله على كل حال في السراء والضراء، وفي الشدة والرخاء، يشكر باللسان، حيث يمدح سبحانه ويحمد، ويثني عليه، ويذكر نعمه وحسن بلائه للمسلم، ويشكر بالقلب فيعتقد المسلم و المسلمة اعتقادا كاملا انه ما يجلب النفع إلا الله، و ما يدفع الضر إلا هو سبحانه، وانه يسر الأمور وسهلها، لا اله غيره، ولا رب سواه، و يشكر بالجوارح سبحانه، فلا ينتقل بها إلى معصية، ولا لزاول بها كبيرة، ولتكن مصروفة إلى الطاعة.
و أوصى المسلم والمسلمة بالتوكل على الله، وتفويض الأمر له، والرضا بكفايته و ترك الأمر و التدبير له سبحانه ، ويردد حسبنا الله ونعم الوكيل، فان الله إذا كفاه فلا عبرة في الناس ولا خوف من أحد، فلا يخاف إلا هو سبحانه.
و أوصى المسلم بالبعد عن جلساء السوء و أهل الباطل و أهل اللهو وأرباب المعاصي، ومن يعين على مخالفة أمر الله، فان الجلوس معهم و مؤاكلتهم وزيارتهم ومصاحبتهم ضرر عظيم في الدين، وهو مما يسلب الإيمان، وينهي عن الطاعة، و يحبب المعصية.
و أوصى بالتفقه في الدين، فان من يرد الله به خيرا يفقه في الدين كما جاء في الحديث، فعلي العبد أن يسال عن دينه، و أن يكون حريصا كل الحرص على الاستفسار عما يهمه من أمر عبادته، من صلاته، و صيامه، و زكاته، و حجه، و غير ذلك، فلا يأنف ولا يستكبر ولا يستنكف عن سؤال أهل العلم بالمذاكرة و المراسلة، و كلما رأي عالما أو طالب علم استفاد منه حتى يعبد الله على بصيرة، فان الجهل مرض عظيم، و العلم اعظم ما وصي الله به.
و أوصى بالهمة في الدعوة، بحيث يكون المسلم ذا همة عالية في نشر دعوته ودينه، وعدم الاكتفاء بإصلاح نفسه، بل يقوم بعد إصلاح نفسه بدعوة أهله وقرابته، و جيرانه، و بني مجتمعه، حتى لو جعل في ذهنه إصلاح العالم لما كان صعبا، فانه بقدر همة العبد تكون منزلته و عظمته و مكانته، ومن أراد أن يدعو الناس فعليه أن يبدأ بنفسه أولا، ينهاها عن غيها، و يزجرها عن مخالفة أمر ربها، ويردها عن هواها، فيهذبها بالكتاب والسنة، و يصلح منها الظاهر والباطن، و يكون عاملا بما يقول، ثم يبدأ يتعلم ما يدعو إليه بالدليل الشرعي و النهج الصحيح الذي كان عليه رسول الله صلي الله عليه وسلم و أصحابه، ثم يدعو إلى كبار المسائل قبل صغارها، فينبه الناس على الأصل الأصيل وهو الإيمان بالله ورسوله صلي الله عليه وسلم، و توحيده سبحانه و تعالى في العبادة، و توحيده بأسمائه وصفاته وأفعاله جل في علاه، ثم يعلمهم النية والإخلاص في العمل له سبحانه و تعالى، ثم يبدأ معهم مسالة مسالة، و يكون جل وقته في التعلم والتعليم و الدعوة إلى الكتاب والسنة، لا يكل ولا يمل ولا يسام، مرة يذاكر، ومرة يكتب، ومرة يراسل، و مرة يشرح ويعلم، و مرة يفتي، ومرة يخطب، و هكذا حتى تكون حياته لله. فان فنح عليه في مجال آخر فليبذل نفسه ونفيسه، و ليسخر وقته لأداء واجبه في هذا المجال بعد أداء الفرائض.
فان فتح عليه في هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فليدرس أصول هذا الباب ليكون فقيها فيه بصيرا بما يأمر به.بصيرا بما ينهي عنه، قدوة فيما يقول، ذا خلق كريم وتواضع جم ورفق بالناس، و لين في الخطاب ، ليكون من الأمرين بحق، الناهين بصدق، فيرزق منزلة خلافة النبوة.
و أن فتح عليه في باب الإصلاح بين الناس فليحتسب الأجر بذلك ليجده من افضل الأعمال، و ليدرس الوسائل المجدية في الإصلاح بين الناس كحسن الخطاب، وحسن الدخول إلى القلوب، و حسن المفاوضة والمحادثة، و حسن الحوار، والمجادلة بالتي هي احسن، ثم يبدأ بجمع القلوب و تأليف الأرواح.
و أن فتح عليه في باب الإنفاق فليكسب الحلال، و ليبذل في وجوه الخير، متحريا من يستحقه، قاصدا به وجه الله عز وجل، وليعلم أن الله حافظ ما انفق.
و أن فتح عليه في باب الذكر فليكن له أوراد على شريعة الرسول صلي الله عليه وسلم،معينا نفسه بالذكر بكل ما يستطيع من قوة. و هذا الذكر أمر مشترك بين الجميع، ولكن يوجد من يمهر فيه، و يفتح عليه، و يسهل له حتى يكون لسانه رطبا بذكر الله.
و أن فتح عليه في باب التاريخ فليقصد التاريخ النافع المفيد الذي ينفع الله به، و ليقصد الأبواب التي لم يؤلف فيها بحيث لا يكرر، وليواصل المسالة ويحققها ، ولا يطيل إطالة مملة أو يقصر تقصيرا مخلا، بل عليه التوسط في ذلك مع مراعاة أذواق الناس وأساليبهم، والبعد عن التقعر في الكلام، أو الصعوبة أو التبذل، وليقصد إلى القصص و المشوقات و المرققات و الأبيات النافعات و الجمل المفيدات، مع حسن الديباجة و جمال العرض و روعة الأسلوب.
و أوصى العبد أن يصدق مع الله في إصلاح قلبه، فانه له عمرا واحدا في هذه الحياة، فليجتهد في إصلاحه، بحيث يلقي الله بقلب سليم، فينظفه ويطهره من كل ما يغضب الله عز وجل من الشرك والرياء و العجب والكبر و الحسد والحقد و الغش و الغل ، والخوف من غير الله، و غير ذلك من الصفات الذميمة و الأخلاق السيئة. و ليكن هذا القلب طاهرا مستعدا لاستقبال نور الهداية الربانية، أرضا خصبة لانبات زروع الإيمان و زهور التوحيد، فانه بقدر صفاء قلب العبد يكون عمله صالحا مقبولا عند الله عز وجل كما في الحديث : ( إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، و إذا فسدت فسد الجسد كله، إلا وهي القلب).
فعليه الاعتناء بهذا القلب كلما اصبح و كلما أمسى ، بدا بالنية فيتعلمها ويدرسها ويتفقه فيها، بحيث لا يقدم على عمل إلا فكر قبل ذلك قليلا فيما يكون هذا العمل، هل يقصد به وجه الله أو غيره، من كلمة أو خطبة، أو إنفاق، أو صلاة، أو زكاة، أو تبرع، أو كتابة، أو مراسلة أو غير ذلك. فان صحت النية ، و اخلص العمل سهل الله سبحانه وتعالى كل أمره بعد ذلك. و حفظه وتولاه و شرح صدره.
و على العبد إلا يكثر من الانشغال و تشتيت القلب في أو دية الدنيا بكثرة العلائق وكثرة الوسائل، فان بعض الناس لا حد لهمته في طلب الدنيا، فله في كل واد مال، و بكل أحد اتصال، و له مشاركات ومساهمات في كل جهة، مع العلم انه ضعيف في جانب الديانة، ضعيف في الدعوة، ضعيف في النوافل، ضعيف في تدبر القرآن، ضعيف في إصلاح قلبه وبيته، ضعيف في مراقبة ربه، ثم تجده قويا ماردا في عالم الدنيا، فلا يشبع قلبه بشيء ولا يملأ روحه شيء، ولا يروي ظمأه شيء، فهو مقبل بنهم شديد على المشاريع، منهمكا فيها، يبحث عن الدرهم والدينار ليلا ونهارا، عبدا له قد ملك عليه سمعه وبصره، و ملك عليه قواه وتفكيره. فهذا هو الخذلان بعينه. فانظر ما أقواه في الدنيا، و ما أضعفه في الآخرة، و ما اكثر سعيه لما ينفي، و ما أعجزه عما يبقي. و هذا علامة الخسران و الهلاك وضعف البصيرة و انطماس الرشد.
و على العبد أن يطالع بقلبه في أسماء الله وصفاته العلا و يتفكر فيها، و يعيشها صفة صفة، متأملا جلال هذا الاسم وجلال هذه الصفة، و ما لها من مكانة، و ما لها من مدلول ، فيبدأ بها اسما اسما، فيسال نفسه ما معني الرحمن؟ و الواحد، والصمد، والبر، والحسيب، و الرقيب، و القوي، والغني، و هكذا فيطالعها مطالعة من عرف أن هذا العلم هو من اجل العلوم عند أهل التحقيق، و من أعظمها عند أهل العرفان وارفعها منزلة، ثم يوقف قلبه أيضا عند المقامات العظيمة من مقامات الإيمان كمقام التوكل، و مقام الرغبة ، ومقام الرهبة، و مقام المحبة، ومقام الخوف، ومقام الرجاء، إلى غير ذلك من المقامات، فيقف عند كل مقام و يتامله ويتدبره، ويسال نفسه: أين هو من هذا المقام؟ و هل وفاه حقه؟ و هل أعطاه ما ينبغي من العبودية؟ و هل الزم نفسه تعبد الله عز وجل بهذا المعني؟ و ما مدلول هذه المقامات؟ و هل هي كلمات تلفظ وجمل تقال أم هي معان لا بد أن تتحقق، و يعتقدها القلب، و تعمل بها الجوارح؟ فإذا وصل إلى هذه الدرجة وحققها و اخذ بحسب ما أعطاه الله عز وجل فهو من المهتدين أن شاء الله.
أما إذا كانت قراءته لهذه المعان هذرمة في عدم وعي و عدم بصيرة وتفقه، فإنها لا تنفعه شيئا. و هذا يدعونا إلى التكرار و الدعوة إلى تدبر القرآن، ففيه خبر الدنيا، و امر الآخرة، تجد فيه إلا سماء الحسنى والصفات العلا و المقامات الحميدة في الدين، و أحوال السعداء و أحوال الأشقياء، و أسباب النجاة و أسباب الهلاك، و ما يحبه الله وما يبغضه، إلى غير ذلك من المعاني الجليلة. فان هذا اعظم برهان أن هذا الكتاب شاف كاف واف لا يحتاج معه إلا سنته عليه الصلاة و السلام، وهي وحي أوحى إليه صلي الله عليه وسلم.
و اكرر دعوتي إلى حفظ أنفاس العمر و دقائق الحياة وصرفها في النافع المفيد، و اختيار الأجمل و الافيد و الأنفع من العمل، وليتنبه المسلم للشيطان ومداخله، و يدرس أسباب الغواية،و ليكن على حذر من الهوى، ومن النفس الأمارة بالسوء، و كل ما يغضب الله عز وجل، و ليرتدع عن العصيان، و يزجر نفسه الأمارة، و يندم على ما فرط في جنب الله، و يأسف على تقصيره، و يتوب من خطئه، و يعود إلى ربه، ويبدل السيئات حسنات، و يستدرك ما بقي من العمر، و يتلهف على ما فرط، و يعد العدة للقدوم على ربه، و يتهيأ للقائه، و يتزود بزاد ينفعه، و يتزين للعرض عليه، ويحاسب نفسه قبل المحاسبة الكبرى في يوم العرض الأكبر.
و أوصى بطلب أسباب محبة الله عز وجل، كالمحافظة على الفرائض في أوقاتها، و أدائها في خشوع وخضوع، والقيام بأمور السنة فيها، و تحقيق العبودية بها، و التزود بالنوافل و الإكثار منها، و تجويدها وتحسينها، و إدمان الذكر، والإكثار منه و شغل الأوقات به، و مراجعة ما حفظ من كتاب الله عز وجل، وتدبر ما استطاع منه،و تعلم السنة الصحيحة، و الحذر من الأحاديث الواهية والموضوعة، و صحبة الصالحين ومحبتهم وموالاتهم و على رأسهم سيدنا محمد صلي الله عليه وسلم و أنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام، و الصحابة و التابعون. و قيام ما تيسر من الليل و لو ركعتين، و صيام ما تيسر من النوافل لظمأ الهواجر في ذلك اليوم الشديد. و كذلك دراسة سيرته صلي الله عليه وسلم و ما حصل له وما مر عليه وما عاناه في دعوته صلي الله عليه وسلم، و طلب العلم من أهله المحققين له، و حضور مجالس الخير والمواعظ النافعة و المحاضرات المفيدة والدروس القيمة، و سماع الشريط الإسلامي، و التفكر في آيات الله عز وجل الكونية و الشرعية بحيث يتأمل في الكون، فكلما مر به منظر تذكر عظمة الله وبديع صنعه ولطف قدرته وبالغ حكمته سبحانه وتعالى، و ليكن صمته فكر، ونظره عبرا، و نطقه ذكرا.
و على العبدان يرد المظالم إلى أهلها بحيث لا يبقي عنده شيء، قبل أن ترد يوم القيامة من حسناته ويؤخذ من سيئاتهم فتطرح عليه، فليرد مظالم المال و العقار. أما من سبه أو شتمه من المسلمين أو اغتابه فليستغفر له و ليدع له وليقابل إساءته بالثناء عليه في تلك المجالس التي ناله فيها، و ليجتنب المسلم الأخلاق الذميمة و صفات اليهود من المكر والكيد لإخوانه، و الخديعة والوشاية بهم، و تقفيهم بالغيبة، و التشفي بغلطاتهم، و الفرح بعثراتهم، و السرور بزلاتهم، فان هذا من أخلاق السفلة و السقطة و الأنذال و أعداء الله، و ليست من أخلاق المؤمنين الأبرار الشجعان الذين ينصحون لإخوانهم ويسددونهم وينشرون محاسنهم، وينظرون إلى الجوانب المشرقة في حياتهم، ويأسفون لأخطائهم، ويسألون الله لهم التوفيق، و يدعون لهم بظهر الغيب، و يثنون على جهودهم، و يتعاونون معهم على البر والتقوى.
وليجتنب العبد ضياع الزمان في كل ما لا ينفع حتى فضول المباحات، مما يشغل الناس و يصد عن كتاب الله عز وجل. ناهيك عما هو اعظم منها ضررا كالغناء الماجن وسماع الموسيقي، و رؤية الأفلام الخليعة، و مطالعة المجلات الماجنة، والجلوس مع سقطة الناس و رعاع البشر، فان هذا دليل على الخذلان و الخسران.
وهذه وصايا خاصة لطالب العلم:
أوصيه بعد تقوي الله عز وجل بالجد والمثابرة في التحصيل، وحفظ ما تيسر من كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلي الله عليه وسلم ، والاهتمام بالدليل الصحيح من الكتاب والسنة، و عدم تقليد الرجال أو العصبية لمذهب، و عليه أن يكون همه معرفة مقصود الله عز وجل و مقصود رسوله صلي الله عليه وسلم ، و لا يقدم على الدليل من كتاب أو سنة رأي أحد من الناس كائنا من كان، حتى ولو كان من كبار الصحابة إذا تبين له أن الحق في هذا الدليل الثابت عن الله وعن رسوله صلي الله عليه وسلم ، و ليعمل بعلمه حتى يمنحه الله بركة هذا العلم، و ينال ثمرته، و يعلمه ما لم يعلم، ثم يجتهد بتبليغه للناس بأحسن السبل و أيسرها و ألينها و أرفقها، مجتنبا التشديد على الناس، و العنف بهم، و التعالي عليهم، و الكبر والعجب، و الأخلاق الذميمة، و عليه أن يكون عالما ربانيا لا يتعصب لفئة و لا لجماعة إلا لجماعة الحق، ولا لمذهب إلا مذهب الرسول صلي الله عليه وسلم ، و أصحابه، و لتكن لديه مكتبة جامعة شاملة لأصول الكتب في كل فن، و ليكن مدمن النظر والمباحثة مع إخوانه و المساءلة لزملائه، و المذاكرة مع أصدقائه، مشغلا كل أوقاته بتدبر ما يقرأ ، والبحث عن وجه الحق في ذلك، و معرفة الراجح من المرجوح، و التأكد مما يقرأ وتحقيق المسالة و الرسوخ في القضايا، و عدم التكلم بلا علم، و الحذر كل الحذر من التسرع في الفتيا، والانهماك في طلب الجاه و الظهور، و التآكل بالعلم أو كتمانه و العياذ بالله، أو المباهاة به، أو الصد به عن سبيل الله، أو أخذه للتعاظم على الناس و التكبر عليهم، و جعله مطية لنيل المكانة عند البشر، و مصيدة لجمع المال الفاني.
و خلاصة القول أن يكون ربانيا محمديا، سالكا سبيل الرسول صلي الله عليه وسلم و أصحابه و أئمة الإسلام، ملتزما الصدق والإخلاص و العمل بما يعلم.
و الله تعالى اعلم، و صلي الله على نبينا محمد وعلى اله وصحبه أجمعين.

!
10-02-21, 12:55 AM
السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
قرأت في كتاب (مباحث في علوم القرآن) للدكتور مناع القطان تعريف العلماء للقرآن، وهو كلام الله تعالى المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، المتعبد بتلاوته، ومعنى المتعبد بتلاوته يخرج قراءات الآحاد والأحاديث القدسية، أرجو من فضيلتكم توضيح معنى قراءات الآحاد؟

الجوابالحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
قراءة الآحاد هي القراءة غير المتواترة، فالقراءات المعتمدة هي المتواترة التي نقلت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من جمع كثير من الصحابة إلى جمع أكثر من التابعين إلى أكثر ممن بعدهم... وهكذا. وهي قراءة الأئمة العشرة: نافع، وعاصم، وحمزة، والكسائي، وابن عامر، وابن كثير، وأبو عمرو، وأبو جعفر، ويعقوب، وخلف.
فهذه القراءات المتواترة هي التي تجوز القراءة بها والصلاة بها والتعبُّد بها. وهناك بعض القراءات التي وردت عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ونقلها بعض التابعين، لكنها لم تثبت بالتواتر، ولم تتحقق فيها شروط القراءة الصحيحة، فهي قراءة آحاد، يمكن الاستفادة منها في التفسير والفقه، ولا تجوز الصلاة بها ولا ضمّها إلى القرآن الكريم، وبعضهم اعتبرها قراءات شاذَّة.
ومن أمثلة الشاذّ الذي يعتبر رواية لا قرآناً، ما ورد عن ابن مسعود رضي الله عنه قراءته (فصيام ثلاثة أيام متتابعات) وورد عن ابن عباس رضي الله عنه قراءته (ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم في مواسم الحج)..

!
10-02-21, 12:56 AM
السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بارك الله لكم في جهدكم، وجعله في ميزان حسناتكم، ووفقكم الله للعمل على نصرة الإسلام والمسلمين.
أريد أن أسأل فضيلتكم: ما الفرق بين بيعة العقبة الأولى والثانية وبيعة الرضوان؟ ولماذا أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- عمه العباس – رضي الله عنه- أن ينادي في غزوة حنين بـ (يا أصحاب بيعة العقبة)؟.


الجوابالحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم أما بعد:
الفرق بين بيعة العقبة الأولى والثانية: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عرض الإسلام على بعض الحجاج القادمين من المدينة فأسلم منهم ستة رجال، فلما كان العام الذي يليه قدم هؤلاء إلى الحج مع قومهم، وكان قد أسلم معهم جماعة في المدينة، فالتقوا برسول الله -صلى الله عليه وسلم- عند العقبة وبايعوه ببيعة سميت بيعة النساء؛ لأنها نفس بيعة النساء التي أخذها النبي - صلى الله عليه وسلم- على النساء بعد الفتح من حيث النص.
وهذا نص البيعة كما ذكرها عبادة بن الصامت – رضي الله عنه - وكان ممن شهدها قال عبادة:بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على ألاّ نشرك بالله شيئاً, ولا نسرق, ولا نزني, ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيه في معروف ) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فإن وفيتم فلكم الجنة, وإن غشيتم من ذلك شيئاً فأمركم إلى الله إن شاء عذب وان شاء غفر" انظر البخاري (18)، ومسلم (1709)، وأما تسميتها ببيعة العقبة فلأنها كانت عند العقبة بمنى وسميت بها, وكانت أول بيعة بين الرسول -صلى الله عليه وسلم- وبين الأنصار ولهذا سميت الأولى.
أما بيعة العقبة الثانية فقد كانت في العام الذي يليه، حيث قدم أهل المدينة إلى الحج وفيهم عدد كبير من المسلمين، فواعدوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عند العقبة ثاني أيام التشريق، وكانوا سبعين رجلاً، واختار منهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- اثني عشر نقيبا يمثلونهم، فبايعوه على حرب الأحمر والأسود، وعلى السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره وأثرة عليهم، وألا ينازعوا الأمر أهله، وأن يقولوا كلمة الحق أينما كانوا، وألا يخافوا في الله لومة لائم .
هذه هي الفروق بين بيعة العقبة الأولى والثانية باختصار، ولمزيد من التوسع انظر كتاب البداية والنهاية لابن كثير ج3/ص147 وما بعدها
أما بالنسبة لبيعة الرضوان
ففي شهر ذي القعدة من السنة السادسة من الهجرة خرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه يريدون العمرة، فلما وصلوا إلى الحديبية في طريقهم إلى مكة، وكانوا محرمين ملبين بالعمرة، بعث الرسول – صلى الله عليه وسلم - عثمان بن عفان – رضي الله عنه - سفيراً إلى قريش لبيان هدفه من المجيء، وأنه لا يريد قتالاً، وإنما جاء للعمرة، فاحتجزت قريشٌ عثمان، وأشيع بين الناس أنه قُتل، فدعا رسول الله – صلى الله عليه وسلم -أصحابه إلى البيعة، فقاموا إليه ملبين دعوته، ومبايعين له على الجهاد وعدم الفرار، وبايعته جماعة على الموت، وكان أول من بايعه أبو سنان الأسدي، وبايعه سلمة بن الأكوع على الموت ثلاث مرات، في أول الناس، ووسطهم، وآخرهم، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيد نفسه ، وقال : هذه عن عثمان ، ولم يتخلف عن هذه البيعة إلا رجل من المنافقين ، يقال له : جد بن قيس .
وقد أخذ رسول الله – صلى الله عليه وسلم- هذه البيعة تحت شجرة بالحديبية، وقد أنزل فيها قوله تعالى: "لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة" [الفتح: 18]،ومن ذلك سميت بيعة الرضوان، وفيه دلالة على صحة إيمان الذين بايعوا النبي -صلى الله عليه وسلم- بيعة الرضوان بالحديبية، وصدق بصائرهم, وأنهم كانوا مؤمنين على الحقيقة أولياء لله ; إذ غير جائز أن يخبر الله برضاه عن قوم بأعيانهم، إلا وباطنهم كظاهرهم في صحة البصيرة، وصدق الإيمان, وقد أكد ذلك بقوله تعالى: "فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم" [الفتح: 18], وهذا يدل على أن التوفيق يصحب صدق النية,
أما بالنسبة لعددهم، فيروى عن ابن عباس – رضي الله عنهما- أنهم: "كانوا ألفين وخمسمائة", وعن جابر – رضي الله عنهما- أنهم: "ألف وخمسمائة".
وتعتبر بيعة الرضوان فتحاً للمسلمين، ففي صحيح البخاري عن البراء رضي الله عنه قال: تعدون أنتم الفتح فتح مكة، وقد كان فتح مكة فتحاً، ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية.
وذلك لما ترتب عليها من مصالح وفوائد، فعندما علمت قريش بتلك البيعة، ومدى صلابة المسلمين، وقوتهم، وصبرهم، وثباتهم مع قائدهم صلى الله عليه وسلم، أرسلت إليهم للتفاوض معهم، وقبول الصلح.
ومما يستفاد من هذه الحادثة قوة العلاقة بين القائد وأتباعه؛ حتى إنهم بايعوا على الموت، إضافة إلى سرعة إجابة طلب القائد وعدم التردد، وأن الصدق في الإيمان سبيل إلى تحصيل رضا الرحمن، وتأييده.
أما يوم حنين فلم يأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- عمه أن ينادي يا أصحاب العقبة، وإنما أمره أن ينادي يا أصحاب السمرة - أي الشجرة التي بايعوا تحتها بيعة الرضوان وفي رواية يا أصحاب الحديبية, وناداهم بذلك لأنهم بايعوه فيها على الموت وعدم الفرار، ففيه حث لهم على الثبات والقتال حتى الموت.
والله أعلم .

!
10-02-21, 12:56 AM
السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
أنا طالب مبتعث في الخارج، ولي أصدقاء من مختلف دول العالم، ومن مختلف الديانات، وبين الفترة والأخرى يكون هناك نقاشات عن الأديان، وخصوصا عن دين الإسلام، وهناك نقطتان دائما أقف حائرًا ولا أملك أجابة للرد على تساؤلات هؤلاء المشككين في الإسلام..
النقطة الأولى: دائما ما يسألون ما هو السبب في أن دينكم يمنحكم الحق في الزواج من أربع زوجات؟ وما الحكمة من ذلك؟ ولماذا لا يكون للمرأة حق أيضا في أن تتزوج من أربعة رجال؟
النقطة الثانية: لماذا المرأة تلبس الحجاب؟ وما هو السبب المنطقي في ذلك؟ ولماذا لا يلبس الرجل مثل المرأة ليكون هناك عدل وإنصاف؟ علمًا أن هؤلاء المجادلين لهم ديانات لا تقر بالإسلام، أي لا يؤمنون إلا بالمنطق فقط.. أريد نصيحة لإقناع مثل هؤلاء لدخول الإسلام، وما هي الخطوات المثلى لدعوة الشخص للإسلام؟

الجوابالحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله..
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وبعد:
أخي الفاضل لقد أشرت في سؤالك إلى شيء مهم سأنطلق منه أولا وهو قولك: (علمًا أنهم أناس لا يملكون دينًا أو من ديانات لا تقر بالإسلام، أي لا يؤمنون سوى بالمنطق فقط) وفي ضوء هذه الإشارة الهامة سيكون الجواب مختصراً قدر الإمكان، وأقول وبالله التوفيق:
عند الخلاف مع أي شخص كان، وفي أي مسألة كانت لا بد أن نلتقي نحن وإياه في مسائل ونختلف معه في أخرى، وعند النقاش نبدأ بأهم المسائل التي نختلف فيها، إذ ليس من المعقول أن تناقش ملحداً عن النبوة والكتاب وهو لا يؤمن بمن خلقهم وكلفهم بها؟؟ فنبدأ معه من حيث إثبات الخالق جل جلاله، ثم نتدرج بعد ذلك في النقاش حول هل يمكن أن يخلق عبثاً؟ ثم ماذا هل يمكن أن يخلقهم دون إرشاد وتوجيه،، وهكذا، ولا يصح أن تناقش من لا يؤمن بالأديان بتفاصيل ما بداخلها من حلال وحرام.. ومن ذلك فوائد التعدد في الزواج بشروطه المعروفة، منها عقلا أن الله فطر جملة الذكور على حب الإناث وعدم الاكتفاء بواحدة على الأغلب، وما في التعدد من فوائد عظمى للفرد والمجتمع، وتبرهن على صحة ذلك من خلال نصوص الشرع بأنواع من الأدلة.. كما تبين له فوائد الحجاب والعفة عقلا وشرعاً.
أما إن كان المناقش من أهل الأديان فالأمر بحسبه فنثبت له عقلاً حسن شرعنا وأنه فيه من الخير والبر والهدى الكثير، بأنواع من الأدلة العقلية والمنطقية، ونثبت له كذلك بما في كتبهم من الحض على مكارم الأخلاق وترك الفواحش والأمر بالحجاب والستر، وأنه من منهج الأنبياء، هذا إذا أردنا التنزل لهم ومجادلتهم في أمور غير التوحيد والعقيدة، فإذا أقر الملحد بحقيقة الإله الحق، وآمن بسيطرته على الكون وآمن بأنه لا يترك الخلق عبثاً دون توجيه وآمن بعد ذلك بالأنبياء يمكن التوضيح له بشكل أوسع وأكبر في أمور الشرع، وإن كان المجادل والمجالد من أهل الكتاب أو من أتباعهم أو يكن احتراما لهم نجادلهم بما في كتبهم من أمور التوحيد أولا ثم الفروع ثانياً، ومن ذلك ما أشرنا إليه آنفاً حيث نهت كتبهم المقدسة عن الزنا ودواعيه وأمرت بالحجاب ولوازمه مما يحفظ عفاف المرأة –مع التحريف الكبير الذي طرأ عليه عبر الأزمان- انظر على سبيل المثال لا الحصر الوصية بالحشمة والصلاح في نصوصهم "كَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ النِّسَاءُ ذَوَاتِ وَقَارٍ، غَيْرَ ثَالِبَاتٍ، صَاحِيَاتٍ، أَمِينَاتٍ فِي كُلِّ شَيْءٍ" رسالة بولس الأولى 3/11 وكقوله في الخضوع للزوج والطاعة له مهما كان، والالتزام بالحشمة وعدم الخروج من البيت بل والملازمة له وإن كن عجائز لا يلفتن النظر: "كَذَلِكَ الْعَجَائِزُ فِي سِيرَةٍ تَلِيقُ بِالْقَدَاسَةِ، غَيْرَ ثَالِبَاتٍ، غَيْرَ مُسْتَعْبَدَاتٍ لِلْخَمْرِ الْكَثِيرِ، مُعَلِّمَاتٍ الصَّلاَحَ، 4 لِكَيْ يَنْصَحْنَ الْحَدَثَاتِ أَنْ يَكُنَّ مُحِبَّاتٍ لِرِجَالِهِنَّ وَيُحْبِبْنَ أَوْلاَدَهُنَّ، 5مُتَعَقِّلاَتٍ، عَفِيفَاتٍ، مُلاَزِمَاتٍ بُيُوتَهُنَّ، صَالِحَاتٍ، خَاضِعَاتٍ لِرِجَالِهِنَّ، لِكَيْ لاَ يُجَدَّفَ عَلَى كَلِمَةِ اللهِ". وكذلك: "كَذَلِكُنَّ أَيَّتُهَا النِّسَاءُ كُنَّ خَاضِعَاتٍ لِرِجَالِكُنَّ، حَتَّى وَإِنْ كَانَ الْبَعْضُ لاَ يُطِيعُونَ الْكَلِمَةَ، يُرْبَحُونَ بِسِيرَةِ النِّسَاءِ بِدُونِ كَلِمَةٍ، 2 مُلاَحِظِينَ سِيرَتَكُنَّ الطَّاهِرَةَ بِخَوْفٍ. 3 وَلاَ تَكُنْ زِينَتُكُنَّ الزِّينَةَ الْخَارِجِيَّةَ مِنْ ضَفْرِ الشَّعْرِ وَالتَّحَلِّي بِالذَّهَبِ وَلِبْسِ الثِّيَابِ، 4 بَلْ إِنْسَانَ الْقَلْبِ الْخَفِيَّ فِي الْعَدِيمَةِ الْفَسَادِ، زِينَةَ الرُّوحِ الْوَدِيعِ الْهَادِئِ، الَّذِي هُوَ قُدَّامَ اللهِ كَثِيرُ الثَّمَنِ. 5 فَإِنَّهُ هَكَذَا كَانَتْ قَدِيماً النِّسَاءُ الْقِدِّيسَاتُ أَيْضاً الْمُتَوَكِّلاَتُ عَلَى اللهِ، يُزَيِّنَّ أَنْفُسَهُنَّ خَاضِعَاتٍ لِرِجَالِهِنَّ، 6 كَمَا كَانَتْ سَارَةُ تُطِيعُ إِبْرَاهِيمَ دَاعِيَةً إِيَّاهُ «سَيِّدَهَا» رسالة بطرس الأولى 3/1-4 بل هناك أمر صريح يلزم النساء بالالتزام بالحجاب وهو ما تفعله أخوات الكنيسة فلا يُرن حاسرات ألبتة، وهكذا كان النصارى عبر تاريخهم الطويل على هذا الحجاب والعفاف الظاهر حتى جاءت الثورة الفرنسية وغيرت المفاهم بسبب طغيان الكنسية وظلمها: "3 وَلَكِنْ أُرِيدُ أَنْ تَعْلَمُوا أَنَّ رَأْسَ كُلِّ رَجُلٍ هُوَ الْمَسِيحُ. وَأَمَّا رَأْسُ الْمَرْأَةِ فَهُوَ الرَّجُلُ. وَرَأْسُ الْمَسِيحِ هُوَ اللهُ. 4كُلُّ رَجُلٍ يُصَلِّي أَوْ يَتَنَبَّأُ وَلَهُ عَلَى رَأْسِهِ شَيْءٌ يَشِينُ رَأْسَهُ. 5 وَأَمَّا كُلُّ امْرَأَةٍ تُصَلِّي أَوْ تَتَنَبَّأُ وَرَأْسُهَا غَيْرُ مُغَطّىً فَتَشِينُ رَأْسَهَا لأَنَّهَا وَالْمَحْلُوقَةَ شَيْءٌ وَاحِدٌ بِعَيْنِهِ. 6 إِذِ الْمَرْأَةُ إِنْ كَانَتْ لاَ تَتَغَطَّى فَلْيُقَصَّ شَعَرُهَا. وَإِنْ كَانَ قَبِيحاً بِالْمَرْأَةِ أَنْ تُقَصَّ أَوْ تُحْلَقَ فَلْتَتَغَطَّ. 7 فَإِنَّ الرَّجُلَ لاَ يَنْبَغِي أَنْ يُغَطِّيَ رَأْسَهُ لِكَوْنِهِ صُورَةَ اللهِ وَمَجْدَهُ. وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَهِيَ مَجْدُ الرَّجُلِ. 8 لأَنَّ الرَّجُلَ لَيْسَ مِنَ الْمَرْأَةِ بَلِ الْمَرْأَةُ مِنَ الرَّجُلِ. 9وَلأَنَّ الرَّجُلَ لَمْ يُخْلَقْ مِنْ أَجْلِ الْمَرْأَةِ بَلِ الْمَرْأَةُ مِنْ أَجْلِ الرَّجُلِ. 10لِهَذَا يَنْبَغِي لِلْمَرْأَةِ أَنْ يَكُونَ لَهَا سُلْطَانٌ عَلَى رَأْسِهَا مِنْ أَجْلِ الْمَلاَئِكَةِ". رسالة بولس الأولى لكورنثوس 11/3-10
كما حرم على المرأة قص شعرها وأمرها بإرخائه. رسالة بولس الأولى لكورنثوس 11/ 14-15 بل أمر الرجل بغض البصر وعدم اطلاقه في النساء "22 سِرَاجُ الْجَسَدِ هُوَ الْعَيْنُ فَإِنْ كَانَتْ عَيْنُكَ بَسِيطَةً فَجَسَدُكَ كُلُّهُ يَكُونُ نَيِّراً 23وَإِنْ كَانَتْ عَيْنُكَ شِرِّيرَةً فَجَسَدُكَ كُلُّهُ يَكُونُ مُظْلِماً فَإِنْ كَانَ النُّورُ الَّذِي فِيكَ ظَلاَماً فَالظَّلاَمُ كَمْ يَكُونُ!" متى 6/22 -23 إلى غير ذلك من النصوص التي تدعم موقفك من القضايا التي تناقشهم فيها ولولا الإطالة لأوردت المزيد منها، وهي إن ذهبنا نستدل بها فإنها مما وافقه شرعنا الحنيف لا شك في ذلك.
أما قضية التعدد فهي حقيقة دينية وعقلية وشرعية ولكن أنكرتها الكنيسة وحرفت الشريعة بناء على أهواء الناس الذين اعتنقوا النصرانية، وكتبهم المقدسة مشحونة بالتعدد، بل إن الأنبياء والملوك وكبار القوم عندهم كانوا أكثر الناس تعدداً وزواجاً ومن فمهم تدينهم -كما قيل- فها هو الكتاب المقدس لديهم يعترف أن أحد قضاتهم كان معدداً:
"8 وَقَضَى بَعْدَهُ لإِسْرَائِيلَ إِبْصَانُ مِنْ بَيْتِ لَحْمٍ. 9وَكَانَ لَهُ ثَلاَثُونَ ابْناً وَثَلاَثُونَ ابْنَةً أَرْسَلَهُنَّ إِلَى الْخَارِجِ وَأَتَى مِنَ الْخَارِجِ بِثَلاَثِينَ ابْنَةً لِبَنِيهِ. وَقَضَى لإِسْرَائِيلَ سَبْعَ سِنِينَ". سفر قضاة 12/8-10 يعني ستون ولدا فهل يكون الستون إلا من أربع نساء فأكثر؟ وكذا داود تزوج من عشرات النساء، بل إنه سافر مرة وترك فقط عشرًا من إمائه بالبيت: "16فَخَرَجَ الْمَلِكُ وَجَمِيعُ بَيْتِهِ وَرَاءَهُ. وَتَرَكَ الْمَلِكُ عَشَرَ نِسَاءٍ سَرَارِيَّ لِحِفْظِ الْبَيْتِ". صموئيل الثاني 15/16، وقد ورد في السفر ذاته أنه حبسهن حتى الموت؟، وهذا النبي جدعون يتزوج عشرات النساء وينجب سبعين ولداً: "30 وَكَانَ لِجِدْعُونَ سَبْعُونَ وَلَداً خَارِجُونَ مِنْ صُلْبِهِ، لأَنَّهُ كَانَتْ لَهُ نِسَاءٌ كَثِيرَاتٌ. 31 وَسُرِّيَّتُهُ الَّتِي فِي شَكِيمَ وَلَدَتْ لَهُ هِيَ أَيْضاً" سفر القضاة 8/30-32، وكذا النبي سليمان كان له عشرات من النساء بل مئات أو ألوف ما بين حرة وأمة كما ورد: « 8هُنَّ سِتُّونَ مَلِكَةً وَثَمَانُونَ سُرِّيَّةً وَعَذَارَى بِلاَ عَدَدٍ. نشيد الإنشاد 6/8 إلى غير ذلك من النصوص التي تبين على وجه القطع أن أنبياءهم في كتبهم المقدسة وكبراءهم هم أكثر الناس تعديداً في النساء، وإنما جاء دين الله الخالد ليلغي هذه الفوضى التي زعموها ويضع النقاط على الحروف ويبيح الزواج بأربع بشروط مشددة معروفة.
وأود في نهاية هذه الإجابة أن أوجه نصحاً آخر لأخي السائل في مجادلة المخالفين، وهو أن لا يجادلهم في شيء إلا وهو يملك عنه الجواب المقنع، وإلا يعتذر عنه أو يعدهم بجوابه بعد البحث والسؤال، كذا أوصيه بألا يجادل في قضايا الخلاف فيها غير مؤثر ويترك جوهر الخلاف الذي ينبغي علينا الجدال والحوار فيه، وكذا الوصية بكثرة الاطلاع والتعلم والقراءة الفاحصة خاصة في كتب الشرع المطهر، فإن فعل فسيفتح الله عليه فتوحا كثيرة لا يحصي لها عدًّا. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه.

!
10-02-21, 12:57 AM
السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
أرجو أن تبينوا لي: ما هي صلاة الأوابين؟

الجوابالحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
ثبت في صحيح مسلم عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "صلاة الأوابين حين ترمض الفصال"، وهذا الحديث يستدل به أهل العلم على استحباب صلاة الضحى في آخر وقتها حين ترمض الفصال، أي: حين يظهر أثر حرارة الشمس على الأرض، مما يجعل الفصال،وهي أولاد الإبل والبقر تتأذى من حرارة الرمضاء، فهو كناية عن تأخير صلاة الضحى إلى ذلك الوقت.
صلاة الضحى وقتها: منذ ارتفاع الشمس إلى أن تقوم مقام الظهيرة، وتتوسط الشمس في كبد السماء قبل الزوال، ولكن المستحب تأخيرها عن أول الضحى، إذن المراد بصلاة الأوابين، هي: صلاة الضحى في ذلك الوقت، وهي ركعتان (أقلها ركعتان) ومن زاد فهو خير.

!
10-02-21, 12:57 AM
السؤال
أنا امرأة مسلمة والحمد لله، ووالداي مسيحيان، والدي توفي وأنا أتصدق عن روحه، وأدعو له كل فجر، وسمعت من أحد الشيوخ أنه لا يجوز التصدق عنه لأنه غير مسلم، لكنه أبي، وربنا أوصى بالوالدين إحسانا.. أفتوني مأجورين..

الجوابالحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
عليك بالاجتهاد وبدعوة والديك إلى الإسلام فهو الدين الحق، وما بررت بوالدتك بأحسن من إنقاذها من النار، فاحرصي على ذلك إن كانت موجودة قبل مماتها على النصرانية، وأما بالنسبة لوالدك فلا تتصدقي عنه، ولا تعلمي شيئاً بالنسبة له ما دام أنه مات على النصرانية، فالله تعالى يقول: "مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ" [التوبة:113].
وأما وصية الله بالوالدين مع كفرهما ففي حال مصاحبتهما في الحياة الدنيا

!
10-02-21, 12:58 AM
السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
أنا مسافر صليت العصر مع جماعة مقيمين، وقصرت الصلاة حيث صليت ركعتين، وصليت قبل الأمام، مع العلم أني سأقيم في المدينة التي مسافر لها مدة خمسة أيام؟

الجوابالحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
المسافر إذا صلى خلف مقيم، وأدرك معه ركعة فأكثر فإنه يتم الصلاة، وذلك لما روي في الأثر عن موسى بن سلمة قال: (كنا مع ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بمكة، فقلت: إنا إذا كنا معكم صلينا أربعاً، وإذا رجعنا إلى رحالنا صلينا ركعتين، قال: تلك سنة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم). أخرجه أحمد والطبراني وصححه الألباني، ولأنه اجتمع ما يقتضي القصر والتمام فغلب التمام.
وعليه فإن عملك هذا غير صحيح، ويجب عليك إعادة هذه الصلاة والله أعلم.

!
10-02-21, 12:58 AM
السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
يوجد في البنك الأهلي برنامج للتكافل، وهو عبارة عن برنامج يقوم بخصم مبلغ محدد من الراتب شهريا لمدة سبع سنوات كحد أدنى، تستفيد منها بعد ذلك، ويمكن أن يكون هناك نسبة مرابحة في حدود 5%، وفي حالة الوفاة فإن الورثة يستفيدون من البرنامج حتى لو لم تتم السنوات المحددة.. أرجو الإفادة عن حكمه الشرعي.

الجوابالحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:
فقد اطلعت على هذا البرنامج من خلال موقع البنك الأهلي التجاري، حيث تبين بأنه مبني على مبدأ التأمين التعاوني، وأنه مجاز من قبل الهيئة الشرعية في المصرف، ولا شك أن الهيئة الشرعية في المصرف لن تجيز شيئاً إلا بعد الاطلاع على كامل البرنامج وقناعتها بمشروعية هذا البرنامج.
إلا أن الذي ينبغي السؤال عنه: هل سيقوم المصرف بتطبيق قرار الهيئة الشرعية تطبيقاً كاملاً، أم يحدث من بعض الموظفين عدم التقيد بكل ما جاء في قرار الهيئة الشرعية مما قد يؤثر على شرعية البرنامج، ولذا فمن المفترض في المصارف التي يكون لديها هيئة شرعية أن يكون لديها رقابة شرعية تعنى بتطبيق القرارات الشرعية، فبمثل هذه الرقابة يكون لدى العميل اطمئنان على شرعية المعاملة، أما إذا لم توجد رقابة شرعية، وإنما هيئة تصدر قرارات شرعية دون متابعة التطبيق فهذا مما يكون سبباً في عدم شرعية المعاملة لوجود خلل في التطبيق. والله تعالى أعلم.

!
10-02-21, 12:59 AM
السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
أعمل أمين صندوق في مؤسسة تجارية، وأحيانا أجرد الصندوق وتكون فيه زيادة مالية، وأكون شاكًا وغير متأكد أهي تخص صاحب العمل أم أخطات في الصرف للزبون، وإذا كنت متأكدًا أنها لصاحب العمل فهل يجوز أن أتصدق بها باسمه؟ علما أني لا أستطيع ردها له فقد اُتَّهم بالخيانة، وهل يجوز أن أشتري أغراضًا لصاحب العمل بالمال الزائد عندي، وإذا كنت أشك أن مالي الخاص اختلط مع مال صاحب العمل بدون قصد فما العمل؟

الجوابالحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
في العادة هناك نظام لأمين الصندوق قد يشمل هذه الحالات، فإن كان كذلك كان العمل مع هذه الحالات وفق هذا النظام، لأنه بمثابة الاتفاقية بينك وبين صاحب العمل، فإن لم يوجد فالحكم في الزيادة والله أعلم كما يلي:
1- إذا تأكدت أنها للزبون فإن كنت تعلمه حفظتها له وإلا تصدقت بها عنه.
2- إذا تأكدت أنها لصاحب العمل فتردها له، ولا أظن حصول ما تخشاه من التهمة إذا عرف صدقك وسبب هذه الزيادة، بل هي علامة على الأمانة، أما الصدقة بها فلا يصار إلى ذلك إلا إذا جهل صاحبها، أوفي أحوال خاصة جدا ليست هذه منها، وأما شراؤك بها فلا تملك ذلك مادمت تستطيع ردها، وقد يُصار إليه إذا تحققت أن الرد فيه مفسدة ظاهرة.
3- إذا كنت تشك أن مالك الخاص اختلط مع مال صاحب العمل بدون قصد كما تقول فالحكم أن تجتهد في تمييز كل مال، وتبين لصاحب العمل أنك اجتهدت حتى يحلل كل منكما الآخر كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لرجلين اختصما في مواريث درست بينهما: استهما وتوخيا الحق وليحلل أحدكما صاحبهِ رواه أبو داود وحسنه الألباني.
فإن خشيت مفسدة ظاهرة فلك بعد الاجتهاد أن تتصدق بالمشكوك فيه بنية أنه عن صاحبه الحقيقي، مع أن الواجب عليك دائماً الضبط واجتناب أسباب الاختلاط في المال؛ فإن هذا من أهم مسئوليات أمين الصندوق. وفق الله الجميع.

!
10-02-21, 12:59 AM
السؤال
أوصى والدي بثلث أمواله، وكانت عبارة عن عقارات تعادل ثلث التركة تؤجر ويوضع ريعها في أوجه الخير. السؤال: ما أفضل الأوجه التي توضع فيها؟ هل يجوز وضع شيء منها عن والدتي أو عمي رحمهم الله؟ لدينا مناسبة سنوية بالعيد وبها صلة رحم نقوم بها أنا وإخواني، فهل يجوز أخذ شيء من الصدقة ووضعها بها؟ من أوجه الخير أني أقوم بتسليف من يحتاج منها من الأقارب أو غيرهم، فهل يحق لي أن أتسلف منها عند الحاجة؟

الجوابالحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فقد أوصى والدك -رحمه الله- أن يوضع ريع عقاراته التي أوصى بها في أوجه الخير، وهذا مجال واسع يشمل كل أفعال الخير ومشروعات البر مما شرعه الله وأثاب عليه من عمارة المساجد، وطباعة المصاحف، وكتب أهل العلم، ومساعدة الفقراء والمحتاجين، ودعوة الناس لدين الله، وإعانة المهتمين بكتاب الله حفظا وتعليما، والقائمين على شؤون الأيتام والفقراء والمحتاجين، والمساهمة في كل أمر مشروع يعود نفعه على المسلمين، سواء كانوا من العائلة كما ذكرت من اجتماعكم وصلة الرحم بينكم، أو لعموم المسلمين، ومن ذلك القرض الحسن لمن يحتاج إليه حاجة مشروعة، ولا أجد ما يمنع دخولك مع المقترضين ما لم ينوه الموصي على استفادتك كناظر على الوصية فتكتفي بذلك، وما لم يكن اقتراضك جاوز المعروف الذي يصرف لغيرك.
وأما وضعها فيما يعود نفعه لوالدتك أو عمك فلا يمكن ذلك؛ لأن المال المتصدق به والموصى فيه لوالدك الذي قصر قصد الثواب له، فلا يمكن التصدق به بنية عن غيره، ولو كانت الوالدة وغيرها.

!
10-02-21, 01:00 AM
السؤال
ما الفرق بين الورع والتكلف المذموم شرعاً؟

الجوابالحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فالورع: هو اجتناب الشبهات خوفاً من الوقوع في المحرمات، وقيل: هو ملازمة الأعمال الجميلة، وقيل: ترك ما لا بأس به حذراً مما به بأس، وأصله قوله –صلى الله عليه وسلم-: " إن الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه" أخرجه البخاري (52)، ومسلم (1599). وهو مندوب إليه، ومنه الخروج من خلاف العلماء بحسب الإمكان، فإن اختلف العلماء في فعل هل هو مباح أم حرام فالورع الترك. وإن اختلفوا هل هو مباح أو واجب فالورع الفعل مع اعتقاد الوجوب، وإن اختلفوا هل هو مندوب أو حرام فالورع الترك، وإن اختلفوا هل هو مكروه أو واجب فالورع الفعل.. وعلى هذا المنوال.
وأما إذا اختلفوا بالوجوب والتحريم فلا ورع، أو الندب والكراهة فلا ورع؛ لتساوي الإقدام والإحجام.
أما التكلف فهو تجاوز الحد في الورع، وذلك بترك أمر مباح لم تتطرق إليه شبهة تحريم أو نحوه، وذلك خوفاً من ورود الشبهة فيه، أو حصول الإثم به، أما إذا ترك المباح من غير اعتقاد شبهة أو خوف إثم فهذا من الزهد الممدوح أيضاً، فهناك فرق بين الورع والزهد والتكلف، وفق الله الجميع لما يحب ويرضى. والله أعلم.

!
10-02-21, 01:00 AM
السؤال
السلام عليكم.
سمعت أن هناك دعاء يرد به الله الدَّين عن الإنسان، ما هو هذا الدعاء؟ وهل يشمل رد الديون الخاصة بالناس؟.


الجوابالدعاء له فضل عظيم على وجه العموم، وهو من أهم أسباب قضاء الحاجات، ومنها الديون التي في الذمة، وقد جاءت أحاديث تبين أنه – صلى الله عليه وسلم- كان يدعو الله أن يقضي عنه دينه، حتى جاء عن النبي – صلى الله عليه وسلم- أنه كان يدعو بذلك كل ليلة قبل أن ينام ومن ذلك حديث أبي هريرة – رضي الله عنه- أن النبي – صلى الله عليه وسلم- كان إذا أراد أن ينام يقول: "اللهم رب السماوات ورب الأرض، ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء، فالق الحب والنوى، ومنزل التوراة والإنجيل والفرقان، أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته، اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء اقض عنا الدين وأغننا من الفقر" أخرجه مسلم(2713)، وأبو داود(5501)، والترمذي(3400)، وابن ماجة(3873).
ومن الأدعية التي علمها النبي – صلى الله عليه وسلم- بعض من عليهم دين ما يلي:
(1) عن أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه- قال: دخل رسول الله – صلى الله عليه وسلم- ذات يوم المسجد، فإذا هو برجل يقال له أبو أمامة، فقال: "يا أبا أمامة مالي أراك خالياً في المسجد في غير وقت الصلاة؟ قال: هموم لزمتني وديون يا رسول الله، قال: أفلا أعلمك كلاماً إذا أنت قلته أذهب الله همك، وقضى عنك دينك؟ قال: قلت: بلى يا رسول الله، قال: قل إذا أصبحت وإذا أمسيت: اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال، قال: فقلت ذلك، فأذهب الله همي،وقضى عني ديني"، أخرجه أبو داود(1555)، وقال: هذا حديث غريب.
(2) وعن علي – رضي الله عنه- أن مكاتباً جاءه فقال: إني عجزت عن كتابتي فأعني، قال: ألا أعلمك كلمات علمنيهن رسول الله – صلى الله عليه وسلم- لو كان عليك مثل جبل صبير ديناً أداه الله عنك؟ قال: "قل اللهم اكفني بحلالك عن حرامك، وأغنني بفضلك عمن سواك" أخرجه الترمذي(3563)، وقال: حسن غريب، وأخرجه البزار(2/185)، والحاكم(1/721).
وهذا الحديث ضعيف لكن لا بأس بالعمل به أحياناً، لأن ضعفه ليس شديداً، وهو في باب الأذكار وفضائل الأعمال، وهناك أدعية أخرى ذكرها الحافظ المنذري في كتابه: (الترغيب والترهيب) وغيره، لكن أحاديثها ضعيفة جداً لا تصح فلذا تركت إيرادها مكتفياً بما هو أقوى منها، والله أعلم.
وقد جاءت أحاديث أخرى عن النبي – صلى الله عليه وسلم- مبينة أنه كان يكثر الاستعاذة من الدين وهذا يشمل:
استعاذته – صلى الله عليه وسلم- قبل أن يستدين حتى لا يضطر إلى الدين، أو يكون استعاذ بعد الاستدانة ويسأل ربه السلامة من غوائل الدين وشره، وأن يعينه الله على قضائه، فلذا ينبغي على المسلم الاقتداء بالنبي – صلى الله عليه وسلم- بالإكثار من الاستعاذة من الدين، ومن الأحاديث التي جاءت في هذا الباب ما يلي:
(1) عن عائشة – رضي الله عنها- أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم- كان يدعو في الصلاة: "اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا وفتنة الممات، اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم، فقال له قائل: ما أكثر ما تستعيذ يا رسول الله من المغرم؟ قال: إن الرجل إذا غرم حدث فكذب، ووعود فأخلف، أخرجه البخاري(2397)، ومسلم(589)، وأبو داود(880)، والنسائي(1308)، وأحمد(6/88)، وقوله: المأثم المراد الإثم، والمغرم المراد الغرامة، وهي ما يلزم الشخص أداؤه كالدين.
(2) وعن أنس – رضي الله عنه- قال: كنت أسمع النبي – صلى الله عليه وسلم- يكثر أن يقول: "اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والجبن والبخل، وضلع الدين، وغلبة الرجال" أخرجه البخاري(6363)، والنسائي(5465)، والترمذي(3484) وضلع الدين: المراد ثقل الدين وشدته، كأن ثقله يصل إلى أضلاعه.
والدين يشمل كل ما في ذمة الإنسان سواء أكان ديناً لله ككفارة ونحوها، أو ديناً لآدمي كسائر الديون، والله أعلم.

!
10-02-21, 01:01 AM
السؤال
أعجبت بفتاة كانت تدرس معي، وهي الآن تعمل معي، عرفتها جيدا وتعلقت بها، وأردت خطبتها، أخبرت أمها بذلك فوافقت، وأخبرت أهلي فوافقوا، وكنت أجهز نفسي، ولكن عمها تحدث مع والدها يريدها لابنه، فوافق لكن دون رغبة الفتاة، مع العلم أن ابن العم هو أيضا أُجبر على ذلك، ربما هي تقاليد العائلة، فهل يجوز للفتاة أن ترفض رأي والدها، أو أن أتقدم لخطبتها؟ وهل يجوز أن أحدث ابن عمها بذلك، أو أن تخبره هي؟ أفتونا مأجورين..

الجوابالحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
إذا كانت التي ذكرت في سؤالك قد خطبت من ابن عمها فلا يجوز لك أن تتقدم لخطبتها حتى ترفض الخطبة، أو يتنازل الخطيب، وللفتاة أن ترفض خطبة من لا ترغب الزواج منه، لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا تنكح الايم حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن.." متفق عليه..
وننصحك أن لا تتدخل في موضوع هذه الفتاة حتى لا تكون سبب فتنة.. وحتى لا يكون تدخلك سبباً في رفضك من الزواج بها في حال رفض خطبة ابن عمها.
وإياك أن تحرضها على الرفض، ولا تتحدث مع ابن عمها في شيء من ذلك.. والنساء غيرها كثير في حال زواجها من ابن عمها. لكن إذا رفضت الفتاة هذا الزوج من تلقاء نفسها فلك أن تتقدم لخطبتها بعد ذلك. والله أعلم.

!
10-02-21, 01:01 AM
السؤال
أنا -للأسف الشديد-كثيرة الحلف والحنث بيميني التي أقطعها على نفسي وأنا غاضبة؛ لأني سرعان ما أنسى وأسامح، وأريد الآن التكفير عن أيماني أرجو أن تفيدوني بالطريقة الصحيحة، وهل صحيح أن الأيمان المتشابهة تدخل تحت كفارة واحدة؟ وهل يجوز دفع مال مقابل الكفارة، حيث إن هيئة الإغاثة الإسلامية لديها مشروع إفطار صائم، وأفكر أن أدفع لهم الكفارة للمنكوبين في النيجر، فهل عملي صحيح، وإذا كان لديكم طريقة أكثر أماناً لوصول كفارتي أرجو أن تدلوني عليها، وجزاكم الله عنا كل خير.

الجوابالحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
فينبغي للمسلم أن يعظم اليمين، وأن لا يكثر من الأيمان، وليجاهد نفسه على تركها إن كان قد اعتاد على المبادرة بها حال غضبه أو حديثه مع غيره.
واليمين التي تجب لها الكفارة ما توفر فيها ثلاثة شروط:
الأول: أن تكون مقصودة، بأن يقصد الحالف عقدها على أمر مستقبل ممكن.
الثاني: أن يحلف مختاراً غير مكره.
الثالث: أن يحنث فيها.
وإذا كرر الأيمان ففي ذلك تفصيل:
أولاً: إذا كان تكرار اليمين قبل التفكير على فعل واحد، وموجبُها واحد ثم حنث فيها فعليه كفارة لكل يمين على الراجح، وهو قول أكثر العلماء.
مثاله: أن يقول مرة: والله لا آكل طعام فلان، ومرة أخرى يقول: والله لا أشتري ذلك الشيء، ومرة ثالثة يقول: والله لا أبيت في المكان الفلاني. فهذه أيمان متعددة على أشياء مختلفة، فالصحيح أنه يجب لكل يمين كفارة.
ثانياً: أن تتعدد اليمين والمحلوف عليه واحد، مثل أن يقول: والله لا كلمت فلاناً، ثم يقول والله لا أكلم فلاناً. ويعيده ثالثة، فهذا يجب فيه كفارة.
ثالثاً: أن تكون اليمين واحدة والمحلوف عليه متعدد، مثل: والله لا أكلم فلاناً، ولا أُهدي لفلان، ولا أزور ذلك المكان، فهذا فيه كفارة واحدة.
وأما أنك لا تذكرين عدد الأيمان فتجتهدين وتتحرين عددها وتخرجين كفارات بناء على تَحرِّيك.
ولا يجوز دفع الكفارة نقداً لتفطير الصائمين؛ لأن من الصائمين من لا يكون مسكيناً، ولابد من مراعاة العدد. ولكنه يمكن الاتصال بجمعية خيرية في بلدكم، فإنهم يأخذون مبلغاً من المال ويشترون به طعاماً يطعمون به عشرة مساكين وكالة عمن وجبت عليه اليمين. والله أعلم.

!
10-02-21, 01:02 AM
السؤال
بسم الله الرحمن الرحيم
كنت أقيم مع أسرتي في إحدى البلاد العربية، ثم التحقت بالجامعة في بلدي الأصل، وألغيت إقامتي وتخرجت من الجامعة، ثم أتيحت لي فرصة لزيارة ذلك البلد، ليس للعمل، وهناك قانون في بلدنا يحظر السفر من دون تأدية الخدمة الوطنية لكل خريج، مع العلم أني ذاهب لزيارة الأسرة فقط، ليس للعمل، فحظر جوازي، ومن ثم جئت بما يثبت أنني مازلت طالباً في الجامعة، وحلفوني بالله على ما قلت، واضعاً يدي على المصحف، فحلفت على ذلك وهو كذب، هل يعد هذا يمينا غموساً؟ مع العلم أنني لم أتعد على حق أحد، ولا أريد العمل هناك، وكان من الصعب جداً أن أتمكن من السفر من غير ذلك الأسلوب الذي اضطررت إليه، وكيف لي أن أبرئ ذمتي من هذا الذنب الكبير؟ علماً أني لا اعتراض لي على أداء هذه الخدمة التي تبلغ عاماً أو يزيد، ولا يمكنني أداؤها إلا بعد عام ونصف؛ لأنني تخرجت من كلية الطب، مع العلم أني ذاهب لزيارة والدي. أرجو الإفادة، والسلام عليكم ورحمة الله.

الجوابالحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
نعم عملك هذا فعل محرم؛ فكون الإنسان يحلف على شيء مضى وهو كاذب هذه هي اليمين الغموس، التي تغمس صاحبها في النار، وهو من كبائر الذنوب، وليس له كفارة؛ لأنه أعظم أن يُكفَّر، وإنما عليك أن تتوب إلى الله، وتبكي على خطيئتك، وتكثر من العمل الصالح؛ لعل الله –تعالى- أن يتوب عليك، وما ذكرته من تعليلات كلها لا تسوغ لك الحلف بالله كاذباً. وبالله التوفيق.

!
10-02-21, 01:02 AM
السؤال
في مدارسنا في بلدنا قبل النشيد الوطني قسمٌ يحمل عبارات أحتاج إلى معرفة حكمها، القسم: أقسم بالله العظيم أن أكون مخلصاً للوطن، وأن أعمل على رفعته...إلخ. فهل هذا القسم مشروع؟.

الجوابالحمد لله وحده، وبعد:
فلم يذكر – أخي السائل- سوى هذه الجملة، وهي: (الحلف بالله على الإخلاص للوطن والعمل على رفعته)، وهذا القسم ليس فيه محظور، فالإخلاص للوطن معناه عدم خيانته، وهذا مطلوب شرعاً، وكذلك العمل على رفعته أمر حسن، وقد يقصد بعض الناس من هذا القسم ما ليس بجيد، كأن يقصد بالإخلاص ألا يغير الباطل الذي في الوطن، أو ألا يسعى المسلم لإصلاح ما فيه مما يخالف الشرع- تلاعباً بالألفاظ واستعمالاً لها في غيرما وضعت له-، لكن المسلم عندما يتلفظ بهذا القسم فهو يقصد المعنى الحسن، ولا شيء عليه إن استعمله غيره في معنى وضيع. والله الموفق والهادي لا إله إلا هو.

!
10-02-21, 01:03 AM
السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
إذا قام شخص بالتحريض، ودفع مبلغًا ماليًا لشخص آخر من أجل ارتكاب جريمة قتل، وقد تمت الجريمة. فما الحكم الشرعي في الشخص المحرض، مع العلم بأن جميع الأشخاص مسلمين؟

الجوابالحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فإن قتل النفس المعصومة كبيرة من كبائر الذنوب، وجريمة من أعظم الجرائم، فكيف إذا كانت النفس المقتولة مع عصمتها مؤمنة فذلك أعظم جرمًا وقد قال الله تعالى: "وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا" [النساء:93]. وكذلك الإعانة على قتل النفس المعصومة جريمة ومنكر عظيم سواء كان بالتحريض أو الإعانة أو الدلالة أو المشاركة بالمال أو الفعل، أما ما جاء في سؤال السائل فإن كان التحريض ودفع المال لشخص آخر ليرتكب الجريمة فلا يخلو من ثلاث حالات:
الحالة الأول: أن يكون المأمور والمحرض غير مكلف كصغير أو مجنون فهنا الضمان والقصاص على الآمر والمحرض؛ لأن الصغير والمجنون هما كالآلة للآمر والمحرض ولا يمكن إيجاب القصاص والحالة هذه على المأمور، فوجب الضمان على المتسبب به وهو الآمر المحرض.
الحالة الثانية: أن يكون المأمور كبيراً عاقلاً عالماً بحرمة القتل، فإن الضمان والقصاص عليه لوجود المباشرة، فالضمان على المباشر، ولكن يجب تعزير المحرض والآمر.
الحالة الثالثة: أن يكون المأمور المحرَّض كبيراً عاقلاً عالماً بالتحريم إلا أن الآمر المحرِّض أكرهه على فعله، فهنا الضمان والقصاص عليهما، لأن القاتل قصدا استبقاء نفسه بقتل نفس معصومة مؤمنة، والآمر أكره القاتل فكان سبباً للقتل بما يحصل به القتل غالباً كما لو كتفه ورماه على سبع أوحية. والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

!
10-02-21, 01:03 AM
السؤال
كنت في مناقشة مع أحد الإخوة حول قصة سقوط طفل من أحد البيوت وسقوطه على سيارة تقف بجوار المنزل مما نتج عنه وفاة الطفل, ثم قال إن صاحب السيارة تحمل دية الطفل؛ لأنه يعتبر في حكم الضامن, فهل حقاً يعتبر في هذه المسألة ضامناً، بحيث إن وقوف السيارة وقوف طبيعي ليس فيه خطأ, أرجو بيان ذلك, وما هو تعريف الضامن شرعياً.

الجوابالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فإن أهل العلم قسموا أحوال القتل إلى أقسامٍ ثلاثة، لكلٍ منها أحكام تخصه، وهي:
القسم الأول: القتل العمد، وضابطه: أن يقصد إنسانٌ قتل إنسانٍ آخر بما يقتل غالباً كسكين أو خنجر أو سيف أو مسدس، والحكم في هذا النوع من القتل أن أولياء الدم لهم طلب القصاص أو أخذ الدية أو العفو.
القسم الثاني: القتل شبه العمد، وضابطه: أن يقصد إنسانٌ ضرب إنسانٍ آخر بما لا يقتل غالباً فيقتل به كالسوط والعصا، والحكم في هذا النوع من القتل أن أولياء الدم لهم أخذ الدية المغلَّظة أو العفو.
القسم الثالث: القتل الخطأ، وضابطه: أن يفعل الإنسان ما يُباح له فعله، وينتج عنه قتل إنسانٍ آخر، كأن يقصد الإنسان صيداً فيصيب إنساناً لم يقصد إصابته فيقتله، والحكم في هذا النوع من القتل أن أولياء الدم لهم أخذ الدية العادية أو العفو، كما أنه يجب على القاتل الكفارة التي أوجبها الله على من قتل غيره خطأً.
أما إذا كان القتل ناتجاً عن أمرٍ آخر غير الأمور الثلاثة السابقة، فإنه لا يجب للمقتول حقٌ على أحدٍ من الناس، وما ذُكر في السؤال لا يدخل تحت الأقسام الثلاثة السابقة، ولذلك فإن صاحب السيارة لا يجب عليه ما نتج عن سقوط هذا الطفل على سيارته؛ لأنه لم يقصد القتل، ولم يفعل فعلاً نتج عنه القتل، لا سيما وأنه وضع سيارته في مكانها المناسب، ولذلك فإنه لا يجب عليه دفع الدية ولا الكفارة؛ لأنه لم يفعل شيئاً يترتب عليه مثل ذلك. أما الضمان فإنه يُطلق في اصطلاح الفقهاء على معانٍ متعددة، وذلك بحسب الموضع الذي يُذكر الضمان فيه، وهذا هو السبب في اختلاف تعريف الضمان، وأهم هذه الإطلاقات:
1- يطلق على كفالة النفس، وكفالة المال عند جمهور الفقهاء من غير الحنفية, وعنونوا للكفالة في هذا الموضع بالضمان.
2- ويطلق على غرامة المتلفات والغصوب والتعييبات والتغييرات الطارئة.
3- كما يطلق على ضمان المال, والتزامه بعقد وبغير عقد.
4- ويطلق أيضاً على ما يجب بإلزام الشارع, بسبب الاعتداءات: كالديات؛ ضماناً للأنفس, والأروش؛ ضمانا لما دونها, وكضمان قيمة صيد الحرم, وكفارة اليمين, وكفارة الظهار, وكفارة الإفطار عمداً في رمضان ونحو ذلك، وهذا التعريف هو مراد السائل، وبما أن صاحب السيارة لم يعتدِ على أحد، فإنه لا يجب عليه الضمان. والله الموفق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

!
10-02-21, 01:04 AM
السؤال
هناك مصطلح شائع اليوم باسم "جرائم الشرف" حيث يقتل الشخص أخته أو ابنته لأنها مشت مع شخص غريب وما شابه ذلك.
وحيث إن القوانين تخفف الحكم على القاتل بحجة أنها جريمة شرف على مبدأ درء الحدود بالشبهات.
وبما أن العلمانيين ومن سار على خطاهم يشيرون بأصابع الاتهام إلى التشريع والفقه الإسلامي بهذا الخصوص، فنريد منكم توضيح الحكم الشرعي للقتل بحجة تلويث الشرف؟

الجوابالحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فنفيدك أن الشريعة الإسلامية لا تجيز لأولياء المرأة كأبيها، وأخيها قتلها بمجرد مشيها مع إنسان غريب –وإن كان الباعث لهم على هذا القتل الغيرة على محارمهم، لأن إقدامهم على القتل جريمة، وتعد لحدود الله، وقتل نفس حرم الله قتلها إلا بالحق، قال صلى الله عليه وسلم: "لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث؛ الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة". صحيح البخاري (6878)، وصحيح مسلم (1676). ومن أجل هذا يجوز لأولياء المرأة الذين لم يباشروا قتلها، ولم يعينوا عليه، رفع قضية للمحكمة يطلبون فيها القصاص ممن قتل مورثتهم، إذا كان القاتل غير الأب، ولهم أن يعدلوا عن القصاص إلى الدية، أو يعفوا عن القاتل دون مقابل.
أما إذا كان القاتل هو الأب فإنه يعزر بالجلد، والسجن، ولا يقتل، لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يقتل والد بولده" أخرجه أحمد (328)، والترمذي (1400)، وابن ماجه (2662). وتستقر دية المقتولة في ذمته يسلمها لورثتها إلا إن جرى عفوهم عنه.
أما ما ذكره السائل من أن القوانين تخفف العقوبة على القاتل بحجة أنها جريمة شرف على مبدأ "ادرءوا الحدود بالشبهات" فإن هذه الجريمة ليس فيها شبهة، فالذي ارتكبها من أولياء المرأة قد تعمد ذلك. وإن كان ما صدر به القانون في هذه القضايا مخالفا للشريعة، فإنها لا تتهم بالتقصير في هذا وإنما تتهم القوانين الجائرة المخالفة لأحكام الله، وأدعو السائل إلى الرجوع إلى ما ذكره الفقهاء -رحمهم الله- في باب حد الزنا، ليكون على علم وبصيرة بما جاءت به الشريعة في ذلك، وفق الله الجميع للعلم النافع والعمل الصالح. والله سبحانه وتعالى أعلم.

!
10-02-21, 01:11 AM
تفسير أبي بكر عتيق السورياني النيسابوري
"دراسة في منهج المؤلف وعقائد الفرقة الكرامية"
4-4
المبحث الثالث : عقائد الكرامية من خلال تفسيرأبي بكر عتيق السورياني النيسابوري:
ذكر فيما مضى أن أبا بكر عتيق بن محمد السورياني شيخ من شيوخ الفرقة الكرامية،[1] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=136&aid=14464#_ftn1) وتفسيره مصدر خصب ومباشر لعقائد هذه الفرقة وآرائها، وهو –فيما أعلم – الكتاب الوحيد من التراث الفكري للكرامية، والذي نجا من الاندثار ووصل إلينا.
إن ما أسطره في هذه الصفحات هي -على تواضعها وإيجازها- تعد أول محاولة علمية بعد عدة قرون[2] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=136&aid=14464#_ftn2) للتعرف على معتقدات طائفة من الفرقة الكرامية وآرائها، من خلال مصدر مكتوب من قبل عالم من علماء المذهب، بل زعيم من زعمائه.
ولا شك أن التعامل المباشر مع مصادر مذهب أو فرقة ما، بدل الاعتماد على ما كتبه عنها الآخرون يجنب أي باحث أمين يدرس هذا المذهب والفرقة من الوقوع في أخطاء منهجية، وإصدار أحكام غير دقيقة، قد تكون ناتجة عن عدم الدقة في النقل أو التحامل، أو التعصب بشتى أنواعه، ولا شك أن تفسير السورياني يوفر لنا فرصة قيمة للوقوف على حقيقة الفرقة الكرامية، في صورة أحد فروعها المهمة وهي الهيصمية، وفيه زاد ومادة علمية غزيرة لمن يريد البحث في جانب من جوانب هذه الفرقة، التي كانت لها وجود ملحوظ في حقبة من أحقاب تاريخ الفرق والمذاهب في ديار المسلمين، وكانت طرفاً من أطراف الصراع الفكري والعقدي الذي كان يدور رحاه بين مختلف التيارات والفرق والمذاهب.
المطلب الأول: كرامية السورياني وموقعه القيادي داخل الفرقة:
ولا نحتاج إلى كثير عناء وجهد في التأكيد على كرامية أبي بكر عتيق بن محمد السورياني؛ لأنه كما ذكرنا في ترجمة الرجل أن عبد الغافر الفارسي- وهو معاصر للسورياني ونيسابوري مثله- نص على ذلك في كتابه الشهير "السياق لتاريخ النيسابور"[3] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=136&aid=14464#_ftn3) وهذا النص الصريح يحسم الأمر، ولا يبقي مجالا للشك والنزاع في المسألة، كما أن تفسير السورياني يؤكد شهادة عبد الغافر الفارسي في كرامية السورياني ومكانته القيادية في الفرقة؛ لأنه تضمن كثيراً من أقوال، وآراء شيوخ الكرامية وقادتها، بدءاً بمؤسسها أبي عبد الله محمد بن كرام،[4] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=136&aid=14464#_ftn4) مروراً بإسحاق محمشاد، وانتهاء بمحمد بن الهيصم،[5] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=136&aid=14464#_ftn5) وكل هؤلاء زعماء للفرقة الكرامية في عصور متعاقبة، تطور المذهب على أيديهم وتغذى بأفكارهم.
والسورياني يذكرهم بكل تقدير وتبجيل، ويستشهد بأقوالهم في ثنايا تفسيره، ويتبناها.
هذا في عصر كان الصراع بين الكرامية وغيرهم على أشده، سواء ببيان الشذوذ الفكري والانحرافات العقدية للفرقة، والتى بلغت حد التكفير في بعض الأحيان،[6] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=136&aid=14464#_ftn6) أو بتعرض زعماء الكرامية للسجن والنفي في بعض الحالات[7] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=136&aid=14464#_ftn7).
ولا يمكن في مثل هذه الظروف أن يتبنى عقائد الكرامية ويسعى لترويجها والنهوض للذود عنها أمام المعارضين، ويذكر مؤسس المذهب وأقطابه، بعبارات الثناء والاحترام، إلا كرامي متصلب يؤمن بمبادئ الفرقة، و ينتصر لها مهما كانت النتائج والتبعات، وهذا ما فعله أبو بكر عتيق بن محمد النيسابوري في تفسيره.

!
10-02-21, 01:12 AM
المطلب الثاني: موقف السورياني من فكرة التجسيم:
إن أول ما يتبادر إلى الذهن بمجرد ذكر الفرقة الكرامية، هو ما اشتهر من أقوال مؤسسها في عبد الله محمد بن كرام السجستاني، حول فكرة التجسيم، وإطلاقه لفظ الجسم على الله سبحانه وتعالى، ودعوته لاتباعه إلى تجسيم معبوده،[8] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=136&aid=14464#_ftn8) ورغم ما قدمه أتباع المذهب من تفسيرات وتبريرات لأقوال زعيمهم، وبالرغم من ظهور خلافات فكرية داخل المذهب، أدت إلى انقسامه إلى عدة فرق،[9] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=136&aid=14464#_ftn9) إلا أن ألقاب مثل: "المجسمة" و"المشبهة" ظلت ملتصقة بالكرامية على مر القرون[10] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=136&aid=14464#_ftn10) .
وقد حاول محمد بن الهيصم وأتباعه من الكرامية نفي تهمة التجسيم عن المذهب؛ فقالوا: "نعني بكونه جسماً: أنه قائم بذاته"[11] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=136&aid=14464#_ftn11) فاستثني من العدّ في زمرة المجسمة، قال صاحب الملل والنحل: "وحاش غير محمد بن الهيصم فإنه مقارب"[12] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=136&aid=14464#_ftn12).
والسورياني معجب بآراء محمد بن الهيصم، ويكثر من الاستشهاد بأقواله في ثنايا تفسيره، ويظهر من تطابق الآراء بين الاثنين، بأن السورياني من أتباع الفرقة الهيصمية، ولذلك نجده ينفي التجسيم في حق الله سبحان الله وتعالى، ويصرح بعدم جواز إطلاق لفظ الجسم عليه – جلّ وعلا- ففي معرض تفسيره لقوله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ...} [آل عمران:185] يقول السورياني ما ترجمته: "سؤال: لماذا قال: {كل نفس ذائقة الموت}، بينما الله سبحان الله وتعالى نفس، ولكنها ليست ذائقة الموت؟
الجواب: قالوا: إن معناه كل نفس منفوسة ذائقة الموت، وقالوا: معناه: أن كل جسم ذائق الموت، ولا يجوز إطلاق الجسم على الله، هو نفس بمعنى: ثبوت الذات..."[13] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=136&aid=14464#_ftn13).
ويتبين من تفسير ابن الهيصم للجسمية، ورفض السورياني لإطلاقها على الله سبحانه وتعالى، أن الهيصمية من الكرامية لا يعتقدون بالتجسيم في حق الله عز وجل.
وبناء على ذلك: يجب التفريق بين الكرامية القائلين بالتجسيم، و من رفض منهم القول بذلك، مثل: الهيصمية، والسورياني منهم، وعدم رمي الجميع بالقول بالتجسيم.
وتمشيا مع قوله في نفي التجسيم ينفي السورياني الطول والعرض، والتأليف والأجزاء، في حق الله سبحانه وتعالى، جاء ذلك في تفسيره قوله عز وجل في آية الكرسي: {وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} [البقرة:255].
قال السورياني: "وأما العظيم فهو شيء يقال له: عظيماً، بمعنى القدر والجلال كما يقولون: عظيم الهند، وعظيم الروم، والله سبحانه وتعالى عظيم بهذا المعنى. وهناك شيء عظيم بمعنى الطول والعرض، مثل: الطود العظيم، والعرش العظيم، ولا يجوز أن يكون الله سبحانه وتعالى عظيماً بهذا المعنى؛ لأن ذلك يوجب الطول، والعرض، والتأليف، والأجزاء تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا"[14] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=136&aid=14464#_ftn14) .

!
10-02-21, 01:13 AM
المطلب الثالث: موقف السورياني من الصفات الإلهية:
ويعتبر السورياني صفات إلهية مثل الاستواء، واليد، والإتيان، من المتشابهات في القرآن، والتي لا يمكن الوصول إلى كنه معناها في حق الله سبحان وتعالى، ولكن يجب الإيمان بها دون الخوض في تأويلها؛ لأن تأويل هذه الصفات هو عين الزيغ والابتداع.
يقول السورياني في تفسيره قول الله تعالى عز وجل: { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ...} [آل عمران:7]: "أما الذين في قلوبهم (نزعة) الرجوع عن الحق مثل المبتدعة، يبحثون فيما تشابه وخفي من القرآن، ويريدون تأويل الاستواء والإتيان واليد؛ ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله"[15] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=136&aid=14464#_ftn15) .
ويؤكد السورياني بوضوح أكثر ما ذهب إليه من اعتبار صفات الاستواء، واليد والإتيان من المتشابهات، ويطرح كعادته سؤالاً حول الموضوع، ويجيب عليه بنفسه فيقول: "سؤال: هل يجوز أن يرسل عظيم من العظماء كتاباً إلى من هم دونه، وهم لا يعرفون معاني بعض ما جاء في الكتاب؟ هذا لا يتفق مع الحكمة.
نجيب: ألا يجوز أن يصل كتاب من السلطان إلى أهل نيسابور، واسم الملك في الكتاب طغرا وهم لا يعرفون معناه. و(في الكتاب أسماء) مثل: طغرل، وجغراي، وألب أرسلان؟!
إذا كان يجوز ذلك، لماذا لا يجوز أن يصل كتاب من رب العالمين إلى العباد وهم لا يعرفون فيه معني الإتيان واليد والاستواء؟!
ونقول كذلك في الجواب: إذا كان لله أفعالاً نحن لا نعلم مقصوده وغرضه فيها، مثل: خلق البعوض، والذباب، البراغيث، والنمل، والقمل، لماذا لا يجوز أن يكون في أقواله ما لا نعلم مقصوده وغرضه فيه؟ مثل: الإتيان، واليد، والاستواء... محمد بن الهيصم – رحمه الله- كان يقول: "اشترط الله تعالى على أولي الألباب أن يحفظوا القلب من الزيغ في المتشابهات في القرآن، ويجب أن تتوفر لأولي الألباب عقول مثل عقل الإنسانية، وعقل المعرفة، وعقل السنة والجماعة، وعقل العقد؛ لكي يثبتوا على الصراط المستقيم"[16] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=136&aid=14464#_ftn16) .
ويفهم مما قاله السورياني أنه من المعتقدين بالتفويض المطلق في باب صفات، مثل: الاستواء واليد والإتيان.
وفي تفسير يفهم منه تأكيد ما ذهب إليه السورياني من اعتبار بعض آيات الصفات من المتشابهات، التي لا طريق للعقل في فهم حقيقتها، يقول السورياني في تفسير قوله تعالى: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ} [البقرة:210] هل ينظرون بعدما جاءتهم الحجج إلا أن يأتيهم عذاب الله وعقوبته، كما كانوا قد سمعوا بإتيان الله والملائكة يوم القيامة في ظلل من الغمام.
كان محمد بن الهيصم –رحمه الله – يقول: يجب أن لا يتوهم من هذه الآية بالحركة والنقلة، والذهاب، والمجيء في حق الله تعالى؛ لأن هذا الإتيان خبر لا سبيل للعقل إليه"[17] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=136&aid=14464#_ftn17) .

!
10-02-21, 01:13 AM
المطلب الرابع: مفهوم الإيمان عند السورياني:
وخلافا لما هو المشهور بأن الإيمان عند الكرامية هو مجرد القول باللسان فقط، وإن كان مع عدم تصديق القلب،[18] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=136&aid=14464#_ftn18) نرى أن السورياني – وهو الشيخ من الشيوخ الكرامية – ينص على أن الإيمان هو التصديق، وقد فسر الإيمان في أكثر من موضع في تفسيره بذلك، منها تفسيره لقوله تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا} [آل عمران:173] فمما ذكره السورياني من الأقوال في تفسيره الآية على سبيل التقرير قوله: "... وقالوا: {فزادهم إيماناً} أي: تصديقاً..."[19] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=136&aid=14464#_ftn19) .
وقال في تفسير قوله تعالى: {وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا} [الأحزاب:22] أي: "تصديقا بوعد الله"[20] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=136&aid=14464#_ftn20).
وبما أن الإيمان عند السورياني هو التصديق القلبي، نجده يؤكد على عدم إيمان المنافقين، الذين يدعون الإيمان باللسان دون التصديق القلبي.
قال السورياني في معرض تفسيره لقوله سبحانه وتعالى: { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِين} [البقرة:8]: "وليسوا من المؤمنين بقلوبهم، وهم المنافقون مثل عبد الله بن أبي بن سلول الخزرجي، وغيره من المنافقين.
إن الناس جميعهم ثلاثة أصناف: المؤمن المخلص، والكافر المحض، والمنافق، وقد ذكر الله سبحانه وتعالى كل هذه الأصناف في هذه السورة..."[21] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=136&aid=14464#_ftn21).
ويستطرد السورياني في بيان سبب نفاق ابن أبي وحقده على الرسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين، فيقول: "... وقد ضمر في قلبه الحقد على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والحقد على المسلمين، وأسلم ظاهراً، بينما كان منافقا في قلبه. وعندما قال: {آمنا بالله} أي: صدقنا بالله ادّعوا تصديق القلب، وقد كذّبهم الله سبحانه وتعالى وقال: {وما هم بمؤمنين} أي: بمصدقين بقلوبهم"[22] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=136&aid=14464#_ftn22) .
وإذا كان هذا النص الصريح من السورياني دليلاً واضحاً على أن الإيمان لديه هو التصديق القلبي –خلافاً لما اشتهر عن الكرامية- فإنه يؤكد بأن الهيصمية من الكرامية لا يقولون بكون المنافق والزنديق بأنه مؤمن حقاً، الأمر الذي يجعل التفريق بين الهيصمية وغيرهم من الكرامية في غاية الأهمية، فما قيل عن سائر الكرامية بأنهم يرون أن"المنافقين في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا مؤمنين حقاً، وكان إيمانهم كإيمان جبريل وميكائيل والأنبياء والملائكة، مع اعتقادهم النفاق وإظهار الشهادتين" لا ينطبق على الهيصمية.
وقد ذهب السورياني إلى القول بأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وللخروج من القول بزيادة الإيمان ونقصانه، لا يمتنع من التكلف والتعسف في تفسير الآيات التي تدل على زيادة الإيمان ونقصانه، ومن أمثلة هذا التعسف والتكلف ما ذكره السورياني في تفسير قوله تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا} [آل عمران:173] قال السورياني: "... زادهم أمناً واطمئناناً بوعد الله، وقالوا: فزادهم إيماناً أي: تصديقاً. وقالوا يقينا، وقالوا علماً، وقالوا تكرار الإيمان"[23] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=136&aid=14464#_ftn23) .
ويؤكد السورياني على هذا المعنى بوضوح أكثر، وتكلف أبعد، في معرض تفسيره لقوله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ} [آل عمران:90] فيقول: "سؤال: إذا كانت الزيادة متصورة في الكفر، لِمَ لا تجيز ذلك في الإيمان؟
أقول في الجواب: {ازدادوا كفرا} نكرة، ولا يجب من هنا أكثر من أنهم زادوا كفرهم، ولا يجب أنهم ازدادوا الكفر الذي كانوا عليه، كما يقول شخص: فلان ازداد ولداً، معناه: زيد له ابن آخر، ولا جرم عندما ينكر كافر حقاً يزيده كفراً مشاراً، ولا يعني ذلك: أن الكفر الذي هو عليه يزداد.
وقالوا: {ازدادوا كفرا} أي: ثبتوا على كفرهم وأصروا عليه، وقالوا: إن المراد من هذا الكفر: أنهم ازدادوا كفراناً، {وازدادوا كفرا}: أن ماتوا على الكفر"[24] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=136&aid=14464#_ftn24).
وفي مخالفة صريحة لمذهب أهل السنة والجماعة ينكر السورياني نقصان الإيمان في حق الفاسق، ويتشبث بالآية الكريمة: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ} [النور:31]، يقول السورياني: "... في هذه الآية حجة لنا على أن العبد لا يكفر بالمعصية، ولا الفاسق غير مؤمن، ولا ينقص إيمانه؛ لأن الله تعالى أمر العصاة بعد المعصية والقتل.. بالتوبة، و ناداهم مؤمنين، ويثبت من ذلك أنه –أي: العاصي والفاسق- مؤمن"[25] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=136&aid=14464#_ftn25) .
ويعتقد السورياني بعدم دخول العمل في مسمّى الإيمان، ولإثبات اعتقاده هذا يسعى لإخضاع النصوص لمعتقده، من خلال تفسير بعيد كل البعد عن ظاهر النص، ومدلول اللغة.
يقول السورياني في تفسير قوله تعالى: {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ...} [البقرة:25]: "وبشر يا محمد! الذين آمنوا وعملوا الصالحات، أي: بالإخلاص بينهم وبين الله، في كل موضع من القرآن ورد {آمنوا وعملوا الصالحات} المراد بالعمل الصالح: هو الإخلاص؛ لأن الإخلاص شرط في قبول الإيمان"[26] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=136&aid=14464#_ftn26) .
وقد تبين مما ذكرناه من نصوص في تفسير السورياني: أنه خالف جمهور أهل السنة والجماعة في مسائل الإيمان، ومن ذلك القول بأن الإيمان هو التصديق، بينما التعريف الشرعي للإيمان عند جمهور السلف هو: أنه "تصديق بالجنان، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان" .
وخالف السورياني جمهور أهل السنة والجماعة عندما قال بعدم زيادة الإيمان ونقصانه، والصحيح: أن الإيمان يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي، كما دلت على ذلك نصوص القرآن والسنة.
ومما خالف فيه السورياني أهل السنة والجماعة في باب الإيمان: القول بخروج العمل من مفهوم الإيمان، وهذا قول ظاهر الفساد؛ نظراً لورود أحاديث صحيحة دالة على دخول الأعمال في مسمى الإيمان .
المطلب الخامس: عدم تكفير المؤمن بارتكابه للمعاصي:
ويؤكد السورياني على عدم تكفير المؤمن بالمعصية في أكثر من موضع من كتابه، ومن ذلك تفسيره لقوله تعالى: {... فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ...} [البقرة:187] قال السورياني: "في هذه الآية جعل الله القاتل أخاً المقتول، كما قال: {إنما المؤمنون إخوة} [الحجرات:10] وليست معصية أكبر من قتل المؤمن عمداً، فثبت أن المؤمن لا يكفر بالمعصية"[27] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=136&aid=14464#_ftn27).

!
10-02-21, 01:14 AM
المطلب السادس : نفى خلود مرتكب الكبيرة في النار:
ويعتقد السورياني مثل أهل السنة بعدم خلود المؤمن المرتكب للكبيرة في النار، ويقول في ثنايا تفسيره لقوله تعالى: {وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة:275] "سؤال: لما قال للمرابي: {فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون}، وجب أن يكون صاحب الكبيرة مخلداً في النار؟
أقول في الجواب: {فأولئك} راجع إلى الذين قالوا: {إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا} [البقرة:275]، وهم الكفار.
وقالوا: {خالدون} هنا بمعنى: ماكثون، أي: يمكثون في النار إلى ما شاء الله، وعلى أية حال لا يبقى المسلم خالداً مؤبداً في النار"[28] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=136&aid=14464#_ftn28) .
ويقول في تفسير قوله سبحانه وتعالى: {وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ} [المؤمنون:103] "سؤال: إذا كان كل من يخف ميزان صالحاته يبقى مخلداً في النار، سيخلد أغلب المؤمنين في جهنم؛ لأن أكثر المؤمنين هم الذين أعمالهم الصالحة أقل من سيئآتهم، وإذا كان الأمر كذلك ستكون الجنة فارغة؟
أقول في الجواب: هذه صفة الكفار، ألا ترى أنه يقول لهم بعد قليل {أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ} [المؤمنون:105] وهذه صفة الكفار.
محمد بن الهيصم كان يقول: خفة العمل هي ألا يكون له أي وزن، وهذا شأن أعمال الكفار فهي محبطة هباء منثوراً، وليس لها أي وزن، أما عمل المؤمن فليس بلا رجحان"[29] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=136&aid=14464#_ftn29).

!
10-02-21, 01:16 AM
المطلب الثامن: إثبات رؤية الله في الآخرة:
والسورياني من المؤمنين برؤية الله سبحانه وتعالى في الآخرة، ويقول في تفسيره لقوله تعالى:{الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} [البقرة:3]: "... وقالوا: بالغيب معناه: بالله، وعلى هذا القول الآية حجة لنا في جواز رؤية الله؛ لأنه لو لم تكن هذه الرؤية جائزة كان لا يصح القول بأنه غائب عن أنظارنا، كما لا يصح قول القائل: لون فلان غائب عن سمعي؛ لأن إدراك اللون محال بواسطة السمع"[31] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=136&aid=14464#_ftn31) .
المطلب التاسع :الخير والشر بقضاء الله تعالى:
ويؤمن السورياني بأن الخير والشر كلاهما بقضاء الله سبحانه وتعالى، قال في تفسير قوله تعالى: { قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران:26]: "سؤال: قال الله: {بيدك الخير} ولم يقل: {بيدك الخير والشر}، فلماذا تقولون: إن الخير والشر كلاهما بقضاء الله؟
أقول في الجواب: معناه: بيدك الخير والشر، هذا مثلما قال:{سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ} [النحل:81] يعني: الحر والبرد، ولكنه ذكر الأول؛ ليدل على الثاني؛ لأن القرآن جوامع الكلم"[32] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=136&aid=14464#_ftn32).
ونقل عن الكرامية بأنهم اتفقوا على أن العقل يحسن ويقبح، ويوجد في تفسير السورياني ما يكمن اعتباره إشارة إلى تأكيد هذه المسألة.
قال السورياني في تفسير قول الله عز وجل: { إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة:169]: "... وقالوا: إن السوء هو المعاصي الشرعية، والفحشاء: هي المعاصي العقلية، التى قبحها العقل..."[33] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=136&aid=14464#_ftn33).
ومما يلفت النظر في تفسير السورياني في مسائل الاعتقاد، اهتمامه بالرد على بعض الفرق، حيث يرد على عقائدهم ويدخل معهم قي مناقشات طويلة، تتسم في كثير من المواضيع بالشدة والعنف.
أكتفي بهذا القدر من الحديث حول أبرز المسائل العقدية في تفسير السورياني؛ لأن المجال لا يتسع لأكثر من ذلك، ولعل الله يقيّض من يقوم بدراسة وافية وشاملة لعقائد الكرامية، من خلال تفسير أبي بكر عتيق بن محمد السورياني، الذي كان شيخاً من مشايخ هذه الفرقة المثيرة للجدل.
الخاتمة:
وفي النهاية أود الإشارة إلى بعض النتائج والمقترحات التي توصلت إليها من خلال البحث وهي تتلخص فيما يلي من النقاط:
- يعتبر تفسير عتيق بن محمد السورياني من أهم وأقدم تفاسير القرآن الكريم عموما، وفي اللغة الفارسية بصفة خاصة، ويستحق أن يدرس من قبل الباحثين بعناية؛ للوقوف على ما احتواها من علوم ومعارف و معلومات.
- يعدّ تفسير السورياني مصدراً خصباً ومباشراً لعقائد وآراء الفرقة الكرامية، في صورة لأحد أهم فرقها وهي الهيصمية أو المقاربة، وهو الكتاب الوحيد الموجود اليوم – على حد علم الباحث- مما تبقى من تراث هذه الطائفة، التي تعرضت كتبها للاندثار لأسباب مختلفة، ليس هذا مجال ذكرها.
- ثبت من خلال دراسة الكتاب أن بعض ما اتهم به الكرامية بمجموعهم -دون استثناء- في بعض المصادر والمراجع قديماً وحديثاً مثل: القول بالتجسيم في حق الله تعالى، أو القول بأن المنافق مؤمن، ليس دقيقاً، ويحتاج إلى إعادة النظر والدراسة من جديد.
- تأكد من خلال الدراسة صحة بعض ما نسب إلى الكرامية من عقائد، مثل: اعتقادهم في بعض تفاصيل مفهوم الإيمان خلافاً لجمهور أهل السنة والجماعة.
- ثبت أن للكرامية بعض الآراء الفقهية التي تفردوا بها عن بقية المذاهب، مثل: القول بالتفريق بين من يقتدى به وبين العامي في الإفطار أثناء السفر.
هذا وأقترح على الباحثين والمؤسسات العلمية في الوطن الإسلامي العناية بتفسير السورياني، وترجمته، أو ترجمة أجزاء منه - على الأقل- إلى اللغة العربية؛ حتى يتسنى لأهل العلم الاطلاع على كنز من كنوز التراث الإسلامي، الذي بقي مغموراً لدى غير الناطقين باللغة الفارسية، بسبب حاجز اللغة، كما أقترح إجراء دراسات علمية عن تفسير السورياني في جوانبه المختلفة.
والله من وراء القصد والهادي إلى سواء السبيل.

!
10-02-21, 01:16 AM
تفسير أبي بكر عتيق السورياني النيسابوري
"دراسة في منهج المؤلف وعقائد الفرقة الكرامية"
2-2
المبحث الثاني: منهج السورياني في التفسير:
المطلب الأول :طريقة السورياني في التفسير:
بدأ السورياني تفسيره بمقدمة استهلها بالحمد قائلا:" الحمد لله الذي باسمه تفتتح الأمور، وبنوره تنشرح الصدور، الذي أختص من شاء من عباده بتحف العطايا، واطلع من خصه على مكنون الذخاير والخبايا، وجعل التوفيق رفيق من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا، والعصمة قسمة من طلب في تفسير كتابه دليلا، والصلاة على شفيع المذنبين محمد وآله الطيبين الطاهرين.
قال الأستاذ الإمام الزاهد أبو بكر عتيق بن محمد السورياني رحمة الله عليه، ورحم على من نظر فيه وتفكر: الذي يريد قراءة تفسير كتاب الله عز وجل عليه معرفة مقدمات، هي أربعة عشر أمراً: التفسير، والتأويل، والمعنى، والتنزيل، والوحي، والكلام، والقول، والكتاب، والفرقان، والقرآن، والسورة، والآية، والكلمة والحرف، وأما التفسير..."[1] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=136&aid=14325#_ftn1) ثم يبدأ بشرح كل مصطلح من هذه المصطلحات ويبين معناه.
وعن سبب تأليف تفسيره باللغة الفارسية يقول السورياني ما ترجمته:" ... صنفنا هذا التفسير بالفارسية؛ لأنه طُلب منا ذلك، وليكون نفعه أعم، وليتمكن القراء من ترجمة القرآن بالعبارات الفارسية، ولو كنا نجعله بالعربية لكان يحتاج إلى معلم آخر؛ لتكون الترجمة مطابقة موافقة مع الأصل.
إن القصد الأعظم من تفسير القرآن هو الترجمة والعبارة الحسنة أولاً، ثم بيان المعاني وأسباب النزول وأقاويل المفسرين، وربط الآيات وحل المشكلات.
ولا يمكن التعبير عن القرآن بلفظ عربي بأحسن مما هو ظاهر نظم القرآن، فالحاجة الأهم هي الترجمة الفارسية المتناسبة مع ظاهر القرآن، وأعظم شيء في رفع قدر هذا التفسير ووضعه هو فائدة القراء والمستمعين..."[2] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=136&aid=14325#_ftn2) .
ويبين السورياني في المقدمة سبب اعتماده على تفسير عبد الله بن عباس- رضي الله عنهما – قائلا ما ترجمته: " اعلم أن للقرآن تفاسير كثيرة، أحسنها ما فسره الرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهناك روايات كثيرة عن الرسول –عليه الصلاة والسلام – في تفسيره القرآن، ولكن أشهر هذه الروايات، رواية عبد الله بن عباس- رضى الله عنهما- لأنه كان أحرص على تفسير القرآن، وقد وصفه الرسول عليه الصلاة والسلام بالعلم بتفسير القرآن ... وقال: "اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل"... ولذلك نحن اخترنا تفسيره" [3] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=136&aid=14325#_ftn3).
وبعد هذه المقدمة شرع السورياني بترجمة الاستعاذة وتفسيرها؛ ليبدأ بعد ذلك تفسير سورة الفاتحة.
يستهل السورياني تفسير كل سورة قرآنية بإيراد أحاديث حول فضائل تلك السورة، كما أنه يذكر عدد الآيات، والكلمة، الحروف[4] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=136&aid=14325#_ftn4)، ثم ينتقل إلى تفسير الآيات.
وطريقته في ذلك أنه يبدأ بترجمة معنى الآية كاملة إلى الفارسية، أو بترجمة جزء منها، ثم يقوم بتفسيرها بلغة فارسية سلسة، مستعيناً في ذلك ببعض الأحاديث، والآثار، والأقوال المروية في تفسير الآية، وقد يستشهد ببعض الأشعار العربية[5] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=136&aid=14325#_ftn5) أو الفارسية[6] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=136&aid=14325#_ftn6)؛ لتوضيح معنى أو بيان مفهوم.
وقد يقف السورياني وقفة إيجاز واختصار في تفسير الآية أو جزء منها، وقد يسهب ويطيل حسب ما يقتضي المقام.
ومن أهم ما تمتاز به طريقة السورياني في تفسير الآيات القرآنية دأبه على طرح الأسئلة والأجوبة؛ لإزالة إشكال، أو دفع اعتراض، أو رد شبهة، أو بيان مسألة تحتاج إلى تسهيل وتقريب.
وبالرغم من تنويه السورياني في مقدمة تفسيره بأهمية ما نقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من مرويات تفسيرية، ورغم إشادته بمكانة حبر الأمة ابن عباس – رضي الله عنهما- في مجال تفسير القرآن الكريم، نجد أن اهتمامه بالتفسير المأثور مقارنة مع التفسير بالرأي ضئيل إلى حد ملفت للنظر، وقد كان هذا الاهتمام أضعف وأقل فيما يخص تفسير القرآن بالقرآن وتفسير القرآن بالسنة.
وبالنسبة للأقوال المأثورة عن الصحابة والتابعين، فإن السورياني استفاد منها في تفسيره في مواضع تعتبر قليلة بالمقارنة مع حجم الكتاب وكثرة هذه الأقوال[7] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=136&aid=14325#_ftn7).
وتجدر الإشارة أن السورياني يحذف الإسناد، ويكتفي بذكر اسم الصحابي الذي يروي الحديث، كما يعزو القول إلى صاحبه، لو كان صحابياً أو تابعياً، ويضرب صفحاً عن إيراد السند.

!
10-02-21, 01:17 AM
المطلب الثاني: مباحث علوم القرآن في تفسير السورياني:
السورياني قليل الاهتمام بمباحث علوم القرآن في تفسيره، وقد كان مبحثا الناسخ والمنسوخ والقراءات أبرز ما عني به من بين بقية موضوعات علوم القرآن.
ومن أمثلة الناسخ والمنسوخ ما ذكره السورياني في تفسير قوله تعالى: { كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ}[البقرة:180] قال السورياني:" ... كان ذلك –أي: الوصية- في أول الإسلام، وهي منسوخة الآن، بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا وصية لوارث"[8] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=136&aid=14325#_ftn8). ويظهر من هذا القول إن السورياني من القائلين بجواز نسخ القرآن بالسنة.
ومما أورد في تفسير السورياني في باب الناسخ والمنسوخ، قول المؤلف في تفسير الآية الكريمة { وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا...} [البقرة:234]، قال السورياني:" هنا يقول إن عدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرة أيام، ويقول بعد قليل: {مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ}[البقرة:234] إن هذا تناقض؟!
أقول في الجواب: "تلك الآية: {مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ}[البقرة:234] منسوخة بهذه الآية، لكن تلاوتها باقية، والحكم الآن أن كل امرأة حرة يتوفى عنها زوجها عدتها أربعة أشهر وعشرة أيام..."[9] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=136&aid=14325#_ftn9) .
ويبدي السورياني عناية ملفتة بالقراءات وتوجيهها، والمؤلف وإن كان لا ينسب القراءات إلى من قرأ بها، ولا يبين كونها سبعية أو شاذة، ولا يوثقها من كتاب، إلا أنه يبين أثر القراءة على المعنى، ومن أمثلة ذلك ما قاله في تفسير قول الله تعالى: { مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا...} فقد ذكر السورياني ثلاث قراءات فيها وهي: {نُنسها}، و{تنساها} بالتاء، و{تُنسها} بالتاء بدون الألف، ثم ذكر ما يترتب على كل قراءة من فرق في المعنى[10] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=136&aid=14325#_ftn10) .
وفي قوله سبحانه وتعالى: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة:125] ذكر السورياني قراءة {واتَخذوا} بفتح التاء، وقال: لو تقرأ {واتّخَذو}ا بالفتح سيكون خبراً، أي: اتخذ العرب مقام إبراهيم مكانا للصلاة"[11] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=136&aid=14325#_ftn11) .
وفي قوله تعالى: {...إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً...} [آل عمران: 28] يشير السورياني إلى قراءة {تقية} ويقول:" وقرءوا {تَقِية} بفتح التاء وكسر القاف وتشديد الياء والمعنى لا يتغير" [12] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=136&aid=14325#_ftn12).

!
10-02-21, 01:18 AM
المطلب الثالث : مسائل اللغة في تفسير السورياني:
إن تفسير السورياني حافل بالمباحث اللغوية في مختلف مجالاتها، وإذا كان هذا يدل على براعة المؤلف وسعة اطلاعه في اللغة العربية، يدل من جانب آخر على الأهمية التى أولاها السورياني للغة ودقائقها في فهم القرآن الكريم، وبيان معانيه.
وجوه القرآن:
ومن أبرز ما يشد انتباه القارئ من مباحث لغوية في تفسير السورياني عناية المؤلف بوجوه القرآن، فقد دأب –رحمه الله- بتتبع أوجه استخدام الكلمات القرآنية في مواضع مختلفة من القرآن الكريم، ولعل هذه العناية المتميزة بوجوه القرآن هو السبب الذي جعل حبيش التفليسي يعتمد تفسير السورياني مصدراً من مصادره في تأليف كتابه المعروف "وجوه القرآن".
وفيما يلي نذكر أمثلة من تفسير السورياني تبين اهتمام المؤلف بوجوه القرآن: في تفسير قوله تعالى: { مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ}[الفاتحة:3] يقول السورياني:"... {الدين} بمعنى القضاء والحساب، والجزاء والملة، والثبات، والانقياد، و{الدين} هنا يحتمل كل هذه الوجوه"[13] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=136&aid=14325#_ftn13).
وفي تفسير قوله تعالى: { أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}[البقرة:5] قال السورياني -مبيناً معاني كملة {هدى} في القرآن الكريم: "{هدى} في القرآن على أوجه: {هدى} بمعنى الدعوة، كما قال: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ} [فصلت:17] أي: فدعوناهم، و{هدى} بمعنى البيان، وبمعنى الحجة، كما قال: { أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ} [السجدة:26]، وقد ورد {هدى} بمعنى إثبات المعرفة، مثلما قال: {وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [البقرة:272]، وقد تأتي {هدى} بمعنى القيادة، كما قال: { فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ} [الصافات:23]، وتأتي {هدى} بمعنى التثبيت على الهداية، مثلما قال: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} [الفاتحة:6]، وقد ورد {هدى} بمعنى الإسلام، كما قال: { إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ}[القصص:57]، وورد {هدى} بمعنى الهادي، كما قال: {أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى} [طه:10] أي: هادياً. و{هدى} بمعنى القرآن، مثلما قال: { هَذَا هُدًى} [الجاثية:11]، {هدى} بمعنى الكرامة، كما قال في هذا الموضع: { عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ}[البقرة:5] قال ابن عباس: على كرامة من ربهم، وقالوا: على بيان من ربهم"[14] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=136&aid=14325#_ftn14).
وفي تفسير قول الله عز وجل: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ...} [البقرة:183] يقول السورياني -مبيناً معنى الكتابة في القرآن المجيد-: "الكتابة في القرآن على ثلاثة أوجه: الكتابة بمعنى القضاء، كما قال : { كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ}[المجادلة:21] أي: قضى الله، والكتابة بمعنى كتابة الخط، كما قال: {وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ}[البقرة:282]، والكتابة بمعنى الفرض والإيجاب، مثلما قال: هنا {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} [البقرة:183] أي: فرض ووجب"[15] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=136&aid=14325#_ftn15).
النحو:
وقد كانت المباحث النحوية محل عناية واهتمام من قبل السورياني في تفسيره، فكلما يشعر المؤلف-رحمه الله- أن المقام يقتضي التعرض لدقيقة نحوية؛ لبيان معنى آية، أو رفع إشكال، أو توضيح إبهام، نجده يبادر إلى ذلك.
ومن أمثلة تناول المسائل النحوية في تفسير السورياني ما ذكره المؤلف في صورة سؤال وجواب-كعادته- في تفسير قوله تعالى: { الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}[الفاتحة:2] يقول السورياني:" سؤال: قرءوا {الحمد} برفع الدال ونصبه وخفضه، ما هي العلة في كل إعراب؟
أقول في الجواب: رفع الدال للابتداء، ومعناه: الحمد حق لله، والحمد واجب لله. نصبه للمصدر أي: أحمد الحمد لله، ويجوز أن يكون النصب على الإغراء، أي: عليكم بالحمد لله، وخفض الدال بسبب جوار الرحيم، أي: {بسم الله الرحمن الرحيمِ* الحمدِ لله رب العالمين}[الفاتحة:1،2]"[16] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=136&aid=14325#_ftn16).
وعن سبب النصب في {والصابرين} في قوله تعالى: {وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ...} [البقرة:177] يقول السورياني: "سؤال: لماذا لم يقل: {والصابرون} بالرفع؟ لأنه عطف على {والموفون بعهدهم}؟
أجابوا بأن {الصابرين} منصوب على المدح، مثلما قال الشاعر:
لا يبعدن قوم الذين هم سمّ العداوة وآفة الجزر
النازليـن بكل معترك والطيبون معاقد الأزر
(النازلين) منصوب على المدح"[17] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=136&aid=14325#_ftn17).
وفي قوله تعالى:{أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} [آل عمران:128] يتساءل السورياني عن سبب النصب في {يتوب} قائلا: "لماذا جاء {يتوب عليهم} بالنصب، بينما فعل المستقبل يكون مرفوعا؟
أقول في الجواب: أو{يتوب عليهم} معناه: حتى يتوب عليهم" [18] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=136&aid=14325#_ftn18).
وفي معرض تفسيره لقوله تعالى : { أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ} [الأحزاب:19] يوضح السورياني سبب نصب {أشحةً} فيقول: "سؤال: لماذا جاء {أشحة} بالنصب؟
أجابو بأنه منصوب على الحال، وقالوا: منصوب على القطع، وقالوا: منصوب على الذم، وقالوا: هو مفعول، أي: قد يعلمهم الله أشحةً، وترونهم أشحة عليكم" [19] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=136&aid=14325#_ftn19).
دقائق لغوية في تفسير السورياني:
وفي تفسير قوله تعالى: { قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ...} [آل عمران:183] يتساءل السورياني عن سبب مجيء {جاءكم رسل} بلفظ التذكير، بينما ورد في موضع آخر من القرآن: {إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ} [فصلت:14] بلفظ التأنيث؟ ويجيب المؤلف بنفسه عن هذا التساؤل قائلا: " أقول في الجواب: إن جاءكم خبر من مفرد الرسل، و{جاءتهم} خبر عن جماعة الرسل، وكل جمع يؤنث"[20] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=136&aid=14325#_ftn20).
وفي أثناء تفسيره لقوله تعالى: { وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ...} [المؤمنون:78] يتعرض السورياني لدقيقة لغوية مفيدة، فيقول: " لماذا جاء السمع بلفظ الوحدان، بينما ذكر {الأبصار} و{الأفئدة} بلفظ الجمع؟
أقول في الجواب: لأن {السمع} اسم على وزن المصدر، وكل اسم على وزن مصدر الفعل تساوي فيه التثنية والجمع والوحدان" [21] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=136&aid=14325#_ftn21).
ويتحدث السورياني عن الفرق بين {كسب} و{اكتسب} في قوله تعالى: { لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ } [البقرة:286] فيقول: لماذا قال للخير: {كسبت} وقال للشر: {اكتسبت}؟
الجواب: قالوا إن {كسب} و{اكتسب} واحد، لكنه ذكره بلفظين مثل: عليم وخبير. وقالوا: إن الاكتساب افتعال، وله زيادة اختصاص بالفاعل؛ لأنه يوافق هواه، بينما الخير مخالف لهواه، وهو يفعله –أي: الشر- بلا إذن، وتكليف من إلهه؛ لذلك قال للشر: {اكتسبت}...."[22] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=136&aid=14325#_ftn22).
ويبادر السورياني إلى إزالة إشكال قد يتبادر إلى الذهن بسبب مجيء {من} قبل الضمير الغائب في قوله تعالى: { وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الفتح:29] فيقول: "لماذا قال: {وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم}، بينما {من} للتبعيض... ويتوجب من ذلك أن يكون لبعض الصحابة المغفرة والأجر العظيم... كما يتوجب من ذلك أن يقال: إن بعض صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم كانوا مصلحين وليس جميعهم؛ لأنه قال: {آمنوا وعملوا الصالحات منهم}؟!
أقول في الجواب: {من} في الآية للتفسير، وليس للتبعيض، وهذا مثلما قال: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ} [الحج:30] {من} هنا للتفسير، أي: فاجتنبوا الرجس الذي هو الأوثان...." [23] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=136&aid=14325#_ftn23).

!
10-02-21, 01:19 AM
الإشكالات المعاصرة في فهم السنة النبوية (1)

1ـ اتباع الهوى.
2 ـ الجهل باللغة العربية.


الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
أمّا بعد:
فهذه ورقة عمل أشارك بها في ندوة (فهم السنة النبوية: الضوابط والإشكالات)، بإشراف وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، برعاية معالي الوزير الشيخ/ صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ، وذلك يوم الخميس 26/5/1430هـ، الموافق 21/4/2009م، بالخيمة الملكية للرجال، بفندق (مدرايم كراون)، من الساعة الرابعة والنصف عصراً، إلى الساعة العاشرة والنصف مساءاً في مدينة الرياض.
وتتركز مشاركتي في محورين من إشكالات فهم السنة النبوية، وهما:
المحور الأول: اتباع الهوى.
المحور الثاني: الجهل باللغة العربية.
قدمت لهما بمقدمة في أهمية فهم الحديث النبوي، وخطورة سوء فهم القرآن العظيم والحديث النبوي، وختمت بذكر بعض التوصيات.
سائلاً الله التوفيق والهدى والرشاد والسداد.

كتبه:
أ.د. محمد بن عمر بازمول
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى – كلية الدعوة وأصول الدِّين - قسم الكتاب والسنة
5/4/1430هـ

!
10-02-21, 01:19 AM
مقدمة:
أهمية فهم الحديث النبوي، وخطورة سوء فهم القرآن العظيم والحديث النبوي.
أولاً: أهمية فهم الحديث النبوي:

(الحديث النبوي علم الصدر الأوّل، والذي عليه مع القرآن المعوَّل، وهو لعلوم الإسلام أصل وأساس.
وهو المفسِّر للقرآن بشهادة { لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ } [النحل:44] .
وهو الذي قال الله فيه تصريحاً: { إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى } [النجم:4] .
وهو الذي وصفه الصادق الأمين بمماثلة القرآن المبين، حيث قال في التوبيخ لكل مترف إمّعة: " إني أوتيت القرآن ومثله معه " [1] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=137&aid=13994#_ftn1) .
وهو العلم الذي لم يشارك القرآن سواه، في الإجماع على كفر جاحد المعلوم من لفظه ومعناه.
وهو العلم الذي تجاثت الخصوم للرُّكب، وتفاوتت العلوم في الرُّتب.
اَصَمَّتْ مُرنان نوافله كل مناضل، واَصَمَّتْ بُرْهَانُ معارفه كل فاضل.
وهو العلم الذي ورَّثه المصطفى المختار والصحابة الأبرار، والتابعون الأخيار.
وهو العلم الفائضة بركاته على جميع أقاليم الإسلام، الباقية حسناته في أمة الرسول عليه الصلاة والسلام.
وهو العلم الذي صانه الله عن عبارات الفلاسفة، وتَقَيَّدَتْ عن سلوك مناهجه؛ فهي راسفة في الفلاء آسفة.
وهو العلم الذي جلا الإسلام به في ميدان الحجة وصَلَى، وتجَمَّل بديباج ملابسه من صام لله وصلَّى.
وهو العلم الفاضل حين تِلْجَاج الألسنة بالخطاب، الشاهد له بالفضل رجوع عمر بن الخطاب.
وهو العلم الذي تفجَّرت منه بحار العلوم الفقهية والأحكام الشرعية، وتزيَّنت بجواهره التفاسير القرآنية، والشواهد النحوية، والدقائق الوعظية.
وهو العلم الذي يميِّز الله به الخبيث من الطيب، ولا يُرغَم إلا المبتدع المترَيِّب.
وهو العلم الذي يَسلُك بصاحبه نهج السلامة، ويوصِلُه إلى دار الكرامة.
والسارب في رياض حدائقه، الشارب من حياض حقائقه: عالمٌ بالسنة، ولابسٌ من كل صوف جنة، وسالكٌ منهاج الحق إلى الجنة.
وهو العلم الذي يرجع إليه الأصولي وإن برز في علمه، والفقيه وإن برز في ذكائه وفهمه، والنحوي وإن برز في تجويد لفظه، واللغوي وإن اتسع في حفظه، والواعظ المبصر والصوفي والمفسر؛ كلهم إليه راجعون، ولرياضه منتجعون) [2] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=137&aid=13994#_ftn2) .
ومما يدل على أهمية العناية بفقه الحديث ومعانيه: أن ثمرة الإيمان -وهو العمل الصالح- لا يكون إلا بمعرفة ما جاء عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وتصديقه والعمل به.
و(من ضيع الأصول؛ حرم الوصول، والأصول اتباع ما جاء به الرسول) [3] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=137&aid=13994#_ftn3) .
قال ابن تيمية رحمه الله: (الناس لهم في طلب العلم والْدِّين طريقان مبتدعان وطريق شرعي.
فالطريق الشرعي هو: النظر بما جاء به الرسول، والاستدلال بأدلته، والعمل بموجبها؛ فلا بد من علمٍ بما جاء به وعمل به، ولا يكفي أحدهما، وهذا الطريق متضمن للأدلة العقلية، والبراهين اليقينية؛ فإن الرسول بيَّن بالبراهين العقلية ما يتوقف السمع عليه، وهذا هو الصراط المستقيم الذي أمر الله عباده أن يسألوه هدايته.
وأما الطريقان المبتدعان:
فأحدهما: طريق أهل الكلام البدعي، والرأي البدعي؛ فإن هذا فيه باطل كثير، وكثير من أهله يفرطون فيما أمر الله به، ورسوله من الأعمال؛ فيبقى هؤلاء في فساد علم، وفساد عمل، وهؤلاء منحرفون إلى اليهودية الباطلة.
والثاني: طريق أهل الرياضة والتصوف، والعبادات البدعية، وهؤلاء منحرفون إلى النصرانية الباطلة) اهـ [4] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=137&aid=13994#_ftn4) .
ولمّا كان تحصيل الحديث -ومعرفة فقهه وغريبه، والاحتياط في فهم معانيه- من المهمات بالنسبة للمحدِّث؛ إذ الإخلال بذلك يوجب اشتباه المُراد بغير المُراد [5] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=137&aid=13994#_ftn5) .. لمّا كان الأمر كذلك؛ اهتم العلماء بالتصنيف في فقه الحديث وغريبه، حتى إن الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى، قال: (بل لو ادّعى مدّعٍ أن التصانيف التي جمعت في ذلك أجمع من التصانيف التي جمعت في تمييز الرِّجال، وكذا في تمييز الصحيح من السقيم؛ لما أبعد، بل ذلك هو الواقع) اهـ [6] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=137&aid=13994#_ftn6) .
قلت: ولا يعني ذلك: أن الاهتمام بفقه الحديث وغريبه مقدَّم على التمييز بين الصحيح والسقيم فيه، إنما المقصود بيان أهمية الاعتناء والاهتمام بفقه الحديث وغريبه، وأن اهتمام العلماء بالتصنيف في ذلك يؤكد هذا، وإلا فإن الاشتغال بتمييز الصحيح من السقيم مقدَّم على الاشتغال بفقه الحديث وغريبه -وإن كان مهماً-؛ لأنه المرقاة إلى الأوّل، فمن أخلّ به؛ خلط الصحيح بالسقيم، والمعدَّل بالمجرَّح، وهو لا يشعر، وكفى بذلك عيباً للمحدِّث وخللاً للفقيه، وكيف يستقيم الظل والعود أعوج؟!
فالحق أن كلاً منهما في علم الحديث مهم، لا رجحان لأحدهما على الآخر.
ولا شك أن من جمعهما؛ حاز القدح المعلَّى، ومن أخلَّ بهما فلا حظ له في اسم المحدِّث.
ومن اهتم بفقه الحديث ومعانيه وغريبه، وأخل بالتمييز بين الصحيح والسقيم؛ كان بعيداً من اسم المحدِّث عُرفاً، فمن جمع بينهما فهو فقيه محدِّث.
فإذا انضاف إلى ذلك عنايته بجمع الحديث وكتابته وسماعه وتطريقه، وطلب العلوِّ فيه والرحلة إلى البلدان؛ فهو الفقيه المحدِّث [7] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=137&aid=13994#_ftn7) .
هذه صفة الأئمة أمثال مالك والسفيانين، والشافعي وأحمد وإسحاق عليهم من الله الرحمة والرضوان.
ومن سار على نهجهم وطريقتهم في الجملة؛ كالخطابي، وابن عبد البر، والبيهقي، والبغوي عليهم من الله الرحمة والرضوان.
ومن تبعهم؛ كابن تيمية، وابن القيم، وابن رجب، وابن سيِّد الناس، والعراقي، وابن حجر رحمهم الله.
ومَن تبعهم بإحسان على سنن السلف الصالح، أمثال محمد بن عبد الوهاب وأئمة الدعوة، وابن إبراهيم وابن سعدي وابن باز والألباني وابن عثيمين رحمهم الله وغفر لهم، وغيرهم من إخوانهم الأحياء حفظهم الله بصحة وعافية.
والمقصود: أن العناية بفقه الحديث ومعانيه من المقاصد الأساسية التي يسعى إليها طالب العلم الشرعي، في طريقه لنيل السعادة في الدّارين.
وأهمية هذا الأمر تكمن في أمور عدّة، منها:
أن الاستدلال الصحيح يتوقف على مهمتين، هما:
المهمة الأولى: صحة الدليل.
المهمة الثانية: صحة الاستدلال، ويشتمل على:
- سلامة الفهم.
- السلامة من المعارض.
- السلامة من النسخ.
والمهمة الأولى بالنسبة للحديث هي الموضوع المحوري لعلم الحديث وأصول الأثر، إذ هو قواعد يعرف منها حال الراوي والمروي، أعني من جهة معرفة الصحيح من السقيم.
والمهمة الثانية هي المقصودة بـ (علم أصول تفسير الحديث)، حيث يُهتم فيه بضبط العلوم والأصول في فقه حديث الرسول صلى الله عليه وسلم، وهي داخلة في علوم الحديث، ولكني أفردتها هنا لأهميتها [8] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=137&aid=13994#_ftn8) .
ولذلك قال الحاكم أبو عبد الله النيسابوري (ت405هـ) في كتابه (معرفة علوم الحديث): (النوع العشرون من هذا العلم -بعد معرفة ما قدمنا ذكره من صحة الحديث إتقاناً ومعرفة لا تقليداً وظناً-: معرفة فقه الحديث؛ إذ هو ثمرة هذه العلوم، وبه قوام الشريعة) اهـ [9] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=137&aid=13994#_ftn9) .
والاهتمام بفقه الحديث سنة الجلة من العلماء، ولا يستقيم طلب الحديث وتصحيحه وتضعيفه بترك التفقه في معانيه.
قال علي بن خشرم رحمه الله: (كنا في مجلس سفيان بن عيينة، فقال: يا أصحاب الحديث! تعلموا فقه الحديث؛ حتى لا يقهركم أصحاب الرأي) [10] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=137&aid=13994#_ftn10) .
قال سفيان الثوري رحمه: (تفسير الحديث خير من سماعه) [11] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=137&aid=13994#_ftn11) .
وكذا ورد عن أبي أسامة [12] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=137&aid=13994#_ftn12) مثله.
قال علي بن المديني رحمه الله: (التفقه في معاني الحديث نصف العلم، ومعرفة الرِّجال نصف العلم) [13] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=137&aid=13994#_ftn13) .
قال إسحاق بن راهويه رحمه الله: (كنت أجالس بالعراق أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، وأصحابنا، فكنا نتذاكر الحديث من طريق وطريقين وثلاثة، فيقول يحيى بن معين من بينهم: وطريق كذا! فأقول: أليس قد صحّ هذا بإجماع منا؟ فيقولون: نعم! فأقول: ما مراده؟ ما تفسيره؟ ما فقهه؟ فيبقون كلهم إلا أحمد بن حنبل) [14] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=137&aid=13994#_ftn14) .
وهذا النصُّ فيه تنبيه مهم لكل طالب حديث يشتغل بتخريج الحديث، أن يتنبه إلى أن معرفة مرتبة الحديث ليست هي خاتمة المطاف، وليست هي الغاية المقصودة، بل المقصود معرفة تفسير الحديث ومعناه ومراده؛ ليتعبد الله عز وجل به، فينال المسلم سعادة الدارين بالقيام بشرع الله تعالى.
وهذا العلم يحتاجه المسلمون؛ لتحقيق المتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم، والقيام بشرع الله عز وجل.
قال ابن تيمية رحمه الله: (يحتاج المسلمون إلى شيئين:
- معرفة ما أراد الله ورسوله بألفاظ الكتاب والسنة؛ بأن يعرفوا لغة القرآن التي نزل بها، وما قاله الصحابة والتابعون لهم بإحسان، وسائر أئمة المسلمين، في معاني تلك الألفاظ؛ وهذا أصل العلم والإيمان والسعادة والنجاة.
- ثم معرفة ما قاله الناس في هذا الباب؛ لينظر المعاني الموافقة للرسول فتقبل، والمخالفة فترد؛ فيجعل كلام الله ورسوله ومعانيهما هي الأصل، وما سواهما يرد إليها) اهـ [15] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=137&aid=13994#_ftn15) .
وهذا هو الفوز الحقيقي، والمقصد الأسمى، والكنز الكبير.
نقل عن بعض السلف قوله: (اطلبوا الكنوز تحت كلمات رسول الله صلى الله عليه وسلم) [16] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=137&aid=13994#_ftn16) .
فطَلَبُ معاني الحديث وفقهه من كنوز العلم التي يُطلب من كل أحد أن يسعى إلى تحصيلها وطلبها.

ثانياً: خطورة سوء فهم القرآن العظيم، والحديث النبوي:
اعلم أن سوء فهم القرآن العظيم والحديث الشريف؛ إحداث في الدِّين والشرع.
(بل سوء الفهم عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم أصل كل بدعة وضلالة نشأت في الإسلام، وهو أصل كل خطأ في الفروع والأصول، لا سيما إذا أضيف إليه سوء القصد، والله المستعان) [17] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=137&aid=13994#_ftn17) .
وقد قال الشافعي رحمه الله في المجتهد إذا أخطأ أنه: (يؤجر، ولكنه لا يؤجر على الخطأ؛ لأن الخطأ في الدين لم يُؤمر به أحد، وإنما يؤجر لإرادته الحق الذي أخطأه).
قال المزني رحمه الله تعليقاً على كلام الشافعي هذا: (فقد أثبت الشافعي في قوله هذا أن المجتهد المخطئ أحدث في الدِّين ما لم يُؤمر به، ولم يُكَلَّفه، وإنما أجر في نيته لا في خطئه). اهـ [18] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=137&aid=13994#_ftn18) .
قال ابن تيمية (ت728هـ) رحمه الله: (كل من خالف ما جاء به الكتاب والحكمة من الأقوال المرجوحة؛ فهي من الأقوال المبتدعة التي أحسن أحوالها أن تكون من الشرع المنسوخ، الذي رفعه الله بشرع محمد صلى الله عليه وسلم، إن كان قائله من أفضل الأمة وأجلِّها، وهو في ذلك القول مجتهد قد اتقى الله ما استطاع، وهو مثاب على اجتهاده وتقواه، مغفور له خطؤه؛ فلا يُلزم الرسول قول قاله غيره باجتهاده.. ولا يلزم ما جاء به من الشريعة شيء من الأقوال المحدثة، لا سيما إن كانت شنيعة؛ ولهذا كان الصحابة إذا تكلموا باجتهادهم ينزهون شرع الرسول صلى الله عليه وسلم من خطئهم وخطئ غيرهم). اهـ [19] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=137&aid=13994#_ftn19) .
(والإحداث في الشريعة إنما يقع من الجهات التالية:
إمّا من جهة الجهل.
وإمّا من جهة تحسين الظن بالعقل.
وإمّا من جهة اتباع الهوى في طلب الحق.
وهذا الحصر بحسب الاستقراء، من الكتاب والسنة، إلا أن الجهات الثلاث قد تنفرد وقد تجتمع، فإذا اجتمعت؛ فتارة تجتمع منها اثنتان، وتارة تجتمع الثلاث.
فأمّا من جهة الجهل؛ فتارة تتعلق بالأدوات التي بها تفهم المقاصد، وتارة تتعلق بالمقاصد.
وأمّا من جهة تحسين الظن؛ فتارة يشرك في التشريع مع الشرع، وتارة يقدّم عليها، وهذان النوعان يرجعان إلى نوع واحد.
وأمّا من جهة اتباع الهوى؛ فمن شأنه أن يغلب الفهم حتى يَقْلِب صاحبه الأدلة، ويلوي أعناق النصوص، أو يستند إلى غير دليل، وهذان النوعان يرجعان إلى نوع واحد.
فالجميع أربعة أنواع، وهي:
- الجهل بأدوات الفهم.
- والجهل بالمقاصد.
- وتحسين الظن بالعقل.
- واتباع الهوى) [20] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=137&aid=13994#_ftn20) .

!
10-02-21, 01:20 AM
تخريج حديث: " الطواف بالبيت صلاة "

خالد بن صالح بن إبراهيم الغصن

إنَّ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله، صلـى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثـيراً.
أمَّا بعد:
فقد سبق لي أنْ كتبت شيئاً في تخريج بعض الأحاديث المهمَّة، ودرستها دراسة حديثيِّة مفصَّلة، على ضوء قواعد ومناهج متقدمي علماء الحديث، الذين لهم المرجع في معرفة هذا العلم الشريف.
وقد أشار إليَّ بعض الإخوة الفضلاء بنشرها، فراودت نفسي بذلك مراراً حتى اطمأنَّتْ بإخراج ولو جزء منها؛ حتى يَعُمَّ نفعُها، ولعلَّها أيضاً تلقى استحسان المتخصِّصين بهذا الفن، أو تعقَّبهم بما يرونه من ملحوظات بنَّاءة فيرسلون بها إليَّ، فحينئذٍ أشكرهم، وأثني عليهم، ولهم مني دعوة صالحة بظهر الغيب إنْ شاء الله تعالى.
وقد وقع الاختيار في هذا الجزء على حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: (الطواف بالبيت صلاة..) الذي طالما اختلفت آراء الفقهاء في أحكامه، ومعناه، وتباينت اجتهادات المحدِّثين والنُّقاد (المتقدمين منهم والمعاصرين) في تصحيحه، أو تضعيفه.
وإنما اخترت هذا الحديث خاصة؛ لأنه حديث يهمُّ الفقيهَ والمحدِّثَ، ولمناسبته موسم الحج، ولأنه أصلٌّ -عند الفقهاء- في أكثر من مسألة فقهية، فدعاني ذلك إلى تحقيق القول فيه، ودراسته دراسة حديثيِّة موسَّعة، بالنظر في أوجه الاختلافات والطرق لهذا الحديث، ومراعاة أحوال رجال أسانيدها؛ لأنَّ الحديث ربما لا تعرف صحَّته من ضعفه حتى تجمع طرقه وأسانيده، فتعرض بعضها على بعض، وفي ذلك يقول عبد الله بن المبارك: (إذا أردتَ أنْ يصحَّ لك الحديث؛ فاضربْ بعضه ببعض)، وقال علي بن المديني: (الباب إذا لم تجتمع طرقه؛ لم يتبيِّن خطؤه)، وقال الخطيب البغدادي: (والسبيل إلى معرفة علة الحديث: أنْ يُجمع بين طرقه، ويُنظر في اختلاف رواته، ويُعتبر بمكانهم من الحفظ، ومنـزلتهم في الإتقان والضبط) [انظر الجامع للخطيب 2/212، 295، 296].
وبادئ ذي بدء سأتناول حديثنا هذا بعرضه بسنده ومتنه من جامع الترمذي، ثم سأقوم بتخريجه، ثم دراسته والحكم عليه، ثم أذكر خلاصة الحكم عليه.
والله أسأل جلا وعلا أنْ يوفقني للهدى والصواب، وأنْ يهدني للسداد والرشاد؛ إنه وليُّ ذلك سبحانه والقادر عليه.

!
10-02-21, 01:21 AM
الحديث:
قال الإمام الترمذي: حدثنا قتيبة: حدثنا جرير عن عطاء بن السائب عن طاوس عن ابن عباس رضي الله عنهما أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: " الطواف حول البيت مثلُ الصلاة، إلا أنَّكم تتكلَّمون فيه، فمن تكلَّم فيه فلا يتكلَّمنَّ إلا بخير " .
تخريج الحديث:
هذا الحديث رُوِي من وجهين اثنين: أحدهما مرفوع، والآخر موقوف.
الوجه الأول: (المرفوع):
أخرجه الترمذي (960) وأبو يعلى (2599) وابن خزيمة (2739) والحاكم (4/222) والبيهقي (5/87) من طريق جرير بن عبد الحميد، والدارمي (1847) عن الحميدي، وابن حبان (9/143 ح 3836) من طريق محمد بن المتوكل بن أبي السري، وابن الجارود (461) والطحاوي في شرح المعاني (2/ 178) والبيهقي (5/85) من طريق سعيد بن منصور، وابن الجارود (461) والطحاوي في شرح المعاني (2/178) من طريق أسد بن موسى، والحاكم (2/293) من طريق عبد الله بن أحمد بن أبي مسرة عن الحميدي، أربعتهم –الحميدي، وابن المتوكل، وسعيد، وأسد– عن الفضيل بن عياض، والدارمي (1848) من طريق علي بن معبد، وابن عدي (5/364) والبيهقي (5/87) من طريق أبي جعفر النفيلي، كلاهما –علي، وأبو جعفر– عن موسى بن أعين، والحاكم (1/630) من طريق عبد الصمد بن حسان، عن الثوري، والحاكم (1/630) وعنه البيهقي (5/87) من طريق الحميدي، عن ابن عيينة، والحاكم (2/266، 267) وعنه البيهقي في المعرفة (2957) من طريق القاسم بن أبي أيوب، ستتهم –جرير، والفضيل، وموسى، والثوري، وابن عيينة، والقاسم –عن عطاء بن السائب.
وعبد الرزاق (9788) وعنه أحمد (3 /414، و4/64، و5/ 377) عن روح بن عبادة، وعلَّقه البيهقي (5/87) عن عثمان بن عمر، وحجاج بن محمد، أربعتهم عن الحسن بن مسلم بن يناق المكي.
والطبراني (11/29) والبيهقي (5/87) من طريق معن بن عيسى، عن موسى بن أعين، عن ليث بن أبي سليم.
والطبراني (11/34) من طريق محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير، والبيهقي (5/87) تعليقاً عن الباغندي عن عبد الله بن عمر بن أبان عن ابن عيينة، كلاهما –محمد بن عبد الله، وابن عيينة– عن إبراهيم بن ميسرة.
والطبراني في الأوسط (7370) من طريق أحمد بن ثابت، عن أبي حذيفة موسى بن مسعود، عن سفيان (وهو الثوري)، عن حنظلة بن أبي سفيان، خمستهم –عطاء، والحسن، وليث، وابن ميسرة، وحنظلة– عن طاوس عن ابن عباس بنحوه، إلا أنه في رواية القاسم بن أبي أيوب، وكذا في رواية الفضيل عن عطاء، فيما رواه ابن أبي مسرة عن الحميدي عنه قالا: عن سعيد عن ابن عباس، وفي رواية حنظلة قال: عن طاوس، عن ابن عمر، وأما في رواية الحسن بن مسلم فقال: عن طاوس، عن رجل أدرك النبي صلى الله عليه وسلم، وفي رواية القاسم زيادة في أوله من قول ابن عباس " قال: قال الله لنبيِّه: { طهِّر بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود } ، فالطواف قبل الصلاة " .

!
10-02-21, 01:21 AM
الوجه الثاني: (الموقوف):
أخرجه عبد الرزاق (9791) عن جعفر بن سليمان، وابن أبي شيبة (3/134) عن محمد بن فضيل، وعلَّقه البيهقي (5/85) عن حماد بن سلمة، وشجاع بن الوليد، أربعتهم عن عطاء بن السائب.
وعبد الرزاق (9789)عن معمر، وابن أبي شيبة (3/134) عن ابن عيينة، والبيهقي (5/87) من طريق الحارث بن منصور عن الثوري، ثلاثتهم –معمر، وابن عيينة، والثوري– عن عبد الله بن طاوس.
والنسائي (2922) وفي الكبرى (2/ 406) من طريق حجاج بن محمد، وابن وهب، وأحمد (3/ 414، و4/64، و5/377) عن محمد بن بكر البرساني، ثلاثتهم عن ابن جريج، عن الحسن بن مسلم المكي.
والنسائي في الكبرى (2/406) من طريق أبي عوانة، وعبد الرزاق (9790) عن ابن جريج، والبيهقي (5/87) من طريق عمر بن أحمد بن يزيد، عن عبد الله بن عمر بن أبان، عن ابن عيينة، ثلاثتهم –أبو عوانة، وابن جريج، وابن عيينة– عن إبراهيم بن ميسرة.
والنسائي (2923) من طريق الشيباني وهو أبو إسحاق سليمان بن أبي سليمان فيروز، والشافعي في مسنده (ص127) ومن طريقه البيهقي (5/87) وفي المعرفة (4/ 68) ح 2956 عن سعيد بن سالم، كلاهما -الشيباني، وسعيد- عن حنظلة بن أبي سفيان، خمستهم –عطاء، وابن طاوس، والحسن بن مسلم، وابن ميسرة، وحنظلة -عن طاوس عن ابن عباس بنحوه، إلا أنه في رواية الحسن قال: عن طاوس عن رجل أدرك النبي صلى الله عليه وسلم. وفي رواية حنظلة قال: عن طاوس عن ابن عمر. وفي رواية جعفر بن سليمان قال: عن عطاء عن طاوس أو عكرمة أو كليهما. وفي رواية محمد بن بكر ذكره أحمد ولم يسق لفظه وإنما قال بعد روايته: (لم يرفعه محمد بن بكر).

!
10-02-21, 01:22 AM
دراسة الحديث والحكم عليه:
يتبين من خلال التخريج السابق أنَّ الحديث له أسانيد عديدة، وفيها اختلاف كثير، وهي تعود في واقع أمرها إلـى رجلين اثنين، هما: طاوس بن كيسان، وسعيد بن جبير.
أما الأول -وهو طاوس بن كيسان- فقد وقع الاختلاف عليه من جهتين اثنتين:
الأولى: من جهة تسمية صحابيِّه، والثانية: من جهة رفع الحديث ووقفه.

أما الجهة الأُولى -وهي الاختلاف في تسمية صحابيِّ الحديث-: فقد اختلف على طاوس فيه على ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: جعله عن طاوس عن ابن عمر، وقد رواه عنه حنظلة بن أبي سفيان.
الوجه الثاني: جعله عن طاوس عن رجل أدرك النبي صلى الله عليه وسلم، وقد رواه عنه الحسن بن مسلم بن ينَّاق المكي.
الوجه الثالث: جعله عن طاوس عن ابن عباس، وقد رواه عنه الجماعة من أصحابه -على اختلاف روايتهم في رفع الحديث ووقفه كما سيأتي- وهم أربعة: (ابنه عبد الله، وإبراهيم بن ميسرة، وليث بن أبي سليم، وعطاء بن السائب).
ولا شك أنَّ أرجح هذه الأوجه الثلاثة هو الوجه الثالث الذي رواه الجماعة، ويؤيِّده أنَّه هو الوجه المشهور عند أهل العلم كما سيأتي، إلا أن يقال: إنَّ الرجل المبهم في الوجه الثاني هو ابن عباس كما استظهره الحافظ في التـلخيص (1/130)، وهذا مجرد احتمال لا يمكن الجزم به؛ لأنَّنا لا نستطيع إلحاقه بأحد هذين الوجهين إلا بقرينة واضحة جليِّة، وهي غير موجودة هنا فيما يظهر.
وعلى كلٍّ؛ فقد أشار الإمام النسائي إلى تعليل رواية الحسن بن مسلم بمخالفة حنظلة بن أبي سفيان له (انظر السنن ح 2923)، ومع ذلك فرواية حنظلة معلولة برواية الجماعة من أصحاب طاوس كما سبق، والله أعلم.
وأما الجهة الثانية -وهي الاختلاف في رفع الحديث ووقفه- فبعدما تبيَّن لنا أنَّ الصواب في حديث طاوس هو ما رواه الجماعة عنه بجعله من مسند ابن عباس، نجد أنَّ الاختلاف عليه في رفع الحديث ووقفه سوف ينحصر حينئذٍ على وجهين فقط هما:
الوجه الأول: طاوس عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم (مرفوعاً)، وهذا الوجه رواه عنه كلٌّ من:
1. عطاء بن السائب فيما رواه عنه خمسة وهم: جرير، والفضيل، وموسى بن أعين في رواية علي بن معبد وأبي جعفر النفيلي عنه، والثوري في رواية عبد الصمد بن حسان عنه، وابن عيينة في رواية الحميدي عنه.
2. ليث بن أبي سليم فيما رواه معن بن عيسى عن موسى بن أعين عنه.
3. إبراهيم بن ميسرة في رواية محمد بن عبد الله بن عبيد عنه، وكذا رواية ابن عيينة فيمـا رواه الباغندي عن عبد الله بن عمر بن أبان عنه.
الوجه الثاني: طاوس عن ابن عباس (موقوفاً)، وهذا الوجه رواه عنه كلٌّ من:
1- عطاء بن السائب فيما رواه عنه محمد بن فضيل، وكذا حماد بن سلمة وشجاع بن الوليد كما علَّقه عنهما البيهقي.
2- عبد الله بن طاوس، وابن عيينة في رواية ابن أبي شيبة عنه، والثوري في رواية الحارث بن منصور عنه.
3- إبراهيم بن ميسرة فيما رواه عنه ثلاثة، وهم: أبو عوانة، وابن جريج، وابن عيينة في رواية عمر بن أحمد بن يزيد عن عبد الله بن عمر بن أبان عنه.
وهنا يتبين أنه قد تعدَّدت بعض الأوجه على من دون طاوس أيضاً من الرواة -وبعضها يُعَدُّ اختلافاً على الراوي في رفع الحديث ووقفه- وهم: (الثوري، وابن عيينة، وعبد الله بن عمر بن أبان، وإبراهيم بن ميسرة، وعطــاء بن السائب).

فالأول: (وهو سفيان الثوري) قد روي عنه وجهان:
أحدهما: عنه عن عطاء عن طاوس عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم (مرفوعاً)، وهذا الوجه رواه عنه عبد الصمد بن حسان.
والآخر: عنه عن عبد الله بن طاوس عن أبيه عن ابن عباس (موقوفاً)، وهذا الوجه رواه عنه الحارث بن منصور.
وعند التأمل في هذين الوجهين، فقد يقال بتقديم الوجه الأول؛ لكون عبد الصمد –وأقل أحوله أنه صدوق– أثبت من الحارث بن منصور، والحارث نسبه أبو نعيم إلى كثرة الوهم، وقال ابن عدي: في حديثه اضطراب، وذكره ابن حبّـان في الثقات وقال: يُغْرِب، بينما قال الحافظ في التقريب: صد وق يهم. [انظر الكامل 2/ 195 ، والتهذيب 2/ 158 ، والتقريب 1057].
وقد يقال بتقديم رواية الحارث هنا لكون روايته قد وافقت رواية الثقات من أصحاب طاوس بوقفه على ابن عباس، وهذا ما رجَّحه الحافظ في التلخيص (1/130) حيث قال: (.. والحق أنه من رواية سفيان موقوف ووهم عليه من رفعه).
والأشبه أنْ يقال: إنَّ كلا الوجهين لم يروه عن الثوري أصحابه المعروفون كـوكيع، وابن المبارك، ويحيى القطان، وابن مهدي، وأبي نعيم، وغيرهم، فأين هؤلاء من هذين الطريقين لو كانا صحيحين؟!
ثم إنَّ الحافظ ابن رجب قد ذكر عبد الصمد بن حسان من ضمن الثقات الذين لهم كتاب صحيح، وفي حفظهم بعض شيء، ونقل عن البخاري قولـه فيه: يهم من حفظه، وأصله صحيح. [شرح العلل ص328].
والثاني: وهو (سفيان بن عيينة) قد تعددت الأوجه عنه على ثلاثة:
أحدها: الحميدي عن ابن عيينة عن عطاء عن طاوس عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم (مرفوعاً).
والثاني: ابن أبي شيبة عن ابن عيينة عن عبدالله بن طاوس عن أبيه (موقوفاً).
والثالث: عبد الله بن عمر بن أبان عن ابن عيينة عن إبراهيم بن ميسرة عن طاوس عن ابن عباس (موقوفاً).
ولعلَّ هذا لا يُعَدُّ اختلافاً على سفيان، بل الظاهر صحة هذه الأوجه عنه عدا الثالث، فإنَّني متوقِّف فيه لحال الراوي عن عبد الله بن عمر وهو عمر بن أحمد بن يزيد، فإني لم أقف له على ترجمة، ولم أجد له إلا حديثاً واحداً وهو هذا الحديث.
ولو قيل بقبول الوجه الثالث أيضاً لكون ابن عيينة قد وافق فيه الثقات كأبي عوانة، وابن جريج، في روايتهم هذا الوجه عن إبراهيم بن ميسرة؛ لكان سائغاً.
والثالث: وهو (عبد الله بن عمر بن أبان)، قد اختلف عليه فيه على وجهين:
الأول: عنه عن ابن عيينة عن إبراهيم بن ميسرة عن طاوس عن ابن عباس (موقوفاً)، وهذا الوجه رواه عنه عمر بن أحمد بن يزيد.
الثاني: عنه عن ابن عيينة به (مرفوعاً)، وهذا الوجه رواه عنه الباغندي.
والوجه الثاني ضعيفٌ؛ لأنَّ الباغندي كثير التدليس والخطأ كما قال الدارقطني، وأحمد بن عبدان. [انظر تذكرة الحفاظ 2/736].
وقد ضعَّف البيهقي رواية الباغندي هذه بقوله: (رواه الباغندي مرفوعاً فلم يصنع شيئاً، فقد رواه ابن جريج وأبو عوانة عن إبراهيم بن ميسرة موقوفاً).
وأما الوجه الأول فقد سبق التوقف فيه لأجل عمر بن أحمد بن يزيد، إلا أنْ يقال بقبوله لكون ابن عيينة قد وافق الثقات في روايتهم هذا الوجه عن إبراهيم بن ميسرة كما تقدَّم.
والرابع: وهو (إبراهيم بن ميسرة)، قد اختلف عليه في رفعه ووقفه على وجهين:
الأول: عنه عن طاوس عن ابن عباس (موقوفاً)، وهذا الوجه قد رواه عنه الجماعة وهم: ابن جريج، وأبو عوانة، وابن عيينة في رواية عمر بن أحمد بن يزيد عن عبدالله بن عمر بن أبان عنه.
الثاني: عنه عن طاوس به (مرفوعاً)، وهذا الوجه تفرد به عنه محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير وهو ضعيف كما في الجرح والتعديل (7/300).
فالراجح من هذين الوجهين هو رواية الجماعة كما لا يخفى، ولذا قال الحافظ في التلخيص (1/130): (رفعه عن إبراهيم محمدُ بن عبد الله بن عبيد بن عمير وهو ضعيف).
والخامس: (وهو عطاء بن السائب)، قد اختلف عليه فيه على ثلاثة أوجه:

!
10-02-21, 01:22 AM
أوجه:
أحدها: عطاء عن طاوس عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم (مرفوعاً)، وهذا الوجه رواه عنه جرير، والفضيل، وابن عيينة، وموسى بن أعين.
الثاني: عطاء عن طاوس عن ابن عباس (موقوفاً)، وهذا الوجه رواه عنه محمد بن فضيل، وحماد بن سلمة، وشجاع بن الوليد.
الثالث: عطاء عن طاوس أو عكرمة أو كلاهما عن ابن عباس (موقوفاً)، وهذا الوجه رواه عنه جعفر بن سليمان فتفرد به.
وهنا يلاحظ أنَّ موسى بن أعين قد رُوي عنه في هذا الحديث وجهان:
أحدهما: عنه عن عطاء عن طاوس عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم (مرفوعاً)، وقد رواه عنه علي بن معبد الرقي، وأبو جعفـر النفيلي وكلاهما ثقة.
والثاني: عنه عن ليث عن طاوس عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم (مرفوعاً)، وقد رواه عنه معن بن عيسى وهو ثقة.
والوجه الأول أصحُّ؛ لأنَّ رواية الثقتين أقوى من رواية الثقة الواحد، ولأنَّ هذه الرواية هي المشهورة عند أهل العلم، والله أعلم.
ثم إنه لو قيل بصحة الوجه الثاني عن موسى أيضاً؛ فهو معلول بشيخه وهو ليث بن أبي سليم؛ لأنه ضعيفٌ كما في التقريب (ص5721).
وأما ما تقدَّم ذكره من الاختلاف على عطاء بن السائب؛ فلعلَّ أصح هذه الأوجه الثلاثة عنه هو الوجه الأول المرفوع، فإنه رواية الجماعة كما سبق، وهي المشهورة عند أهل العلم كما قال الترمذي رحمه الله: (لا نعرفه مرفوعاً إلا من حديث عطاء).
وأما رواية حماد بن سلمة، وشجاع بن الوليد؛ فإنَّ البيهقي رواه عنهما تعليقاً، ولم نقف على الإسناد إليهما، والله أعلم.
ونحن إذا صححنا رواية الجماعة عن عطاء فلا يعني أن يكون حديثه هنا صحيحاً مطلقاً؛ لأنَّ عطـاء بن السائب –وهو صدوق– قد اختلط بأخرة؛ فينبغي التفريق بين رواية من روى عنه قبل الاختلاط ومن روى عنه بعده.
وقد نصَّ الحفَّاظ على أنَّ من سمع منه قديماً كسفيان الثوري، وشعبة فسماعه صحيح، ومن سمع منه بأخرة فسماعه لا شيء. [انظر تهذيب الكمال20/86].
واستثنى بعضهم أيضاً سفيان بن عيينة، فنقل أبو داود عن الإمام أحمد أنه قال: (سماع ابن عيينة مقارب، يعني عن عطاء بن السائب، سمع بالكوفة). [انظر شرح العلل ص309].
وقال ابن الكيَّال: روى الحميدي عنه قال: (كنت سمعت من عطاء بن السائب قديماً، ثمّ قدم علينا قدمة فسمعته يحدِّث ببعض ما كنت سمعت فخلط فيه، فاتقيته واعتزلته)، ثم قال ابن الكيال: ينبغي أن يكون روايته عنه صحيحة. [الكواكب النيِّرات ص327]
وبالجملة؛ فإنَّ الصواب في حديث عطاء هو رواية من رفعه عنه، وهم: جرير، والفضيل، وموسى بن أعين، وابن عيينة، وهؤلاء رووا عنه بعد الاختلاط لا محالة؛ غير ابن عيينة، فإنه محتمل لما ذكره الإمام أحمد وابن الكيال كما سبق، والله أعلم.
وبعد هذه الدراسة الموجزة لطرق حديث طاوس يمكن تلخيص الأوجه عنه حينئذٍ كالتالي:
الوجه الأول: عطاء عن طاوس عن ابن عباس عن النبي – صلى الله عليه وسلم – مرفوعاً. وهذا الوجه رواه عنه جرير، والفضيل، وموسى بن أعين، وابن عيينة.
الوجه الثاني: عبد الله بن طاوس وإبراهيم بن ميسرة كلاهما عن طاوس عن ابن عباس موقوفاً. وهذا في الوجـــه الصحيح عن إبراهيم بن ميسرة، أما عبد الله بن طاوس فلم يُختلفْ عليه فيه كما سبق.
وعند النظر والتأمل في أصحاب طاوس هؤلاء نجدهم يختلفون في الضبط والإتقان لحديثه خاصة، فأما إبراهيم بن ميسرة فقد كان أثبت هؤلاء، وقد يدانيه عبد الله بن طاوس في الضبط لحديث أبيه، قال سفيان بن عيينة: (كان إبراهيم بن ميسرة من أصدق الناس وأوثقهم)، وقال أيضاً: (كان –أي: ابن ميسرة- يحدِّث على اللفظ).
وقال علي بن المديني: قلت لسفيان –يعني: ابن عيينة-: أين كان حفظ إبراهيم بن ميسرة عن طاوس من حفظ ابن طاوس؟ قال: لو شئت قلت لك: إني أُقدِّم إبراهيم عليه في الحفظ فعلت، وقال عثمان بن سعيد الدارمي: قلت ليحيى بن معين: إبراهيم بن ميسرة عن طاوس أحبُّ إليك أو ابن طاوس؟ قال: كلاهما، قال ابن أبي حاتم: يعني أنهما نظيران في الرواية عن طاوس. [انظر التاريخ الكبير 1/ 328 والجرح والتعديل 2/ 133].
وأما عطاء بن السائب فإنه لم يكن من المتميِّزين لحفظ حديث طاوس، الضابطين عنه كهذين الاثنين، على أنَّ رواية جرير، والفضيل، وموسى بن أعين عنه كانت في حال الاختلاط كما سبق، فلم يبقَ حينئذٍ إلا رواية ابن عيينة عنه وهي محتملة أنْ تكون قبل الاختلاط لما ذكره الإمام أحمد وابن الكيال، إلا أن عدم شهرة هذا الوجه عند الأئمة يجعل في الأمر ريبة!!
ولذا قال ابن عدي في الكامل (5/364): (لا أعلم روى هذا الحديث عن عطاء غير هؤلاء الَّذين ذكرتهم: موسى بن أعين، وفضيل، وجرير), ونقل الحافظ عن البزَّار قوله: (لا أعلم أحداً رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا ابن عباس، ولا نعلم أسند عطاء بن السائب عن طاوس غير هذا –يعني: الثوري- ، ورواه غير واحد عن عطاء موقوفاً). [التلخيص1/130].@
ومن المرجِّحات أيضاً لتقديم رواية الوقف على رواية الرفع، أنَّ عبد الله بن طاوس كان يمانياً كأبيه بخلاف ابن ميسرة، وعطاء، فإنهما كانا مكَّيِّينِ، فعلى هذا يكون الراوي أعرف برواية بلديِّه من غيره –لا سيما إ ذا كان أباه– ويكون إبراهيم بن ميسرة -وهو أوثق أصحاب طاوس هؤلاء- قد تابعه على هذا الوجه، والله أعلم.
وبالجملة؛ فإنَّ الراجح في حديث طاوس هو رواية الوقف، وقد رجَّحها جمعٌ من الأئمة كالنسائي، وابن الصلاح، والمنذري. [انظر التلخيص 1/129].

!
10-02-21, 01:23 AM
وقال البيهقي في المعرفة (ح 2956): (وروي موقوفاً، والموقوف أصح)، وقال النووي في المجموع (8/14): (روي هذا الحديث عن ابن عباس مرفوعاً بإسناد ضعيف، والصحيح أنه موقوف على ابن عباس، كذا ذكره البيهقي وغيره من الحفاظ).
وقال أيضاً في (21/ 274): (يروى موقوفاً ومرفوعاً، وأهل المعرفة بالحديث لا يصححونه إلا موقوفاً ويجعلونه من كلام ابن عباس).
وممَّن رجَّح وقفه أيضاً الحافظ ابن عبد الهادي في المحرر في الحديث (1/ 123).
وأشار الترمذي عقب الحديث إلى ترجيح وقفه كمـا هو المفهوم من سياقه حيث قال: (وقد رُوي هذا الحديث عن ابن طاوس وغيره عن طاوس عن ابن عباس موقوفاً، ولا نعرفه مرفوعاً إلا من حديث عطاء بن السائب).
وأما الثاني: وهو سعيد بن جبير، فقد جاء عنه من طريقين اثنين:
الطريق الأول: رواه الفضيل عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم مرفوعاً بنحو حديث الباب.
وقد رواه عن الفضيل أبو بكر الحميدي في رواية عبدالله بن أحمد بن أبي مسرة عنه، وهو ممَّا تفرَّد به ابن أبي مسرة عن الحميدي، والصحيح في رواية الحميدي ما رواه الدارمي –وهو ثقةٌ ثبت، إمامُ أهل زمانه– عنه عن الفضيل عن عطاء عن طاوس عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم مرفوعاً (لا ذكر لسعيد بن جبير فيه).
وابن أبي مسرة غير مشهور بالرواية عن الحميدي؛ فالدارمي أكثر منه رواية عنه، كما أنَّ هذا الوجه هو الموافق لرواية الجماعة من أصحاب الفضيل، فيُقدَّم حينئذٍ ويكون هو الوجه الصحيح عن الحميدي، والله أعلم.
الطريق الثاني: رواه القاسم بن أبي أيوب عن سعيد عن ابن عباس قال: قال الله لنبيِّه: { طهِّر بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود } فالطواف قبل الصلاة، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الطواف بمنـزلة الصلاة إلا أنَّ الله قد أحلَّ فيه المنطق، فمن نطق فلا ينطق إلا بخير " .
قال الحاكم بعد روايته: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وإنما يُعرف هذا الحديث عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير، وقال الذهبي في تلخيصه: إنما المشهور لحماد بن سلمة عن عطاء.
قلت: مُراد الذهبي هنا ما أخرجه الحاكم عقبه (2/267) من طريق حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال الله لنبيّه: { طهِّر بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود } فالطواف قبل الصلاة.
وحماد قد اختلف في سماعه من عطاء، أهو قبل الاختلاط أم بعده؟
فنصَّ بعضهم بصحة سماعه منه قبل الاختلاط كابن معين في رواية الدوري عنه، وأبي داود، وابن الجارود، والطحاوي، وحمزة الكتاني وغيرهم (التهذيب 7 / 204 والكواكب النيرات ص325).
وذهب آخرون منهم العقيلي ونقله عن يحيى القطان (الضعفاء 3/339 وانظر التهذيب أيضاً) وابن معين في رواية أخرى عنه أن جميع من روى عنه كان في حال الاختلاط إلا شعبة والثوري (الكامل 5/362) ومنهم أيضاً عبد الحق الأشبيلي ذكره عنه في الكواكب النيرات.
والأشبه الجمع بين القولين بأنَّ حماد بن سلمة قد سمع من عطاء في الحالين، ولكن لم يتميِّز هذا عن هذا، وهو لا يتنافى مع نصوص أولئك الأئمة -إنْ صحت الرواية عنهم- وإلى هذا مال الحافظ في التهذيب (7/207) وكان قد رجح في التلخيص (1/248) القول الأول.
وعلى كلٍ؛ فإنَّ حماد بن سلمة قد تفرد به عن سائر أصحاب عطاء، والله أعلم.
أمَّا الحافظ في التلخيص فإنه قال في (1/130): (صحح الحاكم إسناده، وهو كما قال، فإنهم ثقات)، ثم قال بعد ذلك: (إنها سالمة من الاضطراب إلا أني أظنَّ أنَّ فيها إدراجاً، والله أعلم).
وهذا الإدراج يعني به قوله: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم).

خلاصة الحكم على الحديث:
يتلخص مما سبق أنَّ الحديث قد جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما من طريق طاوس بن كيسان، وسعيد بن جبير.
أما طاوس بن كيسان فقد اختلف عليه فيه على أوجه، وأصحُّها رواية ابنه عبد الله بن طاوس، وإبراهيم بن ميسرة كلاهما عنه به موقوفاً، وهي التي صحَّحها الأئمة كما تقدَّم.
وأما سعيد بن جبير، فقد جاء عنه من طريقين اثنين، وفي كلا الطريقين كلام.
وتقدَّم أيضاً أنَّ من جعله من مسند عبد الله بن عمر فقد أخطأ، وخالف الجماعة الذين جعلوه من مسند ابن عباس رضي الله عنهم أجمعين.
وفي الختام: أسأل الله جلا وعلا أنْ يجعل ما كتبته في هذا البحث خالصاً لوجهه الكريم، كما أسأله سبحانه وتعالى أنْ ينفع به كلَّ من قرأه، وأعان على نشره.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلِّم.

!
10-02-21, 01:24 AM
ابن جبرين مفتاح للخير (مثال عملي) إبراهيم بن عبد الرحمن التركي الخميس 23 رجب 1430 الموافق 16 يوليو 2009 عدد القراء : 487 http://www.islammessage.com/media_bank/image/2008/5/17/1_2008517_2310.jpg

قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن لله تبارك وتعالى خزائن للخير والشر مفاتيحها الرجال فطوبى لمن كان مفتاحا للخير مغلاقا للشر وويل لمن جعله مغلاقا للخير مفتاحا للشر" حسنه الألباني.
كان سماحة الشيخ العلامة عبدالله بن جبرين رحمه الله من الرجال الذين سخرهم الله لفتح خزائن الخير, والأمثلة على ذلك كثيرة ومنها ماكان من دوره الكبير في إنشاء مشروع جوال نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم.
وذلك للدفاع عن نبينا صلى الله عليه وسلم ونشر سنته كرد عملي على جريمة الصحف الدنمركية.
سماحة الشيخ عبدالله بن جبرين رحمه الله كان الرجل الذي فتح هذه الخزينة من الخير لتثمر حتى الآن 15 مليون رسالة من معين السنة النبوية لعشرات الآلاف من المسلمين.
فقد كتب الشيخ رحمه الله يؤيد ويشيد بمشروع مؤسسة أصداء الدعوة في الدفاع عن نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم مما أسهم في رعاية شركة الاتصالات السعودية للمشروع وتنفيذ حملة إعلانية كبيرة عن جوال نبي الرحمة في الصحف والقنوات.
فكان من حقه علينا أن يعرف الناس أثره في هذا المعين من الخير والدور الكبير في الدفاع عن نبينا ونشر سنته, فيذكر ويشكر ويدعى له بالرحمة وعلو المنزلة في الجنة ومرافقة نبينا صلى الله عليه وسلم.

!
10-02-21, 01:26 AM
معالم الحكمة في سبيل الدعوة معالم الحكمة في أساليب الدعوة صالح بن حميد السبت 06 ربيع الأول 1431 الموافق 20 فبراير 2010 عدد القراء : 9 http://www.islammessage.com/media_bank/image/2009/7/7/1_200977_6780.jpg


يقصد بالأساليب هنا: ما يتعاطاه رجل الدعوة، من طرق وصيغ يتوصل من خلالها إلى إبلاغ الحق إلى الناس، وتبصيرهم بما ينفعهم ودفع ما يضرهم .
وهذه الأساليب في جملتها قولية كلامية، أو تعامل مباشر مع المدعوين في ترفق ولين، وغض عن الهفوات، وسلوك نهجي الترغيب والترهيب، والشدة واللين .
وهذا شيء من بسط لهذه الأساليب:
المعلم الأول: القول الحسن:
إذا أحكم صاحب الدعوة قوله وسدد لفظه؛ فقد أوتي من الحكمة بابا عظيما، يقول الله عز وجل: { وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا } [ البقرة : 83] .
ويقول طلحة بن عمر: قلت لعطاء: إنك رجل يجتمع عندك ناس ذوو أهواء مختلفة، وأنا رجل في حدة؛ فأقول لهم بعض القول الغليظ؟ فقال: لا تفعل؛ يقول الله تعالى : {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} [البقرة:83]. يقول عطاء: فدخل في هذه الآية اليهود والنصارى فكيف بالحنيفي!
وأورد القرطبي في تفسيره على هذه الآية حديثا عن عائشة - رضي الله عنها - عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "يا عائشة! لا تكوني فحاشة؛ فإن الفحش لو كان رجلاً لكان رجل سوء "[1] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=126&aid=14572#_ftn1).
ويعلق القرطبي -رحمه الله- فيقول: (وهذا حض على مكارم الأخلاق؛ فينبغي للإنسان أن يكون قوله للناس ليناً، ووجهه منبسطا طلقاً مع البر والفاجر، والقريب والغريب، من غير مداهنة، ومن غير أن يتكلم معه بكلام يظن أنه يرضي مذهبه... إلخ)[2] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=126&aid=14572#_ftn2).
والقول يكون حسنا وحكمة بقدر ما يعتني بأصول الكلام، ويبتعد عن فضوله، يتحرك بنبضات القلب الحي، وهواجس النفس الصادقة .
ويحسن الكلام حين يكون قصداً عدلاً، ليس بالإيجاز المخل ولا الطويل الممل، وقد كانت خطبه عليه الصلاة والسلام قصداً، كما في الحديث الصحيح عند مسلم من رواية جابر بن سمرة رضي الله عنه.
وتأملوا في هذا الحوار الهادئ، والقول الحسن في الجدال الحسن: « فهذا حصين الخزاعي والد عمران، كانت قريش تعظمه وتجله، فطلبت منه أن يكلم محمداً صلى الله عليه وسلم في آلهتها؛ فقد كان محمد يذكرها ويسبها . فجاء حصين ومعه قريش حتى جلسوا قريباً من باب النبي صلى الله عليه وسلم، ودخل حصين، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أوسعوا للشيخ"، فقال حصين: ما هذا الذي بلغنا عنك؟ أنك تشتم آلهتنا. فقال: "يا حصين! كم تعبد من آله؟" قال سبعاً في الأرض، وواحداً في السماء. فقال: "فإذا أصابك الضر فمن تدعو؟" قال: الذي في السماء. قال: "فإذا هلك المال من تدعو؟" قال: الذي في السماء. قال: "يستجيب لك وحده وتشرك معه؟" يا حصين! أسلم تسلم". فأسلم، فقام إليه ولده عمران فقبل رأسه ويديه ورجليه.
فلما أراد حصين الخروج قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "شيعوه إلى منزله"[3] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=126&aid=14572#_ftn3).
عجباً! دخل كافراً ناقماً منتقماً، فخرج مسلماً صادقاً، ليت شعري كيف كان حال قريش مع صاحبها ووجيهها!!
ويدخل في ذلك: القول اللين، الذي يستثير النوازع البشرية ووشائج القربى، وعبارات الحنو والشفقة، فإبراهيم عليه السلام ينادي أباه بكلمات شفوقة، { يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا }{ يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا }{ يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا }{ قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا }{ قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا } [مريم: 42 – 47].
وكل نبي يقول لقومه: يا قوم! تذكيرا بأواصر القربى ومواطن الحب والشفقة .
ومحمد صلى الله عليه وسلم يقول لقومه في كلمة رقيقة في دعوة رفيقة: "إن الرائد لا يكذب أهله، والله لو كذبت الناس جميعاً ما كذبتكم، ولو غششت الناس جميعاً ما غششتكم" .

!
10-02-21, 01:26 AM
المعلم الثاني : التصريح والتعريض:
ومن القول الحسن الجنوح إلى التعريض والتلميح دون التصريح؛ فالتصريح يهتك حجاب الهيبة، ويورث الجرأة على الهجوم، والتبجح بالمخالفة، ويهيج على الإصرار والعناد .
أما التعريض فيستميل النفوس الفاضلة، والأذهان الذكية، والبصائر اللماحة .
قيل لإبراهيم بن أدهم: الرجل يرى من الرجل الشيء أو يبلغه عنه أيقوله له؟ قال: هذا تبكيت، ولكن تعرض .
وكل ذلك من أجل رفع الحرج عن النفوس، واستثارة داعي الخير فيها، كيف والتعريض سنة محفوظة عن النبي صلى الله عليه وسلم في مخاطبة أصحابه: " ما بال أقوام يفعلون كذا ويقولون كذا" .

!
10-02-21, 01:26 AM
المعلم الثالث: النصيحة لا الفضيحة :
أردت تخصيص النصيحة بالذكر هنا، وإن كانت داخلة في كل ما سبق، بل النصيحة مقصود أعظم في الدعوة . إن لم تكن هي الدعوة كلها .
ولكن المراد هنا الإشارة إلى آداب النصيحة، كمظهر من مظاهر الحكمة في الدعوة، وبخاصة إذا ما حاولنا البعد بالنصيحة عن أن تكون تشهيراً وفضيحة.
يوضح ذلك في ما رمناه الحافظ ابن القيم - رحمه الله - حين يقول: (والنصيحة إحسان إلى من تنصحه بصورة الرحمة والشفقة عليه، والغيرة له وعليه، فهو إحسان محض يصدر عن رحمة ورقة، مراد الناصح بها وجه الله ورضاه، والإحسان إلى خلقه . . . ) .
فهي دعوة إصلاح يجب أن يتمخض فيها الإخلاص لله، مع المحافظة على مشاعر المنصوح، على نحو ما سبق في المعالم السابقة؛ لئلا ينقلب النصح مخاصمة وجدالاً، وشراً ونزاعاً .
يؤكد جانب الدقة في هذا الأمر أن ذكر الإنسان بما يذكره هو على أصل التحريم . وقد قيل لبعض السلف: (أتحب أن يخبرك أحد بعيوبك؟ فقال: إن كان يريد أن يوبخني فلا) .
ولا يكاد يفرق بين النصيحة والتعيير إلا النية والباعث والحرص على الستر، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم السيد أن يثرب أمته – أي: يلومها على ذنبها - فقال عليه الصلاة والسلام: "إذا زنت الأمة فتبين زناها فليجلدها ولا يثرب ..." الحديث[4] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=126&aid=14572#_ftn4) .
يقول الفضيل : ( المؤمن يستر وينصح ، والفاجر يهتك ويعير ) وكانوا يقولون : ( من أمر أخاه على رءوس الملأ فقد عيره ) .
ذلك أن الناصح الصادق ليس له غرض في إشاعة عيوب من ينصح له ، وإنما غرضه إزالة المفسدة ، وإخراج أخيه من غوائلها .
وشتان بين من قصده النصيحة ، ومن قصده الفضيحة ، ولا تلتبس إحداهما بالأخرى، وكما قالت أم الدرداء : ( من وعظ أخاه سرا فقد زانه ، ومن وعظه علانية فقد شانه ) .

!
10-02-21, 01:27 AM
المعلم الربع: أدب التعامل:
كان الكلام فيما سبق تنبيهاً على مواطن الحكمة في القول والمخاطبة، وحسن المجادلة.
وفي هذه الفقرات إشارات إلى بعض ما ينبغي من أدب التعامل مع المدعوين، وبخاصة حينما يرى عليهم ما يستحق التنبيه، ويستوجب الملاحظة والتغيير .
وسوف ينتظم هذا الحديث صوراً من اللين في التعامل، ثم المداراة وإقالة العثرات، ومواطن الترغيب والترهيب .
صورة من اللين في التعامل:
النفوس مجبولة على حب من يحسن إليها ويتلقاها باللين، ويبسط لها في المحيا .
والشدة قد تدفع إلى المكابرة والنفور والإصرار، فتأخذ النفس العزة بالإثم؛ فالتعامل المؤثر ما كان دمثاً يفتح القلوب، ويشرح الصدور، فمحمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه والمؤمنون رحماء بينهم .
يروي معاوية بن الحكم السلمي - رضي الله عنه - قال: " صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فعطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم؛ فقلت: واثكل أماه! ما شأنكم تنظرون؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فعرفت أنهم يصمتونني؛ فلما رأيتهم يسكتونني لكني سكت، قال : فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم -بأبي وأمي- ما ضربني ولا سبني".
وفي رواية : "فما رأيت معلماً قط أرفق من رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ قال: "إن هذه الصلاة لا يحل فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن" .
وفي مدلولها قصة الأعرابي الذي بال في طائفة المسجد؛ فقام الصحابة لينهروه؛ فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فلما فرغ دعاه عليه الصلاة والسلام قائلاً له: "إن المساجد لا تصلح لهذا إنما هي لذكر الله والصلاة ".
فولى الأعرابي وهو يقول: اللهم ارحمني ومحمداً، ولا ترحم معنا أحداً. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم -وهو يضحك-: " لقد حجرت واسعاً" .
قال الحافظ -معلقاً على أمثال هذه الوقائع-: (والمراد من قرب إسلامه وترك التشديد عليه في الابتداء، وكذلك الزجر عن المعاصي، ينبغي أن يكون بتلطف ليقبل، وكذا تعليم العلم ينبغي أن يكون بالتدريج؛ لأن الشيء إذا كان في ابتدائه سهلاً حبب إلى من يدخل فيه وتلقاه بانبساط، وكانت عاقبته غالباً الازدياد، بخلاف ضده، والله أعلم) .
وفي هذا يقول الإمام أحمد: ( كان أصحاب ابن مسعود إذا مروا بقوم يرون منهم ما يكرهون يقولون: مهلاً رحمكم الله ) .
ودعي الحسن البصري - رحمه الله - إلى عرس فجيء بجام من فضة –أي: قدح أو إناء- عليه خبيص أو طعام –والخبيص: طعام من التمر والسمن- فتناوله فقلبه على رغيف؛ فأصاب منه، فقال رجل: هذا نهي في سكون .
ويروى أن الخليفة المأمون وعظه واعظ فأغلظ له في القول؛ فقال: يا رجل! ارفق؛ فقد بعث الله من هو خير منك إلى من هو شر مني؛ وأمره بالرفق. فقال تعالى: {اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى }{ فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى } [طه:43-44].

!
10-02-21, 01:28 AM
المعلم الخامس: المداراة:
المداراة صورة من صور التعامل الدال على الحكمة، والموصل إلى المقصود مع حفظ ما للداعي والمدعو من كرامة ومروءة .
وقد بوب الإمام البخاري - رحمه الله - في صحيحه فقال: (المداراة مع الناس -ثم أورد حديث عائشة رضي الله عنها- أنه "استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم رجل فقال: "ائذنوا له فبئس ابن العشيرة، أو بئس أخو العشيرة" . فلما دخل ألان له الكلام. تقول عائشة: فقلت: يا رسول الله! قلت ما قلت ثم ألنت له القول؟ فقال: "أي عائشة! إن شر الناس منزلة عند الله من تركه أو ودعه الناس اتقاء فحشه" .
قال ابن بطال: (المداراة من أخلاق المؤمنين، وهي خفض الجناح للناس، ولين الكلام وترك الإغلاظ، وذلك من أقوى أسباب الألفة، -قال-: وظن بعضهم أن المداراة هي المداهنة فغلط؛ لأن المداراة مندوب إليها، والمداهنة محرمة، والفرق: أن المداهنة من الدهان: وهو الذي يظهر على الشيء ويستر باطنه، وفسرها العلماء بأنها معاشرة الفاسق، وإظهار الرضى بما هو فيه من غير إنكار عليه .
والمداراة: هي الرفق بالجاهل في التعليم، وبالفاسق في النهي عن فعله، وترك الإغلاظ عليه؛ حيث لا يظهر ما هو فيه، والإنكار عليه بلطف القول والفعل، ولا سيما إذا احتيج إلى تألفه ونحو ذلك) ا.هـ
إذا تقرر هذا المعنى فهو الذي قد عناه الحسن البصري - رحمه الله - بقوله: (كانوا يقولون: المداراة نصف العقل، وأنا أقول هي كل العقل) .
ومن الطريف قول أبي يوسف - رحمه الله - في تعداد من تجب مداراتهم فعد منهم: (القاضي المتأول، والمريض، والمرأة، والعالم ليقتبس من علمه. وأكثر ما تجري المداراة في اتقاء الأشرار والمكاره) .
وقد جاء في حكم لقمان: (يا بني! كذب من قال: إن الشر بالشر يطفأ؛ فإن كان صادقا فليوقد نارين، ولينظر هل تطفئ إحداهما الأخرى، وإنما يطفئ الخير الشر كما يطفئ الماء النار) .
وسلوك المداراة مأذون فيه؛ لأن الإنسان خلق للاجتماع لا للعزلة، وللتعارف لا للتناكر، وللتعاون لا للانفرادية.
والإنسان تعرض له عوارض نفسية وطبيعية من الحب والبغض، والرضى والغضب، والاستحسان والاستهجان، فلو سار على أن يكاشف الناس بكل ما يعرض له من هذه الشئون في كل وقت وعلى أي حال لاختل الاجتماع، ولم يثبت التعارف، ولانقبضت الأيدي عن التعاون، فكان من حكمة الله في خلقه أن هيأ الإنسان لأدب يتحامى به عما يحدث تقاطعا، أو يدعو إلى تخاذل، وهذه هي المداراة التي نعني .
إذن فالمداراة ترجع إلى حسن اللقاء، ولين الكلام، وتجنب ما يشعر ببغض أو غضب أو استنكار، إلا في أحوال يكون الإشعار به خيرا من الكتمان وأرجح وأصلح .
ومن لطيف المنقول في سير المتقدمين المقتدى بهم، ما جاء في وصية سحنون لابنه محمد: (. . . وسلم على عدوك وداره؛ فإن رأس الإيمان بالله مداراة الناس) ويقول محمد بن أبي الفضل الهاشمي: (قلت لأبي: لم تجلس إلى فلان وقد عرفت عداوته؟ قال: أخبي نارا وأقدح وداً) .
فالنفوس المطبوعة على المداراة نفوس أدركت أن الناس خلقوا ليكونوا في الائتلاف كجسد واحد، وشأن الأعضاء السليمة أن تكون ملتئمة متماسكة، على قدر ما فيها من حياة، ولا يقطع العضو المركب في الجسد، إلا أن يصاب بعلة يعجز الطب عن علاجه إلا بالبتر .
فالمداراة يقصد بها: جمع الناس على الرضا والتآلف في حدود ما ينبغي أن يكون . وهي لا تمنع قضاء بالعدل، ولا تحجب نصيحة بالرفق، وينبغي أن يعلم أن لذكاء الرجل وحكمته مدخلاً عريضاً في فقه المداراة، وحسن استخدامها وطريقة الإفادة منها .
وقد يكون للتنوع في طبقات الناس تنوع في مداراتهم؛ فمداراة المنحرف عن الحق لسوء فهم أو خطأ في ظن، أكبر من مداراة من يحارب الحق والفضيلة، إن صادفك واقتضى الحال مداراته .
ومداراة من يرجى رشده وصلاحه أكبر من مداراة من شب متمادياً في الانحراف ولؤم الطبع؛ حتى يوشك أن ينقطع أملك في إصلاحه واستقامة أمره .
ومن كل ذلك تعرف أن المداراة مسلك كريم، يتقنه الحكماء والأذكياء، ولا يتعدى حدوده الفضلاء .
إذا رغبت في كلمة عن المداهنة لتميزها عن المداراة فلتعلم أن المداهنة: إظهار الرضا عن الغلط، من الظلم والفسق، ومن قول باطل أو عمل ممنوع، والمداهنة مسلك ذميم، ينطوي تحت جناحيه الكذب، وخلف الوعد .
أما الكذب فلأن المداهن يصف الرجل بغير ما يعرفه عنه، ومن دخل الكذب من باب، سهل عليه أن يأتيه من أبواب متفرقة.
وأما إخلاف الوعد؛ فلأن المداهن يقصد إلى إرضاء صاحبه في الحال؛ فلا يبالي أن يعده بشيء وهو عازم على أن لا يصدق في وعده .
المداهنون يجعلون ألسنتهم طوع بغية الوجيه، ويعجلون إلى قول ما يشتهي إن يقولوه.
قال الماوردي - رحمه الله - : (إن الإنسان وإن كان مأموراً بتآلف الأعداء، ومندوباً إلى مقاربتهم، فإنه لا ينبغي أن يكون لهم راكناً، وبهم واثقاً، بل يكون منهم على حذر، ومن مكرهم على تحرز؛ فإن العداوة إذا استحكمت في الطباع صارت طبعاً لا يستحيل، وجبلة لا تزول، وإنما يستكفى بالتألف إظهارها، ويستدفع به أضرارها، كالنار يستدفع بالماء إحراقها، ويستفاد به إنضاجها، وإن كانت محرقة بطبع لا يزول، وجوهر لا يتغير، وقد قال الشاعر:
وإذا عجزت عن العدو فداره ... وامزح له إن المزاح وفاق
فالنار بالماء الذي هو ضدها ... تعطي النضاج وطبعها الإحراق
ومن كل ما تقدم يتبين واجب المصلحين من الدعاة والعلماء والمربين في هذا الباب . فواجب العناية بمحاربة المداهنة؛ حتى تنفى من الأرض، وتكون الأوطان ودور التربية منابت نشء يميزون المداهنة من المداراة؛ فيخاطبون الناس في رقة وأدب وشجاعة، ويحترمون من لا يلوث أسماعهم بالملق الكاذب، ولا يكتمهم الحقائق متى اتسع المقام لحديث المصارحة .

!
10-02-21, 01:28 AM
المعلم السادس: إقالة العثرات والغض عن الأخطاء:
وأسلوب المداراة المتقرر في الفقرة السابقة يقود إلى غض الطرف عن أخطاء المقصرين، ما دام طريقاً لاستصلاحهم، وإقالة عثرات العاثرين؛ إذا كانوا كراماً ذوي هيئات، أو كان ذلك سبيلاً إلى دفنها وتقليلها .
وإن شئتم برهاناً قريباً؛ فاستذكروا قصة حاطب بن أبي بلتعة، تلك الواقعة الصحيحة، فهي صورة حية من صور الضعف البشري، في لحظة من لحظات الزمن، مع أنه الصحابي البدري، ولكبر الزلة قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: (دعني أضرب عنق هذا المنافق)، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم حين سأل حاطباً وأجابه، قال عليه الصلاة والسلام : "لقد صدق ولا تقولوا إلا خيرا، أما علمت يا عمر! أن الله قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" .
إن إقالة العثرة ليست إقراراً للباطل، ولكنها إنقاذ للواقع فيه .
حكي أن أخوين من السلف انقلب أحدهما عن الاستقامة فقيل لأخيه: (ألا تقطعه وتهجره؟ فقال: أحوج ما كان إلي في هذا الوقت لما وقع في عثرته أن آخذ بيده وأتلطف له في المعاتبة، وأدعو له بالعودة إلى ما كان عليه) .
حق لمن غلط أو ذل أن يسمع كلمة حانية، وأن يستضيء بشمعة أمل؛ من أجل أن يرجع إلى الجادة، ويسير مع الأخيار من الصحاب .
يمر أبو الدرداء - رضي الله عنه - على رجل قد أصاب ذنبا، والناس يسبونه؛ فأنكر عليهم صنيعهم، فقال لهم: (أرأيتم لو وجدتموه في قليب، ألم تكونوا مستخرجيه؟ قالوا: بلى، قال: فلا تسبوا أخاكم، واحمدوا الله الذي عافاكم، قالوا: أفلا تبغضه؟ قال: إنما أبغض عمله فإذا تركه فهو أخي .

!
10-02-21, 01:28 AM
المعلم السابع: الترغيب والترهيب ومواقف الشدة:
كل ما تقدم من التأكيد على مسالك اللين والرفق والمداراة، والغض عن الهفوات، وإقالة العثرات، ليس معارضاً لما هو معروف ومتقرر في مسالك الشرع، من ضرورة سير الدعاة والمربين بين حالي الرغبة والرهبة، والرخاء والشدة، لكن المقدم في التعامل هو الترغيب والرفق، كما قال الإمام أحمد: ( والناس يحتاجون إلى مداراة ورفق بلا غلظة، إلا رجلاً مبايناً معلناً بالفسق والردى؛ فيجب نهيه؛ لأنه يقال: ليس لفاسق حرمة، فالمعلن المصر لا حرمة له) .
وطريق أنبياء الله - عليهم السلام - المذكورين في القرآن مسلوك فيه النجدين : { إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ } إلى قوله : { وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى } [نوح: 1-4].
وقال عن محمد صلى الله عليه وسلم : { فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ }{ يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ }{ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ } [ التغابن: 8 – 10] .
ترغيب فيما وعد الله من حسن الجزاء في الدنيا، وحسن العافية في الآخرة، { وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ } [الصف: 13] .
وترهيب من وعيد الله وغيرته على حرماته، والخوف من أليم عقابه عاجلاً وآجلاً ، {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} [ هود: 102] .

!
10-02-21, 01:29 AM
الداعية الصامت الداعية الصامت فيصل حسن الحفاشي الاثنين 24 صفر 1431 الموافق 08 فبراير 2010 عدد القراء : 117 http://www.islammessage.com/media_bank/image/2008/6/22/1_2008622_2737.jpg

الداعية الصامت
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران:102].
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء:1].
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب:71،70].
أما بعد:
فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
حديثنا في هذه الأسطر -بعون الله- عن ذلكم الذي إن رئي ذكر الله تعالى، عن ذلكم الذي ما يفتر عن الدعوة إلى الله تعالى في سوقه ومتجره، وبيته ومدرسته، ومسجده وجامعته، وذهابه وإيابه، لا بلسانه وكلامه، وإنما بسلوكه وفعاله.
حديثنا عن ذلكم الداعية الذي تذرف العيون لمجرد رؤيته، قبل منطقه وحديثه، وإنما تذرف المدامع لأنه ذكَرها بباريها، وهي الآن ما أدَت ما ينبغي لها تأديته تجاه ربها سبحانه.
حديثنا عن ذلكم الذي يسلم اليهود والنصارى على يديه، دون أن ينطق لهم ببنت شفة في أمر الدين.
حديثنا عن ذلك الذي إن بعت منه أو اشتريت، أو استأجرته أو استأجرك، أو عاملته أو عاملك، فألق له مقاليد أمرك، وأغمض عند معاملته عينيك؛ فإنك ستوفى حقك كاملاً، إن لم يزد لك فضلاً وكرماً.
فإن قلت: حديثك في أناس ليسوا من أهل هذا الزمان، ولا نرى لهم نظيراً إلا في كتاب أو تحت تراب.
فيقال: قد أخبر الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم أن طائفة من أمته لا تزال على الحق قائمة بأمر الله، حتى يأتي أمر الله بالفناء، وتبدأ حياة جديدة، لا عمل فيها، وإنما آثار الأعمال والأقوال، تكون بارزة لأصحابها، فهذا الطائفة التي لا يضرها خذلان مخذل، ولا إرجاف مرجف، ولا خلاف مخالف، بشَر بها عليه الصلاة والسلام بقوله: " لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم أَو خالفهم؛ حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس"[1] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=126&aid=14366#_ftn1).
فهذه بشارة ممن لا ينطق عن الهوى، ببقاء طائفة تقوم بأمر الله، و(أمر) نكرة في سياق النفي تفيد العموم، علاوة على أن (أمر) اسم جنس مضاف يفيد العموم أيضاً[2] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=126&aid=14366#_ftn2)، فهو عموم تلو عموم، يؤكدان أنهم قائمون بجميع أمور الدين ظاهراً وباطناً.
وهذه الطائفة باقية في ظهورها بأمر الله على مر الأزمان؛ فـ(لا تزال) جملة فعلية تفيد التجدد والحدوث[3] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=126&aid=14366#_ftn3)، يعنى: كلما فنيت طائفة من هؤلاء تجددت أخرى مكانها، متلفعة شرع الله ظاهراً وباطناً.
فهلم أخي لنمتع أبصارنا بالنظر لرياض الدعاة الصامتين، ليسري أريجها في كياننا؛ فنفوح دعوة وصلاحاً وسداداً في أقوالنا وأفعالنا.
نعوت الداعية الصامت:

!
10-02-21, 01:30 AM
1. البصيرة في الدين:
إن الداعية إلى الله سبحانه بدون بصيرة كحاطب ليل، وقد يفسد أكثر مما يصلح؛ لذلك كانت الدعوة إلى الله على بصيرة هي شعار محمد بن عبد الله -عليه الصلاة السلام- ومن سار على دربه، يقول الله سبحانه: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي} [يوسف:108].
إن الداعية إلى الله سبحانه على غير بصيرة كمن يريد أن يقيم ظلاً أعوجَ لأصل معوج، أو يحرث في صخر أو يكتب في بحر؛ لأنه لا يدري بماذا يدعو، ولا من يدعو، ولا إلى ما يدعو، وقد ينفع الله سبحانه بطائفة من هؤلاء الدعاة إن أخلصوا، واقتصروا على ما علموا.
إن الداعية إلى سبحانه المتلفع بجلباب العلم النافع، هو الذي يترك أثراً لا تمحوه الأيام، يترك آثاراً بارزة للعيان في نفوس مخالطيه ومعاشريه؛ لأنهم يرون الإسلام متمثلاً في صورة بشر، يخالطهم و يؤاكلهم و يشاربهم!
وهذه هي صفة الداعية الأول عليه الصلاة والسلام، فقد كان قرآناً يمشي على وجه الأرض، كما قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: " كان خلقه القرآن" [4] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=126&aid=14366#_ftn4) .
فالداعية صاحب البصيرة يستفيد الناس من معاشرته، وإن لم يقصد إفادتهم، فما يصدر عنه من تصرف ذا بال إلا وفي قرارة نفوسهم أنه لم يفعل ذلك إلا لشرع أمره أو نهاه، بخلاف الداعية الجاهل؛ فالناس يعرفون المدى الذي يصل إليه، وأنه لا يسبر أفعاله بمسبار الشرع.
ولا نعني بـ(البصيرة في الدين) أن يبلغ مرتبة الشافعي مثلاً، وإنما القدر الذي يعرف به ما يسوغ له فعله وما لا يسوغ من أمور حياته.

!
10-02-21, 01:30 AM
2. الزهد فيما أيدي الناس:
إن الزهد فيما في أيدي الخلق، وعدم التطلع له من أعظم ما يؤثر في المدعوين؛ فهم يوقنون أن هذا الداعية لا يبغ الدنيا وزخارفها، فهي أحقر وأهون عنده من أن يبذل الدين - بتصنعه إياه- لنيل لعاعة منها؛ فحينها ينصب عليه القبول من الخلق، وقبلهم من الخالق سبحانه، فيؤثر في المدعوين تأثيراً لا يبلغه من أشحب صوته أمراً ونهياً، أو قضى يومه نصحاً وزجراً، إلا أن يشاء الله.
وهذا الخلق السامق قد أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم في وصيته الجامعة لأحد أصحابه بقوله: "ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس"[5] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=126&aid=14366#_ftn5) .
قال المناوي -رحمه الله- في شرح هذا الحديث: " (وازهد فيما عند الناس) منها (يحبك الناس)؛ لأنّ طباعهم جبلت على حب الدنيا، ومن نازع إنساناً في محبوبه قلاه، ومن تركه له أحبه واصطفاه" [6] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=126&aid=14366#_ftn6).
وهذا كلام في غاية الروعة؛ فإن الناس قد عشقوا الدنيا إلا من رحم الله، ومن رحمهم الله ليسوا محلاً لدعوة الداعية إلا نادراً، وإنما المقصودون بها أصالة هم أولئك الذين خالطت الدنيا شغاف قلوبهم، وامتزجت بدمائهم، وتعلقت بها أفراحهم وأتراحهم، وولاؤهم وبراؤهم.
فالحاصل: أن التطلع إلى ما في أيدي الخلق ينفرهم عادة من المتطلع، بغض النظر عن ما يحمل بين أروقته من مفاهيم وأفكار؛ فالداعية المتميز ينأى بنفسه عن ذلك.

!
10-02-21, 01:31 AM
3. التحلي بمحاسن الأخلاق:
الداعية بلا خلق كالشجر بلا ثمر، والضرع بلا لبن، فهل منهما يا ترى من نفع؟ وذلك أنه قد يحمل علماً وهمة وحماساً لكن ينقصه حسن الخلق، فيعكس صورة سلبية قاتمة عن دين الله سبحانه، لدى من يرجى هدايته واستقامته، ويكون نفعه محصوراً غير متعد.
ومحاسن الأخلاق وإن كانت مطلوبة شرعاً من كل مسلم، إلا أنها تزداد تأكيداً في حق من نصب نفسه داعية إلى دين الله، أو موقعاً عنه أحكامه، وكم –والله- ينفطر الفؤاد كمداً، وتدمع العين حزناً، عند أن نعاشر قوماً من أهل العلم، قد انتصبوا للفتيا وتعليم الناس الخير، ثم يبدوا منهم قصور باد للعيان في هذه القضية.
وما أحسن ما قاله ابن القيم عليه -رحمة الله-: " ليس صاحب العلم والفتيا إلى شيء أحوج منه إلى الحلم والسكينة والوقار؛ فإنها كسوة علمه وجماله، وإذا فقدها كان علمه كالبدن العاري من اللباس"[7] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=126&aid=14366#_ftn7).
وقد كان إمام الدعاة وقدوتهم صلى الله عليه وسلم أحسن الناس أخلاقاً، أسر أقواماً من الكفار بأخلاقه صلى الله عليه وسلم، فليكن لنا فيه أسوة حسنة.
والدلالات على هذا الأمر في سيرته صلى الله عليه وسلم أكثر من أن تحصر، أبرزها -فيما يبدو لي- ما رواه أنس رضي الله عنه قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم وعليه برد غليظ الحاشية، فجبذه أعرابي بردائه جبذة شديدة؛ حتى أثرت حاشية البرد في صفحة عاتقه، ثم قال: يا محمد! احمل لي على بعيري هذين من مال الله الذي عندك؛ فإنك لا تحمل لي من مالك ولا من مال أبيك، فسكت النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال: "المال مال الله وأنا عبده -ثم قال:- ويقاد منك يا أعرابي! ما فعلت
بى؟" قال: لا، قال "لم؟" قال: لأنك لا تكافئ بالسيئة السيئة، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أمر أن يحمل له على بعير شعير وعلى الآخر تمر.
وقالت عائشة -رضى الله عنها-: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم منتصراً من مظلمة ظلمها قط، ما لم تكن حرمة من محارم الله، وما ضرب بيده شيئاً قط، إلا أن يجاهد في سبيل الله، وما ضرب خادماً ولا امرأة.
وجئ إليه برجل، فقيل: هذا أراد أن يقتلك، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "لن تراع لن تراع، ولو أردت ذلك لم تسلط علي"[8] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=126&aid=14366#_ftn8).
فليكن لك أيها الداعية! فيه صلى الله عليه وسلم الأسوة الحسنة، وكن هيناً ليناً مع إخوانك المسلمين، تستقبلهم بالبشاشة والبشر، تحب لهم الهداية والاستقامة كما تحبها لنفسك، تنظر إلى عاصيهم ومقصرهم فيزداد قربك منه، وتوددك إليه؛ إشفاقاً عليه أن تدركه المنية وهو على ما يغضب ربه سبحانه.
مر أبو الدرداء –رضي الله عنه- برجل قد أصاب ذنباً وكانوا يسبونه، فقال لهم: أرأيتم لو وجدتموه في قليب ألم تكونوا مستخرجيه؟ قالوا: بلى، قال: فلا تسبوا أخاكم، واحمدوا الله الذي عافاكم، قالوا: أفلا تبغضه؟ قال: إنما أبغض عمله، فإذا تركه فهو أخي[9] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=126&aid=14366#_ftn9)

!
10-02-21, 01:31 AM
4. الترفع عن مواطن التهم:
ينبغي للداعية إلى الله سبحانه أن ينأى بنفسه عن مواطن التهم، فلا يجعل عرضه مرتعاً لكل سفيه ومتكلم، يعبث به كيف شاء، بل يدفع عن نفسه التهمة أو ما يظن تهمة بكل ما يستطيع؛ لأن اتهامه بالسوء معناه إحراق لشخصيته الدعوية، فلا يقبل منه نصح؛ فيكون مهما أتعب نفسه كصائح في واد أو نافخ في رماد، إلا أن يشاء رب العباد.
وقد كان إمام الدعاة صلى الله عليه وسلم وهو أشرف الناس وأنزههم، ينأى بنفسه عن ذلك؛ فقد روى البخاري في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في المسجد وعنده أزواجه فرحن، فقال لصفية بنت حيي: "لا تعجلي حتى أنصرف معك"، وكان بيتها في دار أسامة، فخرج النبي صلى الله عليه و سلم معها، فلقيه رجلان من الأنصار، فنظرا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ثم أجازا[10] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=126&aid=14366#_ftn10)، وقال لهما النبي صلى الله عليه و سلم: " تعاليا –ولمسلم- (على رسلكما) إنها صفية بنت حيي"، قالا: سبحان الله يا رسول الله! قال: "إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم، وإني خشيت أن يلقي في أنفسكما شيئا"[11] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=126&aid=14366#_ftn11).
قال الإمام ابن دقيق العيد -رحمه الله- في شرح الحديث: "وفيه دليل على التحرز مما يقع في الوهم نسبة الإنسان إليه مما لا ينبغي، وقد قال بعض العلماء: إنه لو وقع ببالهما شيء لكفرا، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم أراد تعليم أمته، وهذا متأكد في حق العلماء، ومن يقتدي بهم؛ فلا يجوز لهم أن يفعلوا فعلاً يوجب ظن السوء بهم، وإن كان لهم فيه مخلص؛ لأن ذلك تسبب إلى إبطال الانتفاع بعلمهم"[12] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=126&aid=14366#_ftn12).

!
10-02-21, 01:32 AM
5. تفقد أحوال المدعوين وقضاء حوائجهم:
مما لا شك فيه أن المرء عند أن يجد من يشاركه أفراحه وأتراحه، تزداد رقعة القبول له في القلب، وهذه سنة ماضية في الخلق.
فالداعية الساعي في تفريج هموم الناس، وقضاء حوائجهم، يريدون عادة مقابلته بالمثل، وأعظم حاجة عند الداعية تقضى هي هداية الخلق إلى دين الله سبحانه؛ حتى يكتبوا في رصيده؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد قال: " من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، غير أنه لا ينقص من أجورهم شيئاً"[13] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=126&aid=14366#_ftn13).
فكن أيها الداعية مسارعاً في قضاء حوائج الخلق، وكن في عونهم حتى يكون الله في عونك، فإن فعلت فقد سلكت أخصر الطرق الموصلة إلى قلوبهم، فتأسرها، وتلقمها ما شئت، فاتق الله فيها.
وفي هذا المقام نحط رحالنا، وينتهي بنا المطاف في رياض الدعاة الصامتين، وإن كانت أزهار هذه الرياض كثيرة، إلا أن ما ذكر فيه الكفاية، فإن كان من صواب فمن الله وحده، وإن كان من خطأ فمن نفسي والشيطان، والله ورسوله منه بريئان.
وصلى الله وسلم على إمام الدعاة نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

!
10-02-21, 01:33 AM
معرفة أحوال المدعوين أهمية معرفة أحوال المدعوين عزيز بن فرحان لعنزي الخميس 06 صفر 1431 الموافق 21 يناير 2010 عدد القراء : 143 http://www.islammessage.com/media_bank/image/2009/5/27/1_2009527_6408.jpg

من البصيرة في الدعوة إلى الله تعالى: أن يكون الداعية على علم بحال المدعوين، فلا يمكن أن يكون خطاب الداعية إلى الله تعالى واحداً لجميع المدعوين، فالناس فيهم الكبير والصغير، والحاكم والمحكوم، والذكر والأنثى، والكافر والمسلم، والعاصي والمؤمن، والأعجمي والعربي، والمثقف والعامي، وهؤلاء يتفاوتون بلا شك من جهات شتى، فيحتاج كل واحد منهم إلى خطاب يخصه به، وقد يجمع الموفق في الخطاب الواحد ما يناسب الجميع.
وأيضاً من البصيرة في حال المدعوين دراسة البيئة المحيطة بهم، ومحاولة ترتيب الأولويات التي ينبغي البدء بها، ومعرفة عادات الناس، وهذه الاهتمامات لا يوفق إليها إلا النابه من الدعاة، الذي يتلمس النجاح لدعوته عن طريق استيعاب هذه الأشياء.
ولذلك علمنا ربنا سبحانه وتعالى كيف ندعو إليه، مبينا لنا أصناف المدعوين، والفوارق البينية بينهم في قوله سبحانه وتعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ }[1] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=126&aid=14038#_ftn1).
ويؤكد هذا النبي -صلى الله عليه وسلم- تأكيداً بيناً واضحاً بقوله وبفعله، ففي بعثه لمعاذ بن جبل -رضي الله عنه- إلى اليمن علمه كيف يدعو القوم هنالك، بعد أن أعلمه بحالهم وجنسهم وثقافتهم، فقال عليه الصلاة والسلام: "إنك تأتي قوماً أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن هم أطاعوك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة".[2] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=126&aid=14038#_ftn2)
وقد سجلت لنا السيرة مواقف عظيمة في استعمال النبي -صلى الله عليه وسلم- أساليب ووسائل متنوعة في دعوة الآخرين، بناء على اختلاف أجناسهم، وأفهامهم، وهيئاتهم، وسيمر معنا شيءٌ من هذا في ثنايا هذا القسم من الرسالة.
فإذا امتلك الداعية إلى الله هذا النوع من البصيرة تجاه المدعوين؛ فهذا يعني بالضرورة أنه قادر على التكيف والانسجام، والتعامل بوضوح مع الحقائق، ولديه الاستطاعة على ترتيب الأولويات، في مخاطبة الجمهور والأفراد.
ولنعد إلى الآية الكريمة التي أمرت بالدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن، فهي تشير في الحقيقة إلى أصناف المدعوين الذين يواجههم الداعية في ميدان دعوته، وهم ثلاثة أصناف

!
10-02-21, 01:33 AM
1- صنف يدعى بالحكمة.
2- صنف يدعى بالموعظة الحسنة.
3- صنف يجادل بالتي هي أحسن.
وقد بين شيخ الإسلام أبو العباس بن تيمية -رحمه الله- هذه الأصناف الثلاثة بقوله: "الناس ثلاثة أقسام: إما أن يعترف بالحق ويتبعه، فهذا صاحب الحكمة، وإما أن يعترف به لكن لا يعمل به، فهذا يوعظ حتى يعمل، وإما ألا يعترف به فهذا يجادل بالتي هي أحسن؛ لأن الجدال فيه مظنة الإغضاب، فإذا كان بالتي هي أحسن حصلت منفعته بغاية الإمكان كدفع الصائل"[3] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=126&aid=14038#_ftn3) .
والحكمة لها ثلاثة أركان:
أولها: العلم، والمقصود به العلم النافع، والعلم النافع ثلاثة أقسام:
1- العلم بالله وأسمائه وصفاته، مثل سورة الإخلاص، وآية الكرسي، ونحوها.
2- العلم بما أخبر به مما كان وما يكون وما هو كائن ، مثل القصص، والوعد والوعيد.
3- العلم بما أمر الله به من العبادة الظاهرة، والباطنة، مثل العلم بأصول الإيمان، وقواعد الإسلام، والأحكام الفقهية، ونحوها من علوم الدين. ا.هـ
وثانيها: الحلم، ويعرفه العلماء بأنه ضبط النفس والطبع عند هيجان الغضب[4] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=126&aid=14038#_ftn4).
وثالثها: الأناة، فهي التثبت وعدم العجلة، وقد ورد الأمر بالأناة في نصوص كثيرة، وأقوال عن السلف، والشعراء، والحكماء، وكذلك ورد النهي عن العجلة في نصوص متكاثرة، وفي أقوال الحكماء على اختلاف مشاربهم.

!
10-02-21, 01:35 AM
مآذن سويسرا والديمقراطية العنصرية مآذن سويسرا والديمقراطية العنصرية د. عبدالعزيز بن فوزان الفوزان (المشرف العام) الثلاثاء 19 محرم 1431 الموافق 05 يناير 2010 عدد القراء : 347 http://www.islammessage.com/media_bank/image/2009/12/13/1_20091213_7811.jpg

العالم الغربي بل كل العالم الذي لا يدين بالإسلام ليس شيئاً واحداً في نظرته للإسلام وموقفه من المسلمين داخل بلادهم وخارجها، بل هم أطياف مختلفة، واهتماماتهم متباينة، وفهمهم للإسلام وعلاقاتهم بالمسلمين في درجات متفاوتة، ففي الوقت الذين يوجد فيه متطرفون حاقدون من أفراد وجماعات، وأحزاب ومؤسسات، تعلن عداءها الصريح ورفضها الفاضح لكل ما هو إسلامي أو حتى عربي ولو لم يكن مسلماً، فإن الأغلبية الساحقة من تلك الشعوب في العالم الغربي وغيره لا تحمل حقداً على الإسلام وأهله، ولديها الكثير من العدل والإنصاف والموضوعية، والبحث عن الحق بدلائله وبراهينه المقنعة، بل القابلية العجيبة للدخول في الإسلام، والانقياد للدين الحق الذي ارتضاه الله لعباده، وكثير منهم إذا أسلم أخذ الدين بقوة، وكان عنده من الهمة في تطبيق الإسلام والدفاع عنه والدعوة إليه، والحرص على هداية الناس ما لا يوجد نظيره عند كثير من المسلمين الأصليين، الذين نشأوا في بلاد مسلمة، وفي أحضان أبوين مسلمين.
ولكن المشكلة الكبرى التي تعانيها تلك الأغلبية الساحقة من الشعوب غير المسلمة هو جهلهم بالإسلام ومقاصده، أو معرفتهم بالإسلام بصورة مشوهة، لا تتفق مع حقيقته، وأنه رحمة الله للعالمين، والضمانة الحقيقية لهداية البشر وإسعادهم، وتحرير عقولهم من الأوهام والخرافات، والعبودية للطواغيت والمخلوقات، وحثهم على مكارم الأخلاق ومحاسن العادات، بل إن أكثر هذه الشعوب لا تعلم أن هناك دينياً سماوياً اسمه الإسلام، وبعضهم يسمع عن كلمة مسلمين وإسلام، ويظن أن الإسلام عبارة عن جنسية أو قومية ينتسب لها مجموعة من البشر، أو أن الإسلام كلمة مرادفة لكلمة العرب، فيظن أن المسلم معناه من يحمل الجنسية العربية، وكثير ممن عرف أن الإسلام دين سماوي لم يعرف عنه إلا الوجه المظلم السيء الذي ألصق بالإسلام زوراً وبهتاناً وأنه دين إرهاب وقتل وتدمير، وأن المسلمين هم رعاة الإرهاب وحملته وهم أعداء العالم والساعون لتدميره!!

!
10-02-21, 01:35 AM
وإذا كانت الأحزاب والجماعات المتطرفة في تلك البلدان غير المسلمة لا تدخر وسعاً في حرب الإسلام وتشويه سمعته وصد الناس عنه، مستغلة بعض الأخطاء والتجاوزات من بعض المنتسبين للإسلام من ذوي الجهل والحمق، والظلم والعدوان، فإن المصيبة الكبرى أن تلك الأحزاب والجماعات المتطرفة تؤثر تأثيراً كبيراً على تلك الأغلبية الساحقة من أهل العدل والإنصاف بسبب ما ذكرته من جهل هذه الأغلبية بالإسلام، الذي سببه بالدرجة الأولى تقصيرنا نحن المسلمين في الدعوة إلى الله، والتعريف بحقيقة الإسلام، وشرح مقاصده في الرحمة بالبشرية وإسعادها، وحفظ مصالحها في معاشها ومعادها، وعجزنا الفاضح في توظيف التقنيات الحديثة ووسائل الإعلام المتطورة لمخاطبة الناس في كل الأصقاع وباللغات التي يفهمونها، وإقناعهم بالحق الذي أنزله الله رحمة للعالمين، والتأكيد على أننا أرباب حق، ودعاة سلام، ورواد هداية وإصلاح.
ولقد ظلت كثير من الشعوب محجوبة عن معرفة الإسلام طيلة القرون الماضية، ولم يزل رجال الدين وكثير من قادة الفكر والسياسة فيها يحاولون الحيلولة بين شعوبهم وبين معرفة الإسلام وفهم فضائله ومقاصده، لأن أكثرهم يدركون أن الإسلام هو دين الفطرة النقية والعقل السليم، وهو السبيل المضمون لتحقيق العدل وإسعاد البشرية، وفيه من الحيوية والجاذبية، والقدرة على الإقناع والإخضاع ما لا يوجد نظيره فيما سواه من المذاهب والملل، أما اليوم فقد كسرت الحواجز والحدود، وأزيلت الموانع والسدود، وصار بإمكاننا التواصل مع العالم أجمع وباللغات التي يفهمها، وذلك من خلال المواقع الإلكترونية، والقنوات الفضائية، والإذاعات والمجلات وشتى وسائل الاتصالات. ولقد يسر الله لنا من وسائل الدعوة والتعليم وتبليغ هذا الدين ما لم يتيسر مثله لأسلافنا، فقامت علينا الحجة، ولم يبق لنا عذر في أن يموت الناس على الضلالة وبين أيدينا الهدى، ويغرق البشر في الظلام وعندنا مشعل النور، وتعاني المجتمعات من القلق والاضطراب، وانتشار الظلم والإجرام، وشيوع الفساد الأخلاقي والشذوذ الجنسي، وعندنا صمام الأمان، والهادي إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، وليس لنا أن نتركهم يتخبطون وتتلاعب بهم الأهواء والشهوات، وتسيطر عليهم الخرافات والشعوذات والشركيات وعندنا الدين الحق الذي أنزله الله تعالى رحمة للعالمين، ليخرجهم من الظلمات إلى النور، ومن عبادة المخلوقات إلى عبادة رب الأرض والسموات، ومن جور المذاهب والأديان إلى عدل الإسلام، يقول الله تعالى: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ} فبين أن أهل الإسلام هم خير الناس للناس، وأرحم الخلق بالخلق، يأمرونهم بالمعروف الذي أمر الله به، وينهونهم عن المنكر الذي نهى الله عنه، ويسعون جاهدين لإسعاد الناس وإيصال الخير إليهم، وهدايتهم لما فيه صلاح أمرهم في معاشهم ومعادهم.

!
10-02-21, 01:36 AM
ومع شدة الحاجة، وقوة المنافسة، وضخامة المسؤولية وثقل الأمانة، فمازلنا نحن المسلمين مقصرين في استثمار هذه التقنية وتسخيرها لخدمة ديننا، وتحقيق مصالحنا، والدفاع عن حقوقنا، والمحافظة على قيمنا ومكتسباتنا، والتواصل مع إخواننا المسلمين في أصقاع الأرض، وإقامة جسور التواصل الحضاري بين المسلمين وغير المسلمين. ولذا أصبح كل جهد يتلافى هذا التفريط، ويسعى إلى استيفاء القصور أمراً بالغ الأهمية، بل هو واجب شرعي على كل قادر على العطاء والبذل، سواء أكان بعلمه أم بخبرته أم بماله أم ببدنه أم بجاهه.
وإذا كانت الأحزاب والجماعات المتطرفة تعادي الإسلام وتحسد أهله، والحيلة في تحييدهم وقطع شرهم عسيرة أو مستحيلة، لأنهم كما قال الله تعالى عنهم: {وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ} فهم يعادون المسلمين حسداً لهم مع تبين الحق لهم، وعلمهم بأن دينهم هو الدين الحق الذي ارتضاه الله لعباده، ولكن الحسد حملهم على محاربة الإسلام وأهله كما حمل أسلافهم من قبل على معاداة محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ولهذا قال ربنا في آية أخرى: {وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} فبين أن هؤلاء الحساد من أهل الكتاب وغيرهم لن يرضوا عنا ولن يكفوا عن مكايدتنا ومعاداتنا وحربنا مهما حاولنا استرضاءهم واتقاء شرهم، ومهما خضعنا لهم وسكتنا عن ظلمهم وابتزازهم إلا أن نتخلى عن ديننا ونكفر به كما كفروا!!
فإذا كانت هذه هي حال تلك الأحزاب والجماعات المتطرفة التي تعادي الإسلام وتحارب أهله حسداً وبغياً فإن البلية العظمى أن تلك الجموع الكبيرة، والغالبية العظمى من تلك الشعوب غير المسلمة أصبحت ـ بسبب جهلها بالإسلام وشدة تقصيرنا في دعوتها إليه وتعريفها بحقائقه ومقاصده ـ ضحية لهذه الجماعات والأحزاب المتطرفة، حيث تستغل عواطفها، وتؤجج مخاوفها من هؤلاء المسلمين الإرهابيين أو المتخلفين، وهذا ما رأيناه جلياً في حوادث كثيرة عانى منها المسلمون في البلاد الإٍسلامية وفي بلاد الأقليات المسلمة معاناة كبيرة، فحرب العراق وأفغانستان وما ترتب عليهما من تداعيات كثيرة وخطيرة ما كان لها أن تحدث وتدعمها أكثر الشعوب الغربية لو أن تلك الشعوب تعرف حقيقة الإسلام، وأنه بريء من جرائم الإرهاب، وأنه دين الرحمة والسلام، بل هو رحمة الله لكل العالمين!!
لكن تلك الأحزاب والجماعات المتطرفة استغلت أحداث سبتمبر وما شابهها، وربما كان لها يد في صناعتها وتوريط بعض المسلمين فيها، لكي تشوه صورة الإسلام وتؤلب تلك الشعوب عليه وعلى من يدينون به، وتخوفهم من الخطر الإسلامي الداهم الذي يسعى لتدمير العالم والسيطرة عليه.
وقل مثل ذلك في جميع الأحداث والقرارات العنصرية ضد المسلمين في كل مكان، وبخاصة في أوروبا وأمريكا، كالأفلام والرسوم الكاريكاتورية المخزية التي حصلت في الدانمارك، ثم انتشرت عدواها إلى عدد من الدول الأوروبية، وتبنتها ودافعت عنها عدد من الحكومات الغربية مع أنها تطعن في أعظم الرموز الدينية لدى مليار ونصف من المسلمين، وبعضهم من مواطني تلك الدول التي سمحت بكل أسف لهذه الأعمال الاستفزازية العنصرية بأن تظهر وتتكرر!!

!
10-02-21, 01:36 AM
وكذلك الحال بالنسبة لمنع الحجاب والنقاب في فرنسا، والذي اعتبروه إهانة لكرامة المرأة على حد زعم الرئيس الفرنسي، وأخيراً ولن يكون آخراً: منع بناء المآذن في سويسرا، مع أنه لا يوجد فيها سوى أربع مآذن فقط في أربعة مساجد، ولا يرفع الأذان من خلالها، وإنما يؤذن للصلاة داخل المسجد فقط، ورغم ذلك فإن 57.5 في المائة من الناخبين السويسريين اختاروا في استفتاء عام الموافقة على حظر بناء المآذن، زاعمين أن قرارهم هذا يستند إلى مخاوفهم من ''الأصولية'' و''الأسلمة البطيئة'' لسويسرا.
وهذا التحرك المتطرف بدا مستغربا أن يأتي من بلد مثل سويسرا التي كان الانطباع عنها أنها من أكثر الدول الأوروبية انفتاحا وتسامحا، وهو مستغرب أيضا لأن سويسرا هي أكثر بلد أوروبي يستفيد من أموال أثرياء المسلمين، والحقيقة المرة أن هذا الاستفتاء لو أجري في بلدان أوروبية أخرى فإنه سيؤدي غالباً إلى نتيجة مشابهة.
والأمر الإيجابي هو بروز بعض الأصوات الأوروبية المستنكرة لهذا التوجه، وقد خصصت ''الفاينانشيال تايمز'' افتتاحية الأسبوع الماضي لإدانة هذا التصويت، والتأكيد على أنه لا يخدم سوى المتطرفين، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك، حيث تقول: ''كان هناك زمن تتمتع فيه سويسرا بسمعة أنها ملاذ الديمقراطية والتسامح في أوروبا التي كانت بخلاف سويسرا تعيش في ظلام فكري، لكن هذا تغير الآن، هذه الصورة الجميلة تحولت إلى حطام من خلال التصويت على إقرار حظر دستوري على المآذن''.
إن سويسرا مثل الكثير من الدول الأوروبية، تواجه ردة فعل قومية على النظرة الجديدة للمسلمين الأوروبيين، والمآذن مجرد ستار، فحزب الشعب السويسري الذي قاد هذه الحملة العنصرية أراد في بادئ الأمر تدشين حملة ضد الطريقة الإسلامية لذبح الحيوانات، ولكنه كان يخشى اختبار حساسية اليهود السويسريين، الذين يذبحون بطريقة مشابهة، وبدلا من ذلك حول أبصارهم إلى المآذن باعتبارها رمزاً إسلامياً ظاهراً.
فيا ترى ما سر هذه العنصرية المقيتة، والتنكر للقيم الإنسانية وحقوق الإنسان التي طالما تغنى بها أولئك الأوروبيون؟ ولماذا تقصى فئة تحمل جنسيات تلك الدول، ولها حق المواطنة الكاملة، لمجرد أنها تدين بالدين الإسلامي الحنيف؟
يجيب عن هذا البروفيسور الدكتور: طارق رمضان، وهو داعية مسلم ولد في سويسرا، حيث يقول في مقال له في صحيفة الشرق الأوسط: "وفي المرحلة الحالية يجد الأوروبيون أنفسهم يتساءلون داخل عالم متنقل ومستمر في الانغماس في العولمة: «ما هي جذورنا؟» و«من نحن؟» و«كيف سيكون مستقبلنا؟» فهم يرون حولهم مواطنين جددا، وألوانا جديدة للبشر ورموزا جديدة لم يعتادوا عليها. وعلى مدار العقدين الماضيين، ارتبط الإسلام بالكثير من القضايا المثيرة للجدل، مثل العنف والتطرف وحرية التعبير والتمييز بين الجنسين والزواج بالإجبار، وهذا قليل من كثير، ومن الصعب بالنسبة للمواطنين العاديين أن ينظروا إلى هذا الوجود الإسلامي الجديد على أنه عامل إيجابي، وهناك مقدار كبير من الخوف وغياب واضح للثقة، تُطرح أسئلة من نوعية: من هم؟ وماذا يريدون؟ وتمتلئ هذه الأسئلة بشكوك أكبر مع انتشار فكرة أن الإسلام دين توسعي. هل يريد هؤلاء الناس أسلمة بلادنا؟
واستحثت المخاوف والمزاعم الحملة التي استهدفت المآذن، وانجذب المصوتون إلى القضية من خلال التلاعب بالعواطف واللعب على وتر المخاوف، وحملت الملصقات صورة امرأة ترتدي برقعا، ورسمت فيها المآذن كأسلحة على علم سويسري. وتعني هذه المزاعم أن الإسلام لا يتناسب في جوهره مع القيم السويسرية"

!
10-02-21, 01:37 AM
ويؤكد ذلك كاتب أوروبي هو "إيان بوروما" في مقال جميل له في صحيفة الاقتصادية فيقول: "إن إرجاع هذا التصويت السويسري على حظر بناء المآذن ـ وهي الفكرة التي أتى بها حزب الشعب السويسري اليميني، من دون مشاركة من جانب أي حزب سياسي آخر ـ إلى ''الإسلاموفوبيا'' (الخوف من الإسلام) قد يكون في غير محله. من المؤكد أن تاريخاً طويلاً من العداوة المتبادلة بين المسيحيين والمسلمين، فضلاً عن الحالات الأخيرة من العنف الإسلامي المتعصب، حَمَل عديداً من الناس على الخوف من الإسلام على نحو لن نجد له مثيلاً تجاه الهندوسية أو البوذية على سبيل المثال، فالمئذنة التي تخترق السماء وكأنها صاروخ، يسهل تصويرها باعتبارها شيئاً مخيفاً.
ولكن إذا كان السويسريون وغيرهم من الأوروبيين على يقين من هوياتهم، فما كان لإخوانهم من مواطنيهم المسلمين أن يثيروا مثل هذا النوع من الخوف في قلوبهم. وقد يكون هذا هو أس المشكلة. فمنذ وقت ليس بالبعيد كانت أغلبية المواطنين في الغرب يعتزون بأمور خاصة ليست محل نقاش ترمز إلى عقيدتهم وهويتهم الجمعية. وأبراج الكنائس المنتشرة في عديد من المدن الأوروبية ما زالت تعني شيئاً في نظر أغلبية الناس. وقليلون هم الذين تزوجوا من خارج ديانتهم...
ولكن كثير من هذا قد تغير، وذلك بفضل الرأسمالية العالمية، والتكامل الأوروبي، ووصمة المشاعر الوطنية الناتجة عن حربين مأساويتين، وربما كان الأهم من كل ذلك، تراجع الإيمان بالعقائد الدينية على نطاق واسع. إن أغلبيتنا يعيشون في عالم علماني ليبرالي متحرر من الأوهام، ولقد أصبحت حياة أغلبية الأوروبيين الآن أكثر تحرراً من أي وقت مضى... ولكن الحياة في عالم متحرر لم تكن بلا ثمن، فالتحرر من العقيدة الإيمانية والتقاليد لم يكن دوماً السبيل إلى الشعور بقدر أعظم من الرضا، بل كان على العكس من ذلك سبباً في انتشار الحيرة، والمخاوف، والاستياء".
إذاً فالسبب الرئيس لهذه الحملات العنصرية هو الشعور المرير بفقدان الهوية، والحسد للمسلمين على تمسكهم بدينهم واعتزازهم به، وهذا ما أكده الكاتب في ختام مقاله حين يقول: "فلا بد أن نحسد المسلمين لأنهم ما زالوا متمسكين بإيمانهم، ولأنهم يعرفون من هم، ولأنهم ما زال لديهم ما يستحق أن يضحوا بحياتهم من أجله... إن هذه المآذن المرتفعة، وأغطية الرأس السوداء، تشكل تهديداً لأنها تنثر الملح على جراح هؤلاء الذين يشعرون بخسارة إيمانهم".
وليس بعيداً عنه ما عبر عنه الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي (http://www.aljazeera.net/NR/exeres/C16DFC92-75EB-49B6-882B-7636A2159192.htm) في مقال له بصحيفة لوموند الفرنسية من تعاطفه مع السويسريين الذين صوتوا لصالح حظر المآذن في بلدهم, وذكَّر في الوقت نفسه بقيم التسامح والانفتاح عند الفرنسيين، ودعا إلى إشاعة الاحترام المتبادل بين القادمين إلى فرنسا ومستقبليهم.

!
10-02-21, 01:37 AM
وفي هذا الإطار, تنقل صحيفة "التايمز" حث ساركوزي المسيحيين واليهود والمسلمين وكل المؤمنين بغض النظر عن معتقدهم على تجنب الاستفزاز والمباهاة في ممارسة شعائرهم الدينية.
وقد وصف ساركوزي سكان أوروبا بأنهم متسامحون بطبيعتهم وثقافتهم، لكنهم لا يريدون لنمط حياتهم وطريقة تفكيرهم وعلاقاتهم الاجتماعية أن تتشوه. ثم يؤكد أن الإحساس بفقدان الهوية يمكن أن يكون مصدراً لمعاناة بالغة!!
وتقول التايمز إن الحزب الاشتراكي وجل طيف اليسار الفرنسي يقاطعون النقاش الذي أطلقه ساركوزي بشأن الهوية الوطنية.
وتكشف الصحيفة عن تململ حتى في أوساط الحزب الفرنسي الحاكم نفسه نتيجة الإحراج الذي أصابهم جراء حملة ساركوزي الحالية, إذ حاول كثير منهم النأي بنفسه عن تصريحات تلفزيونية لأحد مسؤوليه، وهو عمدة لقرية بالشمال الفرنسي يدعى آندري فلانتين, إذ قال: "علينا أن نتصرف كي لا نُبتلع أحياء, فهناك عشرة ملايين مهاجر يتقاضون رواتب مقابل لا شيء".
وأمام هذه الحملات المغرضة والدعايات المضللة التي تستهدف صد الناس عن سبيل الله، ومضايقة المسلمين ومنعهم من ممارسة شعائر دينهم، وتأليب الحكومات والشعوب الغربية عليهم وعلى رموزهم الدينية، مستغلين جهل شعوبهم بالإسلام، ومستثمرين كل ما وصلت إليه التقنيات الحديثة ووسائل الإعلام المتنوعة والمبهرة لتحقيق غاياتهم العنصرية المتطرفة، والتنفيس عن حسدهم وحقدهم على الإسلام والمسلمين كان متحتماً علينا أن نضاعف جهودنا لمقاومة هؤلاء المتطرفين، وفضح باطلهم وحقدهم، والكشف عن غاياتهم ودوافعهم، وألا نخضع لظلمهم وابتزازهم، لأنهم لن يرضوا عنا حتى نتخلى عن ديننا ونتبع ملتهم.
وأهم من ذلك أن نبذل غاية الوسع، ونستثمر كل الوسائل الممكنة، ونوظف وسائل الإعلام المتنوعة للتعريف بالإسلام، وبيان حقائقه ومقاصده، وأنه دين أمن وسلام، وتعايش وتعاون، ورحمة وعدالة، وحكمة ومصلحه في جميع أوامره ونواهيه، وأن جميع أحكامه وتشريعاته قائمة على سنن القسط والعدل، والبر والإحسان، وأن حسن الخلق والإحسان إلى جميع الخلق من أجل مقاصد الإسلام، وأعظم العبادات وأحبها إلى الله، وهي أثقل ما يوضع في ميزان العبد المؤمن يوم القيامة، بل إن الرسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، وفي رواية "صالح الأخلاق"، فجعل رسالته بكل أحكامها وتشريعاتها محصورة بالدعوة إلى مكارم الأخلاق، ومحاسن العادات، وحسن التعامل مع الله تعالى ثم مع عباده من القريبين والبعيدين، والمسلمين وغير المسلمين، وهذا هو معنى قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}.
----------------
للتواصل مع الشيخ: fawzan@islammessage.com (fawzan@islammessage.com)

!
10-02-21, 01:38 AM
وقفة بين عامين وقفة بين عامين د. عبدالعزيز بن فوزان الفوزان (المشرف العام) الثلاثاء 12 محرم 1431 الموافق 29 ديسمبر 2009 عدد القراء : 2923 http://www.islammessage.com/media_bank/image/2009/1/11/1_2009111_5006.jpg

لعل أول ما يخطر على بال المسلم ـ وهو يشهد انتهاء عام وابتداء عام ـ أن يتذكر قدرة الله عز وجل على مداولة الأيام, وموالاة الدهور والأعوام, وتقليب الليل والنهار, {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ}[1] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=132&aid=1191#_ftn1), {يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُوْلِي الْأَبْصَارِ}[2] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=132&aid=1191#_ftn2).
كما يتذكر قدرته على تدبير شؤون هذا الكون الفسيح, وتقليب أحواله {يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ}[3] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=132&aid=1191#_ftn3), فكم ولد في هذا العام من مولود؟! وكم مات فيه من حي؟! وكم استغنى فيه من فقير, وافتقر فيه من غني؟! وكم عز فيه من ذليل, وذل فيه من عزيز؟! {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . تُولِجُ اللَّيْلَ فِي الْنَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الَمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَن تَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ}[4] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=132&aid=1191#_ftn4).
وفي زحمة هذه الحياة، وكثرة المشاغل والملهيات ينسى الواحد منا أن عمره محدود، وأنفاسه معدودة، وأن هذه السنوات التي تتهادى إليه، بل الأيام واللحظات التي تمر عليه, فإنما تذهب من عمره, وتنقص من أجله, وتبعده عن الدنيا بقدر ما تقربه من الآخرة.
إنا لنفرح بالأيام نقطعـــها وكلُّ يوم مضى, يدني من الأجل
فاعمل لنفسك قبل الموت مجتهداً فإنما الربح والخسران في العـمل[5] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=132&aid=1191#_ftn5)
كم تمر بنا الشهور تلو الشهور، ونخلع السنين تلو السنين, ونحن في سبات غافلون, حتى كأننا في هذه الدنيا مخلدون، يقول الحسن البصري: "يا ابن آدم إنما أنت أيام مجموعة, كلما ذهب يوم ذهب بعضك"[6] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=132&aid=1191#_ftn6).
إن الحياة بأيامها ولياليها مراحل الآجال، ومخازن الأعمال، وهي وإن كانت قصيرة محدودة فبها تشترى أغلى السلع، وهي الجنة، أو أبخس البضائع، وهي النار، وبحسب عمل الإنسان فيها يكون جزاؤه في الدنيا والآخرة، وبها يتحدد مصيره يوم القيامة، إما في نعيم مقيم، وإما في عذاب الجحيم،{فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ *وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ *نَارٌ حَامِيَةٌ}
ولله در ابن المعتز حين قال:
نسير إلى الآجال في كل لحظة وأعمارنا تطوى وهن مراحلُ
ترحّل من الدنيا بزاد من التقى فعمرك أيام وهن قلائل[7] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=132&aid=1191#_ftn7)
قال بعض الحكماء: "كيف يفرح بالدنيا, من يومه يهدم شهره, وشهره يهدم سنته، وسنته تهدم عمره؟ كيف يفرح من يقوده عمره إلى أجله, وحياته إلى موته؟"
وما أجمل هذا التصوير للإنسان وهو راكب ظهر عمره يسعى به حثيثاً إلى قبره:
وما المرء إلا راكبٌ ظهرَ عمره على سفرٍ يُفنيه في اليوم والشهرِ
يبيت ويضحي كلَّ يوم وليلةٍ بعيداً عن الدنيا قريباً إلى القبرِ
وكم ينتظر الواحد منا ما أقبل من دهره, ويتمنى نهاية سنته أو شهره, من أجل أن يقبض الراتب, أو يحصل على العلاوة، أو يحقق أمنية وحاجة, وقليل منا من يتفطن إلى أن ذلك كله ينقص من عمره, وأنها مراحل يقطعها من سفره, وصفحات يطويها من دفتره، ولحظات ستكتب في صحيفة حسناته أو سيئاته.
نجد سروراً بالهلال إذا بدا وما هو إلا السيف للحتف يُنتضى
إذا قيل تم الشهر فهو كنايةٌ وترجمة عن شطر عمرٍ قد انقضى[8] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=132&aid=1191#_ftn8)
بل ينسى الواحد منا أن الموت قد يقطع عليه حبل أمله, ويفجؤه قبل أن يصل إلى مؤمله, فيأخذه على غرة, ويفتك به على حين غفلة {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}[9] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=132&aid=1191#_ftn9).
وما أجمل قول أبي العتاهية:
عش ما بدا لك سالماً في ظل شاهقة القصور
يُسعى عليك بما اشتهيت لدى الرواح وفي البكور
فإذا النفوس تقعقعت في ضيق حشرجة الصدور
فهناك تعلم موقناً ما كنت إلا في غرور[10] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=132&aid=1191#_ftn10)
وفي تعاقب الشمس والقمر عبر وأي عبر!! فهذه الشهور, تهل فيها الأهلة صغيرة كما يولد الأطفال, ثم تنمو رويداً رويداً كما تنمو الأجسام, حتى إذا تكامل نموها أخذت بالنقص والاضمحلال, وهكذا هو حال الإنسان: طفولة ضعيفة, ثم شباب قوي, ثم رجولة كاملة, ثم شيخوخة متداعية, ثم الموت المحتوم {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ}[11] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=132&aid=1191#_ftn11).
وهذه الشمس أيضاً تطلع في الصباح واهنة ضعيفة، لكنها واعدة نامية، ثم لا تزال تقوى شيئاً فشيئاً حتى تكتمل قوتها، ويعم شعاعها ونورها، ثم تبدأ في الضعف قليلاً قليلاً حتى ينتهي عمرها، وتتلاشى حرارتها وضوؤها، وهكذا هو حال الإنسان إن مدَّ الله له في العمر حتى تصيبه الشيخوخة والكبر. والمؤمن الموفق لا يزداد بطول عمره إلا خيراً، وطاعة وبراً، وعطاءً ونفعاً, وقد سئل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أي الناس خير؟ فقال: "من طال عمره وحسن عمله", قيل: فأي الناس شر؟ قال: "من طال عمره وساء عمله"[12] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=132&aid=1191#_ftn12).
وكان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يكثر من الدعاء بقوله "اللهم اجعل الحياة زيادة لي في كل خير, والموت راحة لي من كل شر" رواه مسلم[13] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=132&aid=1191#_ftn13).
وكم يذكرنا كرُّ الغداة ومرُّ العشي بأن الحياة مراحل, وأن كل مرحلة لها قيمتها ومكانتها, ولها كذلك واجباتها ووظائفها, وأن كل لحظة لها عمل يخصها، ومهمة ينبغي أن تستثمر فيها, ولا يغني زمان عن زمان, ولا عمل عن عمل, فينبغي لمن أراد الفلاح والنجاة أن يحرص على الاستفادة من عمره كله, وعلى استغلال أوقاته كلِّها, وليحذر من التسويف والتأخير، والتعلل بعسى ولعل, وعمل اليوم إذا فات لا يغني عنه عمل الغد, فلكل يوم واجباته، ولكل زمان تبعاته، ولكل لحظة وظيفة مطلوبة, وحساب قائم.

!
10-02-21, 01:39 AM
وإن شئت مصداق ذلك فتأمل في أحوال كثير من الناس, وكيف يمضون الساعات الطوال في فضول الطعام والكلام، وفضول الاستماع والنظر، وفضول المجالسة و المخالطة, لعب ولهو, وسهر متواصل، وأحاديث ليس من ورائها طائل، وجلسات لغوها كثير, ونفعها قليل, بل لا تستغرب حين تسمع من يشكو من الفراغ، ويتأفف من طول الوقت, وأنه يحاول قتل وقته والقضاء عليه! سبحان الله العظيم؟ أهكذا يقولون عن نعمة الفراغ؟ حقاً إنهم لم يعرفوا قدرها, ولم يحسنوا استغلالها, ولم يعلموا أن بهذه الأوقات التي يضيعونها يكون تحصيل خيري الدنيا والآخرة من قِبل أصحاب الهمم العالية، والاهتمامات الرفيعة, الذين أدركوا قيمة الوقت, ووفقوا لاستثماره، والانتفاع بكل لحظة من لحظاته.
ولو سألت هذا المضيع لأوقاته سدى: لماذا تقطع أرحامك؟ ولماذا تقصر في بر والديك أو تربية أولادك؟ ولماذا تقعد عن القيام بواجب الدعوة إلى الله؟ ولماذا تتقاعس عن طلب العلم, وتضعف همتك عن المنافسة فيه وبذل الجهد في تحصيله؟ لأجابك من غير تلكؤ ولا تردد: إنني مشغول. وما شغله إلا النوم والكسل, وقلة الطموح وضعف الهمة، وغلبة الهوى والشهوة، ولله در القائل:
والوقت أنفس ما عنيت بحفظه وأراه أسهل ما عليك يضيع[18] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=132&aid=1191#_ftn18)
إننا في هذه الأيام نودع عاماً شهيداً, ونستقبل عاماً جديداً, فيا ليت شعري! ماذا أودعنا في العام الماضي, وبماذا نستقبل العام الجديد؟ ليقف كل منا مع نفسه محاسباً، ولينظر في عامه الماضي كيف قضاه, وبماذا أملاه؟ ليحاسب نفسه, هل أدى فرائض الإسلام, وقام بها حق القيام, وهل وقف عند حدود الله, ولم ينتهك محارمه وحماه؟ هل أدى حقوق المخلوقين؟ وقام بما يجب عليه نحو والديه وأولاده وقرابته والناس أجمعين؟
هل حفظ لسانه وعينه وسمعه وفرجه عن الحرام؟ وهل جمع أمواله من طرق الحلال, وأنفقها في وجوه الحلال؟ يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "أيها الناس حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا, وزنوها قبل أن توزنوا, وتهيئوا للعرض الأكبر على الله، يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية"[19] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=132&aid=1191#_ftn19).
ومهما عشت يا ابن آدم فإلى السبعين أو التسعين, وهبك بلغت المئين, فما أقصرها من مدة، وما أقله من عمر؟! قيل لنوح عليه الصلاة والسلام وقد لبث في دعوة قومه ألف سنة إلا خمسين عاما: كيف رأيت الدنيا؟
فقال: كدار لها بابان دخلت من أحدهما وخرجت من الآخر[20] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=132&aid=1191#_ftn20).
حاسب نفسك على أي شيء تطوى صحائف هذا العام, فلعله لم يبق من عمرك إلا ساعات أو أيام.
تؤمل في الدنيا طويلاً ولا ندري إذا جن ليل هل تعيش إلى الفجر
فكم من فتى يمسي ويصبح آمنا وقد نسجت أكفانه وهو لا يدري
وكم من صحيح مات من غير علة وكم من عليل عاش حينا من الدهر[21] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=132&aid=1191#_ftn21).
وعظ النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ رجلاً فقال: "اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك, وصحتك قبل سقمك, وغناك قبل فقرك, وفراغك قبل شغلك, وحياتك قبل موتك" رواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي[22] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=132&aid=1191#_ftn22).

!
10-02-21, 01:40 AM
هكذا أوصانا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ باغتنام هذه الخمس قبل حلول أضدادها، ففي الشباب قوة وعزيمة, فإذا هرم الإنسان ضعفت قوته وفترت عزيمته. وفي الصحة نشاط وانبساط, فإذا مرض الإنسان انحط نشاطه, وضاقت نفسه, وثقلت عليه الأعمال. وفي الغنى راحة وفراغ, فإذا افتقر الإنسان اشتغل بطلب العيش لنفسه وعياله, وتوزعت همومه.
وفي الفراغ فرصة للتزود من الخيرات, والتقرب إلى الله بأنواع الطاعات: {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ}[23] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=132&aid=1191#_ftn23) أي: أتعب نفسك في طاعة الله.
وفي الحياة ميدان فسيح لصالح الأعمال, فإذا مات العبد حيل بينه وبين العمل, وانقطعت عنه أوقات الإمكان {حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ}[24] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=132&aid=1191#_ftn24).
وكما ينبغي للأفراد أن يقفوا مع أنفسهم للمراجعة والمحاسبة, فإن الجماعات والأمم لا بد لها من وقفات في مراحل كفاحها ونضالها, تستعرض ما مضى من أيامها, وتتبين حساب ما ربحته وحصلت عليه, وتبعات ما تحملته وتعرضت له, ثم ترسم خطتها للمستقبل بما يجنبها العثار والزلل, ويعينها على سداد المنهج والعمل. وخير الأمم من لم يبطرها كسب حصلت عليه مهما كان عظيماً, ولم يضعفها بأس تعرضت له, أو شدة ذاقت مرارتها مهما كانت مرة وقاسية، بل تمضي على الطريق ساعية كاسبة, عاملة مجاهدة, آملة راجية.
ولقد مر بأمة الإسلام في هذا العام محنٌ شدادٌ ومصائب عظام، ولعل أبرزها تلك الحملات الشرسة، والحروب الظالمة التي تشن على إخواننا في فلسطين والعراق وأفغانستان والشيشان والصومال والسودان، وغيرها، حتى صارت دماء المسلمين أرخص الدماء، وحماهم مباحاً لكل دعي ودخيل.
حين يقتل أو يخطف يهودي أو نصراني, أو حتى بوذي وثني، تقوم الدنيا ولا تقعد، وترغي وتزبد، وتتحرك الهيئات الدولية، وتستنفر وسائل الإعلام، ويعبأ الرأي العالمي لاستنكار ما حدث، وللثار ممن قتل! أما المسلمون فلا بواكي لهم، تباد شعوب بأكملها، وتشرد عن أوطانها، وتنتهب خيراتها وممتلكاتها، وتستباح أعراضها وحرماتها، فلا تكاد تسمع منكراً، أو تجد مغيثاً وناصراً.
وصار حالنا كما قال الشاعر:
قتل امرئ في غابة جريمة لا تغتفر وقتل شعب كامل مسألة فيها نظر
ومع ذلك فإن أملنا بالله عظيم، وثقتنا بنصره كبيرة، وهذه الضربات وإن كانت موجعة إلا أنها ستكون موقظة ودافعة، وإذا اشتد الظلام آذن الصبح بالانبلاج.
والليل إن تشتد ظلمته فهذا الفجر لاح
والله تعالى يقول: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب}[25] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=132&aid=1191#_ftn25)

!
10-02-21, 01:40 AM
عاشوراء: يوم النصر العظيم عاشوراء: يوم النصر العظيم د. عبدالعزيز بن فوزان الفوزان (المشرف العام) الاربعاء 06 محرم 1431 الموافق 23 ديسمبر 2009 عدد القراء : 2648 http://www.islammessage.com/media_bank/image/2008/1/15/1_2008115_974.jpg

الصراع بين الحق والباطل، وبين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان قديم قدم البشرية ذاتها، ولن يزال مستعراً مشبوباً إلى قيام الساعة، وهذه سنة الله في خلقه، وهي مقتضى حكمته ورحمته، قال الله عز وجل: {الَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاء الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا}، وقال تعالى: {ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاء اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ}. فالله تعالى قادر على أن يهلك الظالمين في لحظة، ويأخذهم على حين غرة، ولكنه ابتلى بهم عباده المؤمنين ليكشف معادنهم، ويمتحن صدقهم وصبرهم، وجهادهم وبذلهم، فبالابتلاء يتميز المؤمن الصادق من الدعي المنافق, ويتبين المجاهد العامل من القاعد الخامل.
ولقد قصَّ الله لنا فصولاً كثيرة من هذا الصراع بين المؤمنين والكافرين، ومن هذه القصص العظيمة: قصة موسى عليه الصلاة والسلام مع فرعون مصر في عهده، التي تكرر ذكرها في القرآن فيما يقارب ثلاثين موضعاً، وهي أكثر القَصص القرآني تكراراً، وذلك لمشابهتها لما كان يعانيه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من صناديد قريش وفراعين هذه الأمة, ولما فيها من التسلية والتأسية له وللمؤمنين، حينما يشتد عليهم أذى الكفار والمنافقين، ولما اشتملت عليه من العظات البالغة، والدروس والحكم الباهرة، والحجج والآيات القاطعة.

!
10-02-21, 01:41 AM
وتبدأ قصة موسى مع فرعون, منذ أن كان موسى حملاً في بطن أمه، فقد قيل لفرعون: إن مولوداً من بني إسرائيل سيولد، وسيكون على يديه هلاكك وزوال ملكك.
وإسرائيل هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم الصلاة والسلام، وقد نزح إسرائيل وأولاده من الشام إلى مصر في عهد ابنه يوسف عليه السلام، كما حكى الله لنا ذلك في سورة يوسف، وكان عددهم آنذاك ثمانين شخصاً، ثم لم يزل عددهم ينمو، ونسلهم يتكاثر حتى بلغوا في عهد فرعون الطاغية ستمائة ألف إنسان.
وعندما أخبر فرعون أن زوال ملكه سيكون على يد غلام من بني إسرائيل ثارت ثائرته وأصدر أوامره الجائرة بقتل أبنائهم واستحياء نسائهم، حذراً من وجود هذا الغلام، ولكن ما قدر كان، ولن يغني حذر من قدر{وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ}، واحترز فرعون كل الاحتراز أن لا يوجد هذا الغلام، حتى جعل رجالاً وقابلات يدورون على النساء الحوامل، ويعلمون ميقات وضعهن، فلا تلد امرأة ذكراً إلا أجهز عليه من ساعته.
وكان هارون عليه السلام قد ولد قبل بدء هذه المحنة، فأنجاه الله من كيد فرعون. وقيل: إنه كان أصغر من موسى، ولكن فرعون حين أسرف في قتل أبناء بني إسرائيل قيل له: إنه لن يبقى منهم أحد يقوم بخدمتك وخدمة ملئك، فقرر أن يقتل أبناءهم عاماً، ويذرهم عاماً، فوافقت ولادة هارون في السنة التي كان لا يقتل فيها, والله أعلم.
وأما موسى عليه السلام فإنه لما حملت به أمه حرصت على إخفاء حملها خوفاً عليه من القتل، وكان خوفها عليه يزداد مع مروم الأيام وقرب وقت المخاض، ولما وضعته ذكراً أسقط في يدها، وضاقت عليها الأرض بما رحبت، وركبها من الهم والخوف ما لا يعلمه إلا الله، وكان خوفها عليه أضعاف أضعاف فرحها بقدومه، ولكن الله جل وعلا ألهمها بما يثبت به فؤادها، كما قال تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} فاستجابت أم موسى لهذا الإلهام، وصنعت لابنها صندوقاً، وألقته في نهر النيل، حيث كانت دارها مجاورة له، ألقته في النهر وكأنما ألقت معه عقلها وقلبها، فأصبح صدرها خالياً من الطمأنينة، خالياً من الراحة والاستقرار، ولولا أن الله ربط على قلبها بالإيمان، وشد عزمها باليقين، لكشفت السر وأفسدت التدبير {وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} ويمضي الموج بالوليد الضعيف داخل الصندوق، يحفه الله بعنايته، ويكلؤه بحفظه ورعايته، حتى بلغ قصر فرعون، فالتقطه آل فرعون، ولما فتحوا التابوت وجدوا فيه ذلك الغلام الضعيف. ولكن رب الأرباب، ومالك القلوب والألباب، يلقي في قلب آسية زوجة فرعون فيضاً من الرحمة والرأفة والحنان على هذا الطفل الرضيع: {وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} وكانت آسية عاقراً لا تلد، وقوله تعالى: {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ}، أي: كدناهم هذا الكيد، وجعلناهم يلتقطون موسى ليكون لهم عدواً وحزنا وهم لا يشعرون، وقد أنالها الله ما رجت منه من النفع والخير, فهداها الله بسببه، وجعلها من أهل جواره وجنته. ولكن هذا الطفل المحفوف بعناية الله يفاجئهم بأنه لا يقبل ثدي امرأة ليرضع، فحاروا في أمره، واجتهدوا في تغذيته بكل ممكن، وهو لا يزداد إلا رفضاً واستعصاء، ولا يزيدهم إلا عنتاً وحيرة، وبينما هم كذلك إذا بأخته تقبل عليهم، وكانت أمها قد أمرتها بأن تتابع أخاها وهو في الصندوق، وأن تقفو أثره، لتعلم مستقره، وتستطلع خبره: {وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ} ففرحوا بذلك فرحاً شديداً، وذهبوا معها إلى منزلهم، فلما رأته أمه ما كادت تصدق عينيها، فأخذته وضمته إلى صدرها وألقمته ثديها، فأخذ يرضع بنهم شديد، وهم في غاية الدهشة والسرور.

!
10-02-21, 01:41 AM
وهكذا يأبى الله عز وجل إلا أن يحمل آل فرعون هذا الوليد إلى أمه التي خافت عليه منهم، ثم يعطوها مع ذلك أجرة إرضاعها له، ويتعهدوا وليدها بالتربية والرعاية، قال الله تعالى: {فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ}. وما زالت الأيام تمضي، والأعوام تترى، وكبر موسى وبلغ أشده، وآتاه الله حكماً وعلماً، فصار يأمر وينهى، ويقول فيسمع، ويشفع فيشفع، ولا غرو فهو ابن فرعون بالتبني، وهو ربيبه وواحد من أهل بيته، قال الله تعالى: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ}. وبعد حين وقع في محنة عظيمة، حيث قتل رجلاً من قوم فرعون ما كان يريد قتله، وتخوف من الطلب، ففر هارباً إلى أرض مدين، ولبث فيهم عشر سنين، تزوج في أثنائها، ثم عاد إلى أرض مصر مع أهله، وفي الطريق إليها أكرمه الله برسالته، وأوحى إليه بوحيه، وكلمه كفاحاً من غير واسطة ولا ترجمان، وأرسله إلى فرعون بالآيات القاطعات والسلطان المبين، ولكن فرعون عاند وكابر، {فَكَذَّبَ وَعَصَى*ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى*فَحَشَرَ فَنَادَى*فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} وادعى أن ما جاء به موسى سحر، وأن عنده من السحر ما يبطله، وجمع السحرة من جميع أنحاء مملكته، فألقوا ماعندهم من السحر، {فَلَمَّا أَلْقَواْ قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُم بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ*وَيُحِقُّ اللّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ} {فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ} {فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ*فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَانقَلَبُواْ صَاغِرِينَ*وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُواْ آمَنَّا بِرِبِّ الْعَالَمِينَ*رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ} ولما انقطعت حجة فرعون، وخاب كيده، وانكشف باطله وزيفه، لجأ إلى القوة والبطش، والتهديد والوعيد، والتعذيب والتنكيل، والملاحقة والتشريد، وإرهاب الناس بالنار والحديد. إنه منطق الطغيان العاتي كلما أعوزته الحجة، وخذله البرهان، وخاف أن يظهر الحق، ويتمكن أهله ورواده.
ثم أرسل الله عز وجل على فرعون وقومه آيات عجيبة وعقوبات متنوعة: من الطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ}، ولكنها والعياذ بالله لم تزدهم إلا عناداً واستكباراً، وظلماً وعدواناً، يقول الله تعالى: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلاَتٍ فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ} ولما تمادى فرعون في طغيانه وإيذائه لموسى ومن معه، أوحى الله إلى موسى أن يخرج بالمسلمين من أرض مصر ليلاً، فخرجوا قاصدين بلاد الشام.
فلما علم فرعون بخروجهم جمع جيشه، وجند جنوده من شتى أنحاء مملكته ليلحقهم ويمحقهم في زعمه: {فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ * إِنَّ هَؤُلَاء لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ * وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ * وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ}.
فخرج فرعون وجنوده بكل صلف وكبرياء يتتبعون أثرهم، حتى أدركوهم عند البحر الأحمر {فَلَمَّا تَرَاءى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ} فالبحر أمامهم، والعدو خلفهم!! فأجابهم موسى بلسان المؤمن الواثق بأن الله معه ولن يضيعه، وقال لهم بكل طمأنينة وثبات: {كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ}، فأوحى الله إليه أن اضرب بعصاك البحر، فضربه وهو يتلاطم بأمواجه، فانفلق بإذن الله اثني عشر طريقاً يابساً، وصار هذا الماء السيال، وتلك الأمواج العاتيات، كأطواد الجبال الراسيات، فانحدروا فيه مسرعين مستبشرين، ودخل فرعون وجنوده في أثرهم لاهثين سادرين، فلما جاوزه موسى وقومه وتكاملوا خارجين، وتكامل فرعون وقومه داخلين، أطبقه الله عليهم وأغرقهم أجمعين: {وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَّا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى * فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُم مِّنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ * وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى} وهذا هو مصير أعداء الله في كل حين، وتلك هي عاقبة المكذبين الضالين، وما ربك بظلام للعبيد، وصدق الله: {فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}.

!
10-02-21, 01:42 AM
ويستفاد من هذه القصة أيضاً:
أن العاقبة للمتقين، والنصر حليفهم، متى ما تمسكوا بدينهم، واستنزلوا النصر من ربهم: {وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ * يَوْمَ لَا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ}.
ويستفاد منها كذلك:
أن الباطل مهما انتفخ وانتفش، وتجبر وتغطرس، وبالغ في الظلم والطغيان، وظن أنه لا يمكن لأحد أن ينازعه، أو يرد كيده وباطله، أو يهزم جنده وجحافله، فإن مصيره إلى الهلاك، وعاقبته هي الذلة والهوان، فهذا فرعون الطاغية بلغ به التكبر والغرور أن يدعي الألوهية، وأن يعلن للناس بكل جرأة وصفاقة: {مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي} وأن يقول بملء فيه من غير حياء ولا مواربة: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} ثم يفتخر بقوته وسلطانه فيقول: {يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ} ثم يحتقر موسى عليه السلام وهو النبي الصالح والداعية الناصح فيقول: {أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ}، ولكنه حين حل به العذاب لم يغن عنه ملكه وسلطانه، ولا جنده وأعوانه، ولا تبجحه وادعاؤه: {فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى*إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَى}.
فيا ترى متى وقع هذا الحدث العظيم، وتحقق هذا النصر المبين؟!! لقد كان ذلك في اليوم العاشر من هذا الشهر الكريم: شهر الله المحرم. فقد روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: "قدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المدينة فرأى اليهود تصوم عاشوراء، فقال: "ما هذا اليوم الذي تصومونه؟ قالوا: هذا يوم عظيم، أنجى الله فيه موسى وقومه، وغرَّق فرعون وقومه، فصامه موسى شكراً فنحن نصومه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فنحن أحق وأولى بموسى منكم، فصامه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأمر بصيامه". وقد كان صيام يوم عاشوراء واجباً تلك السنة على الصحيح، فلما فرض صيام رمضان أصبح صيام عاشوراء سنة مؤكدة. تقول حفصة رضي الله عنها: "أربع لم يكن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يدعهن: صيام عاشوراء، والعشر، وثلاثة أيام من كل شهر، وركعتان قبل الفجر" رواه أحمد والنسائي وصححه الألباني. وعن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يأمر بصيام يوم عاشوراء، ويحثنا عليه، ويتعاهدنا عليه.." رواه مسلم. وسئل ابن عباس رضي الله عنهما عن صيام عاشوراء؟ فقال: "ما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صام يوماً يطلب فضله على الأيام إلا هذا اليوم" متفق عليه.

!
10-02-21, 01:42 AM
وهذا صريح في أن صيام هذا اليوم من أفضل أنواع الصيام، وبين النبي عليه الصلاة والسلام أن صيامه يكفر ذنوب سنة كاملة فقال: "صيام عاشوراء أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله" رواه مسلم. وروى مسلم أيضاً عن ابن عباس قال: "حين صام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم عاشوراء وأمر بصيامه قالوا: يا رسول الله! إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى؟ فقال: "فإذا كان العام القابل إن شاء الله صمت التاسع. فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم"، وفي صحيح مسلم أيضاً: "خالفوا اليهود، صوموا يوماً قبله أو يوماً بعده".
قال ابن القيم: "فمراتب صومه ثلاثة. أكملها: أن يصام قبله يوم وبعده يوم. ويلي ذلك: أن يصام التاسع والعاشر، وعليه أكثر الأحاديث. ويلي ذلك:إفراد العاشر وحده بالصوم"اهـ.
وبناءً عليه، فإن إفراد العاشر وحده بالصوم جائز، وبه يحصل الأجر المذكور في تلك الأحاديث، والأكمل صيام التاسع والعاشر، أو العاشر والحادي عشر، حتى تحصل المخالفة لأهل الكتاب.
وإن صمت يوماً قبله ويوماً بعده فهذا أحسن وأتم، حتى تستيقن صيام اليوم العاشر، خصوصاً إذا كان مشكوكاً في وقت دخول الشهر، ولأن السُنَّة صيام ثلاثة أيام من كل شهر، كما أن الصيام في شهر محرم له خصوصية ومزية على ما سواه، فقد روى الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "أفضل الصيام بعد رمضان: شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل".
وإن وافق عاشوراء أو اليوم الذي قبله أو بعده يوم الجمعة أو السبت فلا بأس بالصيام فيهما أو في أحدهما، لأن المنهي عنه هو إفراد الجمعة أو السبت بالصيام، لأجل أنه الجمعة أو السبت، أما إذا كان للصيام فيهما أو في أحدهما سبب شرعي يقتضيه، كيوم عاشوراء، أو يوم عرفة، أو صيام نذر أو قضاء، أو كان في شهر رمضان، أو محرم، أو شعبان، أو كان يصوم يوماً ويفطر يوماً فوافق أحدهما أو كليهما فلا نهي حينئذ. ويشبه ذلك الصلاة في أوقات النهي إذا كان لها سبب شرعي.
ومن المفارقات العجيبة:
ما حصل في هذا اليوم المبارك أيضاً من قتل سيد شباب أهل الجنة: الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وعن أبيه وأمه وآل بيته المطهرين، حيث قتل في فتنة عظيمة بين فئتين من المسلمين، وهي فتنة طهر الله منها أيدينا فلا نخوض فيها بألسنتنا، وإن كانت قلوبنا تعتصر لها ألماً وحسرة، ولله الأمر من قبل ومن بعد، ولو شاء ربك ما فعلوه!! ولكن الذي ينبغي التنبيه إليه: هو أن ما يفعله بعض الشيعة في هذا اليوم من البكاء والنواح، والندب والصراخ، والتسخط على قتل الحسين رضي الله عنه، وما يقومون به من تعذيب أنفسهم، وإسالة الدماء من وجوههم وصدورهم وظهورهم، ولطم خدودهم، ونتف شعورهم، والتقرب إلى الله بضرب أبدانهم بالسلاسل والسكاكين، ليس من الإسلام في شيء، وهو من البدع المحدثة، والمنكرات الظاهرة، ومن كبائر الذنوب التي تبرأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من مرتكبيها، فقال: "ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية" متفق عليه. وعن أبي موسى رضي الله عنه" أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم "برئ من الصالقة والحالقة والشاقة" متفق عليه. والصالقة: هي التي ترفع صوتها بالنياحة والندب. والحالقة: هي التي تحلق رأسها عند المصيبة. والشاقة: هي التي تشق ثوبها. فكل عمل يدل على الجزع والتسخط، وعدم الرضا بقدر الله فإنه محرم، وقد مات أفضل الخلق صلى الله عليه وسلم، ولم يرزأ مسلم بمثل الرزية بموته عليه الصلاة والسلام، و كذلك قتل خيرة أصحابه: عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم ظلماً وعدواناً، وبطرق إجرامية بشعة، وكلهم أفضل من الحسين رضي الله عنه، على جلالة قدره وعلو منزلته، ومع ذلك لم يفعل المسلمون قديماً ولا حديثاً ما يفعله الشيعة في ذكرى مقتل الحسين رضي الله عنه!! فنسأل الله تعالى أن يهدي قلوبهم إلى سواء الصراط.
ويضاف إلى ذلك ما في هذه الأعمال البدعية المؤذية للأبدان من حماقة وسفاهة، وتشويه لصورة الإسلام وأهله، وتنفير لغير المسلمين من الدخول فيه. وقد رأينا بعض وسائل الإعلام العالمية المعادية تحرص على نشر هذه الأعمال البدعية بالصوت والصورة، زاعمة أن هذا هو الإسلام، وهذا ما يفعله المسلمون في هذا اليوم من كل عام!!

!
10-02-21, 01:42 AM
وأشنع من هذا ما يفعله بعض هؤلاء المبتدعة من لعن الصحابة الأبرار، والمجاهرة بتكفيرهم والبراءة منهم!! وهذا لعمر الله من أعظم الظلم والضلال، وأنكر القبائح والمنكرات، بل إنه هدم للدين من أساسه، لأنهم حملته والمبلغون له، فمن طعن فيهم وفي عدالتهم فقد طعن بما حملوه من الكتاب والسنة، كما أنه يستلزم اتهام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالسذاجة والجهل، حيث لم يجد من يأتمنه على أعظم أمانة، ويتخذهم أولياء وبطانة إلا هؤلاء الكفار الخونة!! بل هو اتهام شنيع لرب العزة سبحانه في علمه وحكمته وقدرته، حيث لم يختر لصحبة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ومناصرته، وتبليغ دينه من هم أهل لذلك!!
ويقابل هؤلاء فرقة أخرى، ناصبوا الحسين رضي الله عنه العداوة والبغضاء، فيتخذون هذا اليوم عيداً، ويظهرون فيه الفرح والسرور، ويلبسون الجديد، ويتبادلون الهدايا، ويصنعون أطعمة غير معتادة. وهذا كله من البدع المحدثة، والضلالات المنكرة، والبدعة لا تعالج بالبدعة، والخطأ لا يصحح بالخطأ. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وقوم يستحبون الاكتحال والاغتسال، والتوسعة على العيال، واتخاذ أطعمة غير معتادة. وأصلها من المتعصبين بالباطل على الحسين رضي الله عنه، وكل بدعة ضلالة، ولم يستحب ذلك أحد من الأئمة الأربعة ولا غيرهم. ولا عند من استحب ذلك حجة شرعية. بل المستحب يوم عاشوراء الصيام عند جمهور أهل العلم" اهـ.
فاتق الله أيها المسلم، وعليك بالسنة والجماعة، فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار. ولتعلم أن منهج أهل السنة في الصحابة الكرام من آل البيت وغيرهم هو اعتقاد عدالتهم جميعاً، وأنهم أفضل هذه الأمة بعد رسولها صلى الله عليه وآله وسلم. ولهذا اختارهم الله تعالى لصحبته ونصرته، وتبليغ هديه وسنته. كما يدينون لله عز وجل بمحبتهم كلهم، والترضي عن جميعهم، ويسكتون عما شجر بينهم، وما حصل لهم من الفتن والمحن، ويعتقدون أنهم جميعاً مجتهدون مريدون للحق، فمن أصاب منهم فله أجران، ومن أخطأ فله أجر واحد وخطؤه مغفور. وأن أخطاءهم مهما عظمت فإنها مغمورة في بحور حسناتهم، التي من أعظمها صحبتهم لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجهادهم معه. رضي الله عنهم أجمعين، وجمعنا بهم في جنات النعيم. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العامين.

!
10-02-21, 01:44 AM
السؤال:
أنا شاب مسلم في بيئة نصرانية، ولا أستطيع أداء الصلاة في أوقاتها، فهل لي أن أجمع بين أكثر من فرض في وقت واحد؟ وذلك خوفاً على نفسي من إيذائهم.
الجواب:
إذا كان هذا الأخ لا يقدر على فعل الصلوات في أوقاتها؛ فلا مانع أن يجمع بين الظهر والعصر، إما جمع تقديم أو تأخير، ولا يفعل كل الصلوات في وقت واحد كما سأل، وله أن يجمع المغرب والعشاء في وقت واحد منهما، وهذا بالإمكان.
أما جمعها كلها تأخيراً أو تقديماً فلا يجوز، ويعمل قد استطاعته، ويرتب وقته للصلاة في أوقاتها، أو جمعاً لما يصح الجمع كما ذكرنا.
والله أعلم

!
10-02-21, 01:44 AM
السؤال:
مع اقتراب فصل الصيف يتغير وقت الصلاة بشكل كبير في أوروبا، فصلاة الصبح تصل إلى حدود الساعة الثانية أو الثالثة صباحاً في بعض الدول، و صلاة العشاء تقترب من منتصف الليل و أكثر أحيانا، وهذا أمر متعب جداً للمصلين؛ لأنهم يشتغلون النهار كله ثمان ساعات؛ لذلك صدرت مجموعة فتاوى في البلد الواحد، بالنسبة لصلاة الصبح موعدها الآن الساعة الثالثة إلا ربع، والشروق على الساعة السادسة إلا ثلث، أغلب المراكز الإسلامية يصلونها على الخامسة.
أما صلاة العشاء فهناك اختلاف كبير بين المراكز:
- فيهم من يجمع المغرب والعشاء في وقت المغرب، في حدود الساعة التاسعة والنصف ليلاً.
- فيهم من حدد ساعة معينة بعد المغرب لصلاة العشاء، تسمح للعديد من المصلين الحضور للمسجد.
- فيهم من أضاف ساعة وعشرة دقائق أو عشرين دقيقة بعد وقت المغرب.
سؤالنا: نحن في سويسرا نتبع من؟ رغم أن الالتزام بدخول وقت العشاء و انتظاره ساعات فيه مشقة كبيرة على الناس؛ لأن ما بين العشاء والصبح ثلاث ساعات على الأكثر، و مشقة ثانية لبعد المسجد عن سكنات الناس، و وجود مسجد واحد يؤمه أناس، يأتون عن بعد عشرات الكيلومترات، وأحيانا يأتون في الحافلات (الباص)، الذي يتوقف دوامه قبل منتصف الليل، فيفضل الناس المكوث في بيوتهم، وهجر جماعة المسلمين.. و جزاكم الله خيرا.
الجواب:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فالبلاد التي يتمايز فيها الليل من النهار بطلوع الفجر وغروب الشمس، يجب أن تصلى كل صلاة في وقتها، ولا يصح الجمع بين المغرب والعشاء؛ لمجرد تأخر وقت صلاة العشاء؛ لعموم قوله تعالى: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} [الإسراء:78] وقوله تعالى: {إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً} [النساء: 103] .
ولما ثبت عن بريدة -رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلاً سأله عن وقت الصلاة، فقال له: "صل معنا هذين" يعني: اليومين، فلما زالت الشمس أمر بلالاً فأذن، ثم أمره فأقام الظهر، ثم أمره فأقام العصر والشمس مرتفعة بيضاء نقية، ثم أمره فأقام المغرب حين غابت الشمس، ثم أمره فأقام العشاء حين غاب الشفق، ثم أمره فأقام الفجر حين طلع الفجر؛ فلما كان اليوم الثاني أمره فأبرد بالظهر، وصلى العصر والشمس مرتفعة، أخرها فوق الذي كان، وصلى المغرب قبل أن يغيب الشفق، وصلى العشاء بعد ما ذهب ثلث الليل، وصلى الفجر فأسفر بها، ثم قال: "أين السائل عن وقت الصلاة"؟ فقال الرجل: أنا يا رسول الله! قال: "وقت صلاتكم بين ما رأيتم". رواه البخاري ومسلم .
ففي اليوم الأول صلى الصلوات في أول الوقت، وفي اليوم الثاني أخرها إلى ما قبل خروج الوقت، ثم صلاها قبل أن يخرج وقتها، وأخبر أن الصلاة بين هذين الوقتين.
إلى غير ذلك من الأحاديث التي وردت في تحديد أوقات الصلاة الخمس قولاً وفعلاً، ولم تفرق بين طول النهار وقصره، وطول الليل وقصره، مادامت أوقات الصلوات متمايزة بالعلامات التي بينها رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا بالنسبة لتحديد أوقات صلاتهم.
وعليه: فالذي نراه أن تصلوا كل صلاة في وقتها، ولو شق الاجتماع في المسجد فلا مانع أن تصلي كل جماعة في مكانهم، ويكونون قد حصلوا على أجر الجماعة؛ لأن المسجد ليس شرطاً لتحقق الجماعة في المذاهب الأربعة السنية.
وأما تأخير وقت صلاة الفجر إلى ما قبل الشروق بساعة، فجائز وإن كان أداؤها أول الوقت أفضل، والله أعلم.
المصدر: مركز الفتوى بإشراف د.عبدالله الفقيه.

!
10-02-21, 01:45 AM
السؤال:
هل يجوز للمسلم إكرام الرفقاء غير المسلمين ويقدم لها طعامًا وشرابًا مما حرمه عليه الدين الإسلامي؟
الجواب:
الإسلام دين السماحة واليُسر والسهولة، وهو مع ذلك دين العدل، والإكرام من الآداب الإسلامية، لكن إذا كان كافرًا فيختلف الحُكم باختلاف قصد المكرِم له، وباختلاف ما يكرمه به؛ فإذا كان المقصود شرعيًّا؛ لكونه يريد إيجاد انسجام بينه وبينه، حتى يدعوه إلى الإسلام وينقذه من الكفر والضلال، فهذا قصد نبيل .
ومن القواعد المقررة في الشريعة أن الوسائل لها حُكم الغايات؛ فإذا كانت الغاية واجبة، وجبت الوسيلة، وإذا كانت الغاية محرَّمة حَرمت الوسيلة وهكذا .
وإذا لم يكن له مقصود شرعي في الإكرام، ولم يترتب على تركه ضرر جاز .
وأما إكرامهم بالطعام والشراب مما حرمه الله جل وعلا، كلحم الخنزيز والخمر، فهذا لا يجوز، فإن إكرامهم بذلك معصية لله، وطاعة لهم، وتقديمهم لحقهم على حق الله، والواجب على المسلم هو التمسك بدينه، وفي البلاد الأجنبية يظهر لتمسكه بدينه آثار جليلة؛ فيكون داعيًا إلى الإسلام بقوله وعمله .

!
10-02-21, 01:45 AM
السؤال:
هل يجوز تناول طعام الإفطار مع غير المسلمين كالهندوس والنصارى؟
الجواب:
الحمد لله.
يجوز تناول طعام الإفطار مع غير المسلمين إذا كانت هناك مصلحة شرعية في ذلك، كدعوتهم إلى الدين الحق، أو تأليف قلوبهم على الإسلام، أو نحو ذلك مما يرجى من حضورهم لتناول الإفطار من الموائد التي يضعها المسلمون للإفطار العام، كما يحصل في بعض الدول.
أما مجرد الأنس بهم والسرور بصحبتهم، فهو أمر خطير؛ إذ إن عقيدة الولاء والبراء من آكد أصول الدين، وأولى الواجبات على المؤمنين، وقد دل على هذا الأصل عدة آيات من كتاب الله، وأحاديث من سنة النبي صلى الله عليه وسلم.
فمن ذلك:
قوله تعالى: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [المجادلة:22]
وقوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا} [لنساء:144].
وقوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [المائدة: 51].
وقوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ } [آل عمران: 118].
وعلى هذا، فنية الاجتماع على هذا الإفطار هي التي تحدد حكمه .
والله أعلم.
المصدر: الإسلام سؤال وجواب.

!
10-02-21, 01:46 AM
السؤال:
السلام عليكم و رحمة الله وبركاته، هل يجوز سياقة سيارة أجرة في الغرب هنا؟ مع أن السائق قد يضطر لحمل أشخاص يحملون الخمر، أو صناديق خمر معهم في السيارة، كذلك لا تخلو من فتنة البنات العري؟ ما رأيكم؟ وهل هذا العمل حرام؟ و بارك الله فيكم.

الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
فلقد بحث المؤتمر الخامس لمجمع فقهاء الشريعة بأمريكا المنعقد بالمنامة بالبحرين هذه القضية، فيما بحث من الحرف والأعمال والوظائف خارج ديار الإسلام، وانتهى فيها إلى القرار التالي:
"القرار الحادي عشر: العمل في مجال قيادة سيارات الأجرة، عندما يكون في محمول الراكب أو على بدنه شيء من المحرمات، لا يجوز للسائق التعاقد على نقل المحرمات، كالخمر والخنزير ونحوه؛ لما ورد في الخمر من لعن حاملها، ولما تقرر في الشريعة عامة من أن الله تعالى إذا حرم شيئا حرم الإعانة المباشرة أو المقصودة على تداوله.
إذا جرى التعاقد على نقل الراكب، فإنه يغتفر ما يكون في محموله أو على بدنه من المحرمات؛ لأن العقد لم يرد ابتداء عليها، وإنما ورد على نقل الركاب، وهو في ذاته عمل مشروع، ما لم يعلن الراكب عن قصد محرم.
يكره للسائق التردد على الأماكن التي تشيع فيها الفاحشة والرذيلة، وتشتد الكراهية في الأوقات التي يكثر فيها التردد على هذه الأماكن، وتحمله إلى التعامل مع أصحابها، وفي غيرها متسع لعمله.
وبناء على هذا القرار: فلا حرج عليك فيما يكون بصحبة الراكب من المحرمات، ما دام التعاقد لم يقع عليها ابتداء، وإنما وقع على نقل الراكب نفسه، مع ملاحظة تجنب الإعانة في نقل ما يحمله من متاع محرم، وإنما يترك له مباشرة ذلك بنفسه، والله تعالى أعلى وأعلم.
المصدر: موقع مجمع فقهاء الشريعة بأمريكا.

!
10-02-21, 01:47 AM
السؤال:
اعتاد المسلمون هنا في (أمريكا) تقليد المسيحيين واليهود في إقامة حفل ديني بمناسبة مضي أربعين يوماً على الوفاة، فهل هذا موافق للشريعة الإسلامية؟ وهل هناك دليل على إباحته؟

الجواب:
لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عن أصحابه -رضي الله عنهم- ولا عن السلف الصالح إقامة حفل للميت مطلقاً، لا عند وفاته ولا بعد أسبوع أو أربعين يوماً أو سنة من وفاته، بل ذلك بدعة وعادة قبيحة كانت عند قدماء المصريين وغيرهم من الكافرين.
فيجب النصح للمسلمين الذين يقيمون هذه الحفلات وإنكارها عليهم؛ عسى أن يتوبوا إلى الله ويتجنبوها؛ لما فيها من الابتداع في الدين، ومشابهة الكافرين، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "بُعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يُعبد الله وحده لا شريك له، وجُعل رزقي تحت ظلي رمحي، وجُعل الذل والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم" . رواه أحمد في مسنده، عن ابن عمر رضي الله عنهما.
وروى الحاكم عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لَتركبن سنن من كان قبلكم شبرًا شبرًا وذراعًا بذراع، حتى لو أن أحدهم دخل جُحر ضب لدخلتموه". وأصله في الصحيحين، من حديث أبي سعيد رضي الله عنه.
فتاوى إسلامية – فتوى الشيخ ابن باز رحمه الله.

!
10-02-21, 01:47 AM
السؤال:
هل يجوز للأخوات أن يدخلن ويتعلمن في المدارس والجامعات المختلطة، حيث لا يوجد في بلاد الغرب إلا التعليم المختلط، ولكن الأخوات يلتزمن بالزي الإسلامي مع مضايقات الكفار؟

الجواب:
اختلاط الرجال والنساء في التعليم حرام ومنكر عظيم؛ فما فيه من الفتنة وانتشار الفساد وانتهاك المحرمات، وما وقع بسبب هذا الاختلاط من الشر والفساد الخلقي لهو من أوضح الدلائل على تحريمه، وإذا انضاف إلى ذلك كونه في بلاد الكفار كان أشد حرمة ومنعاً، وتعلم المرأة بالمدارس والجامعات ليس من الضرورات التي تستباح بها المحرمات، وعليها أن تتعلم بالطرق السليمة البعيدة عن الفتن، وننصحها بأن تستفيد من الأشرطة السليمة التي صدرت من علماء السنة، كما ننصحها وغيرها بالاستفادة من (نور على الدرب) في إذاعة القرآن الكريم في المملكة العربية السعودية .
وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
المصدر: فتاوى اللجنة الدائمة.

!
10-02-21, 01:48 AM
السؤال:
يسأل عن رجل مسلم تزوج بنصرانية، لكنه عقد بعقدهم وبقوانينهم وله أطفال؟

الجواب:
هذا خطأ، أرى أن ما يسمونه العقد المدني في محاكم هذه الدول غير المسلمة هذا لا بأس به، وهذا من توثيق العقود، وهو ما يحقق مقاصد الشريعة في حفظ مصلحة الزوجين وحفظ مصلحة الأولاد.
لكن لا يجوز أن يكون هو العقد الشرعي المعتمد عليه الذي به تستحل معاشرة هذه المرأة، الواجب عليه أن يعقد هذا العقد أولاً في المركز الإسلامي بحسب الشريعة الإسلامية، ويحصل فيه الإيجاب والقبول والولي والشهود، ثم بعد ذلك يوثقه بالمحكمة المدنية في أي بلد ولو كان بلداً غير مسلم.

!
10-02-21, 01:48 AM
السؤال:
في ولايتنا في أمريكا تم الخلاف حول صلاة عيد الأضحى إلى ثلاثة أقوال:
قول: نصلي يوم السبت، ونصوم الجمعة حسب اختلاف المطالع.
والثاني: نقتدي بالسعودية نصلي الجمعة ونصوم الخميس.
ورأي آخر: نصوم الخميس؛ لأن المسلمين يقفون بعرفة الخميس، ونصلي ونحتفل بالعيد السبت، فما رأيكم في ذلك؟ وكيف نقلل من حدة الخلاف؟

الجواب:
الاختلاف ممكن في رؤية هلال رمضان وهلال عيد الفطر، وإن كان الأفضل عند جمهور الفقهاء أن يصوم جميع المسلمين ويفطروا عند رؤية الهلال في أي قطر من الأقطار.
أما بالنسبة لعيد الأضحى فلا يجوز ذلك إطلاقاً، ولا ينظر في هلال ذي الحجة إلى الحساب، ولا إلى رؤية الأقطار، وإنما ينظر فقط إلى الأوقات التي يسير عليها الحجاج فعلاً، فيوم عرفة هو اليوم الذي يقف فيه الحجيج في عرفة فعلاً، ولا عبرة بالرؤية في جميع الأقطار، ولا بالحساب إذا خالف ذلك.
هذا في رأيي هو الاجتهاد الأصح، إلا أنه لا يمكن مصادرة عقول الناس وإلزامهم باجتهاد واحد، فالخلاف في مثل هذه الأمور كان موجوداً منذ القدم، وسيظل موجوداً إلى أن تقوم الساعة.
لكن ربط عيد الأضحى بالسعودية باعتبارها مكان أداء مناسك الحج هو الاجتهاد الأقرب لجمع الناس عليه.

!
10-02-21, 01:49 AM
السؤال:
هل يجوز أن أعمل محامياً في دولة تحكم بغير ما أنزل الله؟ وهل أَجري حلال أو حرام؟

الجواب:
الحمد لله!
من يكون وكيلاً عن غيره -وهو ما يسمى عرفاً: المحامي- في قضية ما في دولة تحكم بالقوانين الوضعية على خلاف الشريعة الإسلامية؛ فكل قضية يدافع فيها عن الباطل عالماً بذلك، مستنداً في دفاعه إلى القوانين الوضعية؛ فهو كافر إن استحل ذلك، أو كان مستهتراً لا يبالي بمعارضة الكتاب والسنة بما وضعه الناس من قوانين، وما يأخذه من الأجر على هذا فهو سحت.
وكل قضية يدافع فيها عن الباطل عالماً بذلك، معتقداً تحريمه، لكن حمله على ذلك طمعه في كسب القضية لينال الأجر عليها؛ فهو آثم، مرتكب لجريمة من كبائر الذنوب، وما يأخذه من الأجر على ذلك سحت لا يحل له.
أما إن دافع عن موكله في قضية معتقداً أنه محق شرعاً، واجتهد في ذلك بما يعرفه من أدلة التشريع الإسلامي؛ فهو مثاب على عمله، معذور في خطئه، مستحق للأجر على دفاعه.
وأما من دافع عن حق في الواقع لأخيه، وهو يعتقده حقاً؛ فهو مثاب، مستحق للأجر المتفق عليه مع من وكله). اهـ

!
10-02-21, 01:50 AM
السؤال:

في القرآن اللحوم حلال إلا الخنزير، ولكني أسأل: لماذا لم يرشدنا الإسلام إلى التقليل من أكل اللحوم الحمراء التي قال الأطباء: إنها تسبب ارتفاع الكلسترول الذي يتسبب في أزمات قلبية وانسداد في الشرايين؟



الجواب:

الحمد لله!

ينبغي أن يُعلم أولاً: أن القرآن الكريم كتاب هداية وتشريع، وليس كتاباً طبياً أو فلكياً؛ حتى يَطلُب البعض أن يُذكر فيه كل ما يتعلق بالطب أو الفلك أو النباتات أو الحيوانات.

قال الله تعالى: { كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ } [إبراهيم:1] ، وقال تعالى: { وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } [الأنعام:155] .

وفيما يتعلق بالأطعمة جاء القرآن الكريم بتحريم بعض الأطعمة وذكرها تفصيلاً، وجاء البعض الآخر في سنة النبي صلى الله عليه وسلم.

وجاء القرآن الكريم ببعض القواعد فيما يتعلق بالأطعمة.

ثم جاء بيان ذلك كله في السنة النبوية تفصيلاً.

ففي مقام التفصيل قال الله تعالى: { قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنْ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } [الأنعام:145] ، وقال تعالى: { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ } [المائدة:3] .

وفيما يتعلق ببعض القواعد: قال الله تعالى: { وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ } [الأعراف:31] .

فهذا نهي عن الإسراف في الأكل والشرب عموماً، ولا يختص ذلك بنوع معين من الأكل أو الشرب.

وهذا النهي العام عن الإسراف أبلغ وأكثر فائدة من مجرد النهي عن الإسراف في أكل اللحوم الحمراء أو غيرها؛ لأن هذا العموم يندرج تحته من المسائل الكثير والكثير.

قال ابن القيم رحمه الله في (زاد المعاد: 4/213) :

(فأرشد عباده إلى إدخال ما يُقيم البدن من الطعام والشراب، وأن يكون بقدر ما ينتفع به البدن في الكمية والكيفية، فمتى جاوز ذلك كان إسرافاً، وكلاهما مانع من الصحة جالب للمرض، أعني عدم الأكل والشرب، أو الإسراف فيه، فحفظ الصحة كله في هاتين الكلمتين). انتهى.

وقال الله تعالى في صفة النبي محمد صلى الله عليه وسلم: { وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ } [الأعراف:157] ، وقال تعالى: { يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ } [المائدة:4] .

فكل طيب فهو حلال، وكل خبيث فهو حرام.

وأما ما يتعلق بالسنة: فقد حرم النبي صلى الله عليه وسلم أكل كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير، وحرم أكل لحوم الحمر الأهلية.. وغيرها.

وبيَّن النبي صلى الله عليه وسلم ما ينبغي أن يكون عليه المؤمن في طعامه وشرابه فقال: " ما ملأ آدَميٌّ وعاءً شرًّا مِن بطنٍ، بِحَسْبِ ابن آدم أُكُلاتٌ يُقِمنَ صُلْبَهُ، فإن كان لا مَحالَةَ؛ فَثُلُثٌ لطَعَامهِ، وَثُلُثٌ لشَرَابهِ، وَثُلُثٌ لنَفَسهِ " رواه الترمذي (2380)، وصححه الألباني في صحيح الترمذي .

وحرم النبي صلى الله عليه وسلم كل ضار، من الأطعمة والأشربة وغيرها، فقال : " لا ضرر ولا ضرار " رواه ابن ماجه (2340)، وصححه الألباني في إرواء الغليل (896) .

فقد يكون الطعام حلالاً من حيث الأصل، ولكنه بسبب الإسراف في أكله يؤدي إلى الضرر؛ فيكون حراماً، وهذا لا يختص باللحوم، بل كل شيء يتضرر الإنسان بأكله يكون حراماً، حتى التمر.

فقد ذكر العلماء أنه يحرم أكل ما يضر.

وانظر: (المجموع: 9/39) .
فإذا ثبت أن طعاماً معيناً ضار؛ فإنه يحرم أكله، لكن يجب التنبه إلى أن ضرر الطعام قد يختلف باختلاف الأشخاص والبلدان، فلا يجوز تعميم القول بالتحريم، وإنما يحرم على من يضره فقط، إذا أكل القدر الذي يضره.

!
10-02-21, 01:50 AM
السؤال:

بخصوص اللحم والدجاج والسمك الذي نتناوله في مطاعم البلاد غير الإسلامية، حيث أنهم لا يتبعون الطريقة الإسلامية، هل يكفي أن نقول: بسم الله على ذلك اللحم؟



الجواب:

الحمد لله!

ما يعرض من اللحوم في بلاد الكفار أنواع:

- أما السمك فهو حلال بكل حال؛ لأن حله لا يتوقف على تذكيته ولا على التسمية.

- وأما بقية الأنواع فإن كان الذين ينتجون اللحوم من شركات أو أفراد هم من أهل الكتاب من اليهود أو النصارى، ولا يعرف من طريقتهم أنهم يقتلون الحيوان بالصعق الكهربائي، أو الخنق، أو ضرب الحيوان على رأسه، مثل ما هو معروف في الغرب؛ فهذه اللحوم حلال، قال تعالى: { الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ } [المائدة:5] .

وإن كانوا يقتلون الحيوان ببعض هذه الطرق فاللحوم حرام؛ لأنه حينئذ تكون من المنخنقة والموقوذة.

وإن كان الذين ينتجون اللحوم من غير اليهود والنصارى فاللحوم التي يعرضونها حرام، قال تعالى: { وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ } [الأنعام:121] .
فعلى المسلم أن يجتهد في اجتناب الحرام البيِّن، واتقاء المشتبهات؛ حرصاً على سلامة دينه، وسلامة بدنه من التغذي بالحرام.

!
10-02-21, 01:51 AM
السؤال:

ما حكم الإضراب عن العمل لتحقيق بعض المطالب للعامل أو تحسين بعض الأوضاع؟



الجواب:

الحمد لله!

إن الإضراب إخلال في عقد العمل بين العامل من جهة وصاحب العمل من جهة أخرى، ولقد دعا الله عز وجل في كتابه الكريم إلى الالتزام والوفاء بالعهود والمواثيق التي يقطعها الإنسان على نفسه تجاه الغير، ولا بد أن يقوم العامل بجميع الأعمال الموكلة إليه على الوجه الذي يرضي الله تعالى؛ مصداقاً لقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ } [المائدة:1] .

وقد يصاحب الإضراب بعض المفاسد وأعمال الشغب ومظاهر العنف، وهذا ما لا يرتضيه الشارع بناء على القاعدة الفقهية: (درء المفاسد أولى من جلب المنافع)، وهناك العديد من الوسائل التي يمكن اللجوء إليها لتحقيق المطالب، وقد تكون أكثر فاعلية وجدوى من الإضراب، والإنسان العاقل لا يترك باباً وفق أسس سليمة شرعية إلا وطرقه.

أما الانقطاع عن العمل بسبب عدم دفع الأجور والرواتب فهذا جائز؛ لأن رب العمل أخل بالعقد، فللعامل أن ينقطع عن العمل حتى يدفع له أجره، وقد قال عليه الصلاة والسلام: " أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه " رواه ابن ماجه .
والله أعلم.

!
10-02-21, 01:51 AM
السؤال:

يوجد مصنع لصنع التحف الزجاجية، كحوامل العطور والشمعدانات وتصديرها للخارج، وعرض عليَّ بأن أكون مسؤولاً عن التصدير، ولكن المصنع يطلب مني في أعياد النصارى (الكريسماس) عمل بعض التحف الزجاجية الخاصة بعيدهم، كالصلبان والتماثيل، فهل هذا العمل يجوز، حيث إنني أخشى من الله بعد أن مَنَّ عليَّ ببعض العلم وبحفظ كتابه؟



الجواب:

الحمد لله!

لا يجوز لأحدٍ من المسلمين أن يشارك في أعياد الكفَّار، سواء بحضور أو تمكين لهم بإقامته، أو ببيع مواد وسلع تتعلق بتلك الأعياد.

كتب الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله إلى وزير التجارة قائلاً: من محمد إبراهيم إلى معالي وزير التجارة سلمه الله!

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

ذُكر لنا أن بعض التجار في العام الماضي استوردوا هدايا خاصة بمناسبة العيد المسيحي لرأس السنة الميلادية، من ضمن هذه الهدايا شجرة الميلاد المسيحي، وأن بعض المواطنين كانوا يشترونها ويقدمونها للأجانب المسيحيين في بلادنا مشاركة منهم في هذا العيد.

وهذا أمر منكر ما كان ينبغي لهم فعله، ولا نشك في أنكم تعرفون عدم جواز ذلك، وما ذكره أهل العلم من الاتفاق على حظر مشاركة الكفار من مشركين وأهل كتاب في أعيادهم.

فنأمل منكم ملاحظة منع ما يرد إلى البلاد من هذه الهدايا وما في حكمها مما هو من خصائص عيدهم.

(فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم 3 / 105).

وسئل الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله:

بعض المسلمين يشاركون النصارى في أعيادهم، فما توجيهكم؟

فأجاب:

لا يجوز للمسلم ولا المسلمة مشاركة النصارى أو اليهود أو غيرهم من الكفرة في أعيادهم، بل يجب ترك ذلك؛ لأن " مَن تشبَّه بقوم فهو منهم " ، والرسول عليه الصلاة والسلام حذرنا من مشابهتهم والتخلق بأخلاقهم، فعلى المؤمن وعلى المؤمنة الحذر من ذلك، ولا تجوز لهما المساعدة في ذلك بأي شيء؛ لأنها أعياد مخالفة للشرع، فلا يجوز الاشتراك فيها، ولا التعاون مع أهلها، ولا مساعدتهم بأي شيء؛ لا بالشاي ولا بالقهوة ولا بغير ذلك، كالأواني وغيرها؛ ولأن الله سبحانه يقول: { وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } [المائدة:2] ، فالمشاركة مع الكفرة في أعيادهم نوع من التعاون على الإثم والعدوان.

(مجموع فتاوى الشيخ ابن باز 6 / 405).

وفي بيان لعلماء اللجنة الدائمة حول المشاركة باحتفالات الألفية قالوا:

سادساً: لا يجوز لمسلم التعاون مع الكفار بأي وجه من وجوه التعاون في أعيادهم، ومن ذلك: إشهار أعيادهم وإعلانها، ومنها الألفية المذكورة، ولا الدعوة إليها بأية وسيلة، سواء كانت الدعوة عن طريق وسائل الإعلام، أو نصب الساعات واللوحات الرقمية، أو صناعة الملابس والأغراض التذكارية، أو طبع البطاقات أو الكراسات المدرسية، أو عمل التخفيضات التجارية والجوائز المادية من أجلها، أو الأنشطة الرياضية، أو نشر شعار خاص بها. اهـ.

وعليه: فلا يجوز لك –أخي- المشاركة في صنع شيء يتعلق بأعياد الكفار، واترك هذه الوظيفة لله تعالى، وسيبدلك الله خيراً منها إن شاء.
والله أعلم.

!
10-02-21, 01:52 AM
السؤال:
من فضلك يا شيخنا العزيز!
قد دخل بيني وبين إخواني المسلمين مناقشة دين الإسلام وهي أن بعض المسلمين في غانا يعظمون عطلات اليهود والنصارى ويتركون عطلاتهم، حتى كانوا إذا جاء وقت العيد لليهود والنصارى يعطلون المدارس الإسلامية بمناسبة عيدهم، وإن جاء عيد المسلمين لا يعطلون المدارس الإسلامية، ويقولون: إن تتبعوا عطلات اليهود والنصارى سوف يدخلون دين الإسلام.
يا شيخنا العزيز! عليك أن تُفَهِّم لنا أفعالهم هل هي صحيحة في الدين أو لا؟

الجواب:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه.
وبعد:
أولاً: السنة إظهار الشعائر الدينية الإسلامية بين المسلمين وترك إظهارها مخالف لهدي الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد ثبت عنه أنه قال: " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ.. " الحديث.
ثانياً: لا يجوز للمسلم أن يشارك الكفار في أعيادهم ويظهر الفرح والسرور بهذه المناسبة، ويعطل الأعمال، سواء كانت دينية أو دنيوية؛ لأن هذا من مشابهة أعداء الله المحرمة، ومن التعاون معهم على الباطل، وقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من تشبه بقوم فهو منهم " ، والله سبحانه يقول: { وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } [المائدة:2] .
وننصحك بالرجوع إلى كتاب (اقتضاء الصراط المستقيم) لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله؛ فإنه مفيد جداً في هذا الباب.
وبالله التوفيق.
وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

!
10-02-21, 01:53 AM
السؤال:
هل يجوز أكل اللحم في مطاعم تقدّم الخنزير والخمر ولسنا متأكدّين من أنّ اللحم مذبوح على الطريقة الإسلامية علما أن اللحوم بما فيها الخنزير تخزّن في ثلاجة واحدة وتطبخ بنفس الأدوات؟

الجواب:
الحمد لله
الذي ينبغي والحالة هذه على الإنسان المسلم اجتناب الأكل في هذه المطاعم وأن يتحرّى اللحم الحلال والمكان الحلال ولو كان في ذلك شيء من الصعوبة ، نظرا لأهمية إطابة المطعم في الإسلام . والله أعلم

الإسلام سؤال وجواب

!
10-02-21, 01:53 AM
السؤال:
المرأة التي توفي زوجها تبقى مدة العدة في حداد، فما هي الأشياء التي تمنع منها المرأة في زمن الحداد ؟.
الجواب:
الحمد لله
المحظور على المرأة زمن الحداد:
أولاً: ألا تخرج من بيتها إلا لحاجة مثل أن تكون مريضة تحتاج لمراجعة المستشفى، وتراجعه بالنهار، أو ضرورة مثل أن يكون بيتها آيلاً للسقوط فتخشى أن يسقط عليها، أو تشتعل فيه نار، أو ما أشبه ذلك .
قال أهل العلم : وتخرج في النهار للحاجة، وأما في الليل فلا تخرج إلا للضرورة .
ثانياً: الطيب لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى المحادّة أن تتطيب إلا إذا طهرت فإنها تأخذ نبذة من أظفار ( نوع من الطيب ) تتطيب به بعد المحيض ليزول عنها أثر الحيض .
ثالثاً: ألا تلبس ثياباً جميلة تعتبر تزيناً، لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك وإنما تلبس ثياباً عادية كالثياب التي تلبسها في بيتها بدون أن تتجمل .
رابعاً: ألا تكتحل، لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك، فإن اضطرت إلى هذا فإنها تكتحل بما لا يظهر لونه ليلاً وتمسحه بالنهار .
خامساً: ألا تتحلى، أي لا تلبس حلياً، لأنه إذا نهي عن الثياب الجميلة فالحلي أولى بالنهي .
ويجوز لها أن تكلم الرجال، وأن تتكلم بالهاتف، وأن تأذن لمن يدخل بالبيت ممن يمكن دخوله، وأن تخرج إلى سطح البيت في الليل وفي النهار، ولا يلزمها أن تغتسل كل جمعة كما يظنه بعض العامة، ولا أن تنقض شعرها كل أسبوع .
وكذلك أيضاً لا يلزمها بل لا يشرع لها إذا انتهت العدة أن تخرج معها بشيء تتصدق به على أول من يلاقيها فإن هذا من البدع .

( 70 سؤالاً في أحكام الجنائز ص 35) لفضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين .

!
10-02-21, 01:54 AM
السؤال:
هل يجوز إلقاء خطبة الجمعة حسب اللهجات المحلية، أم أنه يجب أن تلقى باللغة العربية؟

الجواب:
الحمد لله!
خطبة الجمعة عبادة لا تسوغ باللهجات العامية، لكن إذا لم يوجد من يحسن العربية فلا بأس أن تؤدى بما يفهمه الحاضرون، وإذا كان الحاضرون لا يفهمون العربية فلا مانع أن يترجم لهم بعد الصلاة ما يحتاجون إليه، أو يوضح لهم بلهجتهم ما تدعو الحاجة إليه.

!
10-02-21, 01:54 AM
السؤال:
أنا شاب ملتزم -إن شاء الله- أود متابعة الدراسة في بلاد الغرب (أوروبا)؛ نظراً لارتفاع نسبة البطالة في بلادي، وأريد أن تفتوني في هذا، بالإضافة إلى أني أريد معرفة حكم لبس اللباس الغربي، وحلق اللحى وتهذيبها، وجزاك الله ألف خير؟
الجواب:
إذا كان ثمة حاجة إلى الدراسة في أوروبا؛ فلا حرج عليك إن شاء الله، كأن يكون ثمة تخصص لا يوجد إلا هناك، أو لا يتيسر لك الدراسة في غيرها، وعليك بالتقوى، ومصاحبة الأخيار، والمشاركة في الأعمال الخيرية والمراكز الإسلامية، ويجوز لك لبس البنطال ونحوه من الملابس الساترة، أما اللحية وتهذيبها فيصلك فتوى سابقة..

!
10-02-21, 01:55 AM
السؤال:
أنا فتاة، وأهلي سوف يسافرون لقضاء عطلة الصيف في بلد أوربية (بريطانيا)، ما حكم ذهابي معهم لهذه البلد (لندن)، مع العلم أنني لا أستطيع أن أمنعهم من السفر إلى هذه البلد، ولا أستطيع أن أمتنع عن السفر، بالرغم من وجود أبي وبعض إخواني في البيت، إلا أنني مرتبطة بوالدتي ولا أستطيع أن أمكث في البيت بدونها؟

الجواب:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
أما بعد:
أختي الفاضلة! قرأت سؤالك، وتأملت معاناتك مليِّاً، فتوارد عليّ شعوران تجاذباني، وهما في غاية التنافر والاختلاف:
يتملَّكني شعورٌ بالإعجاب والإكبار لعقلك، فإني لأرى نضجه وأتلمس رجحانه في موقفك من مسألة السفر هذه، وكأني بك راغبة عنه لولا تعلّقك بأمِّك.
لقد أعجبني منك هذا التعقُّل، وأكبرت فيك هذا التردد؛ فقلَّ أن تتردد فتاةٌ في مثل عمرك في هذا السفر، فضلاً عن أن تستفتي فيه أحداً!
وينتابني شعورٌ بالأسى والحسرة لهذه الظاهرة الخطيرة، ألا وهي السفر لبلاد الكفر بالمال والأهل والولد، فالمال يذهب إلى الأعداء، والأهل والولد يرجعون بغير ما ذهبوا به، محمَّلين بالأوزار والشبهات والعادات السيئة، ويكفي منها التسخط على أوضاع المجتمع المحافظ نوعاً ما.
أختي الفاضلة! قد تكون المقاصد والبواعث بريئة لا تخرج في بداياتها عن مجرد النفرة من حر الصيف اللافح، وقصدِ التمتُّع بالطبيعة، وتغيير نمط الحياة الرتيب!
لكن هل الذي يحدث هو فعلاً هذا؟ وهل تنتهي كما بدأتْ؟!
الغالب -وبشهادة الواقع- من أحوال هؤلاء السائحين في بلاد الكفر هو التجوُّزُ في كثير من المنكرات، والتردّد على مواطن ترتادها شياطين الإنس والجن؛ لتستثير كوامن الفتنة والشهوة.
ولذا فنصيحتي إليك أن تجتهدي في صرف أهلك عن السفر إلى بريطانيا (أو غيرها من بلاد الكفر) إلى بلاد إسلامية محافظة، ولا تستيئسي في دعوتهم ونصحهم، ولكن باللين والرفق.
فإن أبوا إلا السفر إلى هنالك؛ فعليك بتذكيرهم بوجوب الاحتشام، والبعد عن مواطن الرذيلة، وتذكيرهم بأن تقوى الله والالتزام بشرعه لا يحده حدود دولة، ولا يختص بمكان دون مكان، ولا بزمانٍ دون زمان، بل الأمر على قاعدة: (اتق الله حيثما كنت).
إن كونهم عازمين على السفر لا يعفيك من النصيحة لهم، وتذكيرهم بتقوى الله وتحذيرهم من مغبة معصيته.
كما أن رفضهم لنصحك إياهم بترك السفر لتلك الديار لا يعني أنهم لن ينتصحوا لك فيما سوى ذلك، ولا يعني أنه لا خير فيهم، ولا جدوى من نصحهم، فليكن أمرك معهم كما قال الأول: حنانيك بعض الشر أهون من بعض.
أما سؤالك: هل تذهبين معهم أم تمكثين في البيت مع أبيك وبعض إخوتك؟
فالذي أنصحك به -أختي الفاضلة- هو ألا تسافري إلى تلك البلاد ما دمت قادرة على عدم السفر، فالسفر إلى تلك البلاد -كما تعلمين- لا يكاد يخلو من بعض المفاسد والفتن، خاصة لمن يقصد المدن الكبرى منها، والتي تعج بألوان من الفساد ومظاهر من التفسخ في دعوة إلى الفاحشة بطريقة صارخة فجة، تلاحق حتى الذاهل عنها.
وإن كنت لا تصبرين على فراق أمك وتحتاجينها في ضرورات حياتك اليومية؛ فألحي عليها بعدم السفر.. إلحاحاً لا يفتقد اللطف ولا يفارقه الأدب.
فإن هي أبتْ إلا السفر؛ فعسى أن تكوني معذورة في مرافقتها إلى هناك، ولكن بشرط المحافظة على الصلوات في وقتها، والتزام الحجاب الشرعي الكامل، فلا كشف للوجه، ولا لبس للضيق، وعليك بالبعد عن الاختلاط بالشباب وعن مواطن الفتن.
وليكن قضاء وقتك في التمتع بما حباه الله تلك البلاد من جمال الطبيعة الخلابة، والتفكرِ فيما بثه الله فيها من بديع خلقه، واشغلي وقتك بما يفيدك: من القراءة في كتاب الله، وحفظ بعض السور، والقراءة في الكتب النافعة، فسوف تجدين في ذلك لذة تضارع لذة المقيمين على الشهوات والمعاصي، ولسوف تجدين في ذلك أُنساً لا يجده أولئك في معاقرة الخمرة ومنادمة القيَنَة.
وعليكِ أولاً وآخراً بتقوى الله في السر والعلن، والإقامة والظعن، فإن الله لا تخفى عليه خافية.
وفقكِ الله وهداك، وثبتك وحباك حب طاعته، واستعملك في مرضاته.
والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.